يقول مسكويه: قرأت مسائلك التي سألتني أجوبتها في رسالتك التي بدأت بها فشكوت فيها الزمان واستبطأت بها الإخوان, فوجدتك تشكو الداء القديم والمرض العقيم، فانظر إلي كثرة الباكين حولك وتأس، إنما تشكو إلي شاك وتبكي على باك، وكل أحد يلتمس من أخيه ما لا يجده أبداً عنده.
 
الهوامل والشوامل كتابان في الحقيقة وليس كتابا واحدا؛ يتضمن أسئلة لأبي حيان التوحيدي وأجوبة لمسكويه على هذه الأسئلة، وتحت عنوان رائع يصور الأسئلة على أنها إبل أهملها صاحبها وترك حبلها على غاربها فكانت هوامل أي تائهة، ثم يعود للأجوبة فيصورها على أنها حيوانات الحراسة التي تعيد الإبل إلى جمعها فكانت شوامل.
 
"
أبو حيان التوحيدي كثير الشكوى، متقلب المشاعر، ولكنه الأديب مع الأدباء، الفيلسوف مع الفلاسفة، المتكلم مع المتكلمين، المتصوف مع المتصوفة
"
أبو حيان التوحيدي كثير الشكوى، متقلب المشاعر، ولكنه الأديب مع الأدباء، الفيلسوف مع الفلاسفة، المتكلم مع المتكلمين، المتصوف مع المتصوفة. 
 
أما مسكويه فقد  شغله عمله كخازن له على بيت المال عن دراسة كثير مما لابد من تحصيله في مسائل العلم وأقسامه، فلم يبرع في غير الفلسفة.
 
يجتهد أبو حيان التوحيدي في أسئلته فمرة يشرّق وأخرى يغرّب.
 
يسأل أسئلة خلقية، ثم يتبعها باجتماعية، ويعود ليسأل أسئلة اقتصادية أو نفسية أو لغوية.
 
ما الفرق بين السرور والحبور، والبهجة والغِبطة، ