عرض/ أحمد حسن علي
 
توالت أحداث الربيع العربي ووصلت أصداؤها إلى كل مكان، وبالطبع ليست دول الخليج بمنجاة من مصير العروش التي تساقطت الواحدة تلو الأخرى. لذا، فالسؤال المعلق فوق الرؤوس وهو: (الثورة أم الإصلاح) أيهما الخيار الآمن لدول الخليج؟ وهل يمكن لو قامت في الخليج (ثورات) أن تخرج منها هذه الدول آمنة بحدودها القائمة بنفسها؟
 
ولا تسعى الدراسة إلى بحث حالة دولة خليجية محددة، وإنما تتناول دول مجلس التعاون ككل، التي قررت مواجهة الأزمة الراهنة جماعة، وربطت أمنها القومي ببعضها البعض.

وجاءت الإجابة عبر ثلاث نقاط رئيسية:

أولاً: الخليج والثورة.. اتجاهات فكرية
قطار الثورات العربية المندفع بأقصى سرعة، والذي شق طريقه عبر عواصم عربية عدة، لا بد أن يحط رحاله في منطقة الخليج، وإن كانت بعض مظاهره بدأت تظهر على مسرح الأحداث بوضوح، كاحتجاجات ثورية في البحرين، وقلاقل في بعض مناطق بالسعودية وعمان وإزاء ما يجري في بعض دول مجلس التعاون، انقسمت الرؤى الفكرية والتحليلية إلى ثلاث (وجهات نظر) لكل منها انحيازاتها ومصالحها:
 
-الكتاب: الثورة أم الإصلاح الخيار الآمن لدول الخليج
-المؤلف: د. معتز سلامة
-عدد الصفحات: 49 صفحة من القطع الكبير
الناشر: مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، كراسات إستراتيجية
-الطبعة: الأولى 2011م
الأولى: ترى أن أنظمة الخليج محصنة ضد الثورات لأسباب عدة، منها:

- أن مواطني الخليج لديهم القليل من الأسباب الاقتصادية الدافعة للتغيير الثوري.
 
– شرعية النظم الخليجية أعمق من شرعية النظم الجمهورية.

– طبيعة مواطن الخليج (المجتمعات الأبوية) وولاؤها الباطني لرئيس الدولة، سواء كان شيخًا أم أميرًا أو ملكًا، لتحالفات متجذرة بين قبائل وعصبيات ذات تقاليد راسخة في إطاعة ولي الأمر، ويستنتج من هذا أن مواطني الخليج مهما وصلت درجة معارضتهم لأنظمتهم، فلن تتعدى المطالبة بالإصلاح لعزوفهم عن الدخول في مغامرات مهلكة.
 
الثانية: ترى أنه لا استثناء ما بين أنظمة الخليج ودول الثورات العربية الأخرى، وأن الشرر المتطاير في دول المجلس سيتطور إلى مطالبات بإسقاط الأنظمة، لكن الاختلاف في عدم توافر الشروط المساعدة على نجاح الثورات واكتمالها في الظرف الراهن، ومن ثم يبدو الفارق الخليجي عن باقي المجموع العربي (فارق توقيت)، وليس (فارق خصوصية).

الثالثة: لا تتعامل مع دول المجلس ككل متكامل، ولا تساوي بين أنظمتها فيما يتعلق بالمستقبل السياسي، وإنما تؤكد على وجود تباينات فيما بينها، وبالتالي فحالة كل دولة تختلف عن الأخرى، ومن ثم لو قامت ثورة في إحداها فذلك لا يعني بالضرورة قيام ثورة مماثلة في الأخرى، وتستند تلك النظرة إلى أنه على الرغم من أوجه التشابهات والتمازجات الثقافية واللغوية والسياسية، فإن الظروف الديمغرافية والطائفية والحالة الاقتصادية مختلفة بينهما، وهو ما يؤثر على قدرة كل منهما على التصدي للاحتجاجات المحتملة في نطاقها.
 
ولذا، تخلص تلك النظرة في النهاية إلى أن الامتدادات الثورية ستصيب حتمًا في دول مجلس التعاون، ولكن بشكل يختلف عن ما يدور في الجمهوريات العربية، والتي تركز على إسقاط النظام، بينما سيتم في دول المجلس من خلال إصلاح النظام.

ثانيًا: الخليج والثورة.. حسابات الواقع
اختص هذا الجزء بعرض بعض المقاربات بين دول مجلس التعاون ودول الثورات في بعض الجوانب التي يجمع بينهما قدر من التماثل والتشابه أو الاختلاف البين، كمثال:
 
1-الأسر الحاكمة: فعلى الرغم من حداثة عمر الدول الخليجية فإن نظمها السياسية تولت الحكم منذ فترات طويلة كآل سعود وأسرة الصباح، ومن هذا المنظور فإن سلطويات الخليج تقوم على امتدادات وتوازنات قبلية وطائفية عميقة الجذور، ويجمع بينهما روابط نسب وقرابة قبلية، وفي مقابل تلك الامتدادات فإن حداثة تلك الدول تعتبر مكمن الضعف والثغرة التي ينفذ من خلالها خطر الانقسام الوطني.
 
2 – الطائفية والسلفية: تنطوي دول الخليج على مركب فسيفسائي من المذاهب والطوائف، وتشير خريطة التوزيع الطائفي إلى وجود الشيعة في البحرين، وفي السعودية، والكويت، والإمارات، بنسب تختلف من دولة لأخرى علاوة على طوائف دينية وعرقية أخرى، يضاف إلى ذلك أنه في بعض دول المجلس التي لا توجد بها نسبة كبيرة للشيعة تتركز ثروات الدولة من النفط في منطقة التركز الأكبر للطائفة الشيعية (السعودية نموذجًا).

"
وجود التباين الطائفي قد يمكن من قيام بؤر وجيوب ثورية، ولكن لا يُمكِّن من قيام ثورة وطنية شاملة، لأن أي تحرك من أي طائفة سيوصم على الفور بالتمرد أو الاحتجاج الطائفي
"
ومما ساهم في تفاقم المشكلة وجود سلفية متشددة تتماس مع هذا الاشتعال الطائفي، ولذا فإن وجود هذا التباين الطائفي قد يمكن من قيام بؤر وجيوب ثورية، ولكن لا يُمكِّن من قيام ثورة وطنية شاملة، لأن أي تحرك من أي طائفة سيوصم على الفور بالتمرد أو الاحتجاج الطائفي، كما في حالة البحرين.
 
ولا تبذل أي من سلطات الخليج محاولة للتخفيف من المسألة الطائفية، بل ربما تجد في استمرار هذا (التطيف) المجتمعي قاعدة أساسية لنظام الحكم.
 
3 – القبلية والمناطقية: على الرغم من عمليات التحديث بفعل عائدات النفط لا تزال الروابط القبلية ذات أهمية بالغة في الواقع الخليجي، فتأسيس تلك الدول قام على تحيزات طائفية ومناطقية وقبلية، ومع الأيام خلقت امتيازات جرى توارثها، وتغلغلت في جسد الدولة الحديثة، وهذه الحقيقة الثابتة تعمل في غير مصلحة الثورات التي تتطلب في الدرجة الأولى (دولة – أمة) محققة للهوية الوطنية كحالتي مصر وتونس، وهذا أمر يصعب التسليم بوجوده في أغلب دول المجلس.
 
4 – التقليدية والحداثة: رغم تحول مجتمعات الخليج إلى الأنماط الحضرية والحداثية، فإن المواطن الخليجي فيما يتعلق بمفاهيمه السياسية لا يزال مرتبطًا بانتماءاته القبلية والأسرية.
ولم تشهد دول الخليج تكوُّن أطر تنظيمية قوية للمصالح المدنية الحديثة، وإنما ظلت الحداثة بلا مدافع، وتعرضت الأبنية التقليدية لهزات شديدة دون أن تنهار تمامًا.
 
لذا، فالواقع الماثل يشير إلى أن مظاهر الحداثة لم تتبلور إلى قوى تعوض غياب الدولة أو تحل محلها بإدارة شؤون بلدها في حالة انهيار النظام وسقوط الشرعية، وهذه الوضعية لا تحمي الثورة إذا قامت.
 
5 – الدولة الريعية: التي لا تفرض ضرائب ولا ترهق مواطنيها بأي التزامات مالية، وتدفع لهم رواتب وتوظفهم في هياكلها الإدارية والأمنية، إلا أنه كلما زادت عوائد الدولة من الريع زاد استقلالها عن مجتمعها، ومن ثم يزيد احتكارها للقرار والعكس بالعكس.

لذلك تركزت البقع الثورية التي برزت في بعض دول المجلس في بعض المناطق الأكثر حرمانًا من عائدات وخيرات دول الرفاه.
 
6 – التركيبة السكانية المختلة: تعمل ضد إمكانات وقوع ثورات، وتضعف فرص نجاحها في حال قيامها، إذ يبلغ تعداد دول المجلس ما بين 38 و40 مليون نسمة، منهم حوالي 15 مليون وافد، قد يمثل عامل قلق أمني، لكنه لا يمثل موردًا للثورات، لأنه من الصعب اتفاقهم على أعمال تمرد مشتركة، فأغلب مطالب الوافدين تدور حول تحسين أوضاع وشروط العمل والأجور، وهكذا يؤدي خلل التركيبة السكانية إلى الخوف من اندلاع الثورات الوطنية الشاملة التي قد تثير الفوضى الشاملة في حالة تناثر محتويات تلك التركيبة المتضاربة.

"
الفارق الأكبر بين دول المجلس ودول الثورات العربية هو عدم وجود قوى سياسية ومدنية وتيارات فكرية فاعلة، ومن ثم لا تكون أمام الأفراد فرصة لتكوين تنظيمات تفرض مطالب عامة
"
7 – الشباب وثورة الاتصال: أغلب سكان دول المجلس من الشباب الصغار الذين تبلغ نسبتهم 86.8%، وأكثرهم من المولعين بشبكات التواصل المجتمعي، وتزداد مطالبهم من أجل التغيير والمشاركة في مصائر بلادهم، إلا أن الفارق الأكبر بين دول المجلس ودول الثورات العربية هو عدم وجود قوى سياسية ومدنية وتيارات فكرية فاعلة، ومن ثم لا تكون أمام الأفراد فرصة لتكوين تنظيمات تفرض مطالب عامة، ولذا تكون تحركاتهم عفوية وتلقائية من دون تحقيق أهداف محددة، وهذا لا يكفي لنشوب ثورات وطنية شاملة تسقط الأنظمة غير المرغوب فيها.
 
8 – شرعية الإنجاز: تمثل الوجه المضيء للدولة في الخليج، فرغم كونها دولاً تسلطية، فإنها قدمت من الخدمات، وبذلت جهودًا تنموية مهمة، وباستعراض بعض مؤشرات التقدم الخليجي عن دول الثورات العربية الأخرى، يتضح الآتي:

صنّف البنك الدولي اقتصاديات دول المجلس بأداء متوسط نمو سنوي بلغ (5.8%) مقارنة بمتوسط نمو عالمي قدره (4.3%)، إلى جانب ذلك حلت دول المجلس في مراتب متقدمة عن دول الثورات، فقطر تأتي في المرتبة (17)، والسعودية (21)، والإمارات (25)، وعمان (34)، والكويت (35).

وعلى الجانب السياسي، لا يتضح وجود فروق جوهرية بين دول المجلس، وكل من مصر وتونس، فجميعها متأخرة في مؤشرات الديمقراطية والفساد والحقوق السياسية، باستثناء الكويت والبحرين، ولكن لا وجه للمقارنة بين دول المجلس ودول الثورات في الجانب الحياتي والمعيشي وكثير من أوجه الحياة اليومية.
 
9 – المطالب والاستجابات: انعكست الثورات العربية على منطقة الخليج في الجانب السياسي على إرسال عرائض مطالبة ببرنامج إصلاحي يقود إلى (نظام ملكي دستوري)، كما في السعودية، وتطور في بلدان أخرى إلى فعل ثوري احتجاجي لإلغاء النظام الملكي من خلال العصيان المدني كالوضع في البحرين وسلطنة عمان، وصور أخرى تراوحت ما بين تحديد طريقة اختيار ممثلي الأمة في المجالس الوطنية كالإمارات وغيرها، وإزاء هذه الموجات الثورية سعت دول المجلس إلى اتباع أربعة أنماط للسلوك:
 
- النمط العسكري الأمني: (كحالة البحرين) وعمان في قمع الاحتجاج الداخلي وكسره.

- التفاعل الريعي والمالي: كعطايا المال التي منحت للطلاب والعاطلين وزيادات الرواتب وتحسين الخدمات (كحالة السعودية).

- التفاعل السياسي: ويعتبر أقل أنماط التفاعل، فلم يحدث أي انعكاسات سياسية مهمة، وإدخال بعض التغييرات الهامشية، والتي اعتبرها معظم مفكري الخليج غير كافية، وتفتقد إلى رؤية إستراتيجية واضحة، وتعالج الأزمات الحادة بإجراءات مؤقتة، والاقتصار على العلاج الأمني دون حل سياسي شامل يمس جذور المشكلات التي تتفاقم وتتعقد.
 
- ودعا آخرون إلى استيعاب دلالات الدرس العربي ودول الثورات التي ضحت بالديمقراطية من أجل الاستقرار، فخسرت الاثنين معًا.
 
ثالثًا: الخليج والثورة.. حسابات المستقبل
في ظل ما سبق عرضه من أوضاع دول المجلس، خلص المؤلف إلى أنه يصعب تصور قيام ثورات وطنية على مستوى الدولة في الخليج، وإنما الأقرب للتصور أن تنفجر بؤر ثورية في أماكن محددة، فالتغيير الثوري الشامل قد يفرز بدائل كارثية، عرض بعضها:
 
- كيانات طائفية مذهبية، أو عصبيات قبلية، تمكن وحدات سياسية أصغر من الظهور على أنقاض الدول القائمة.

إضافة إلى تأسيس دول المجلس على تحالفات وائتلافات قبلية أو عصبوية تجذرت عبر الزمن، ويتعذر صناعة صيغ لتحالفات وائتلافات حكم بديلة، مما يعين بقاء دول الخليج بين مطرقة السلطوية وسندان الخوف من المجهول.
 
"
خيار الإصلاح هو الأكثر أمانًا لدول الخليج، ولذا يتطلب هذا من أنظمة المجلس أن تشرع في مبادرات إصلاحية في الداخل تتجه نحو ملكيات دستورية كاملة أو صيغ وسطية متدرجة
"
ولعل هذا يجعل (خيار الإصلاح) هو الأكثر أمانًا لدول الخليج، ولذا يتطلب هذا من أنظمة المجلس أن تشرع في مبادرات إصلاحية في الداخل تتجه نحو ملكيات دستورية كاملة أو صيغ وسطية متدرجة منها نمو درجة أقل من الملكيات الدستورية مازجة ما بين المؤسسات الشعبية المنتخبة والسلطات التي تتمتع بها أنظمة الحكم الراهن.
 
وفي الخاتمة ينصح المؤلف: بتدعيم الوحدة الوطنية والمواطنة بالداخل، حتى لا تكون الدولة عرضة للابتزاز المتواصل من هبات مفاجئة، لذلك من المهم تجهيز أدوات تحصين مستمرة، ولن يكون ذلك إلا بالإصلاح السياسي لأبعد مدى ممكن، لأن الحكم من الآن لم يعد ميزة متفردة ومطلقة للسلطة، ولذا يبقى عنوان الكتاب (الثورة أم الإصلاح؟) السؤال المعلق فوق آفاق دول الخليج العربي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك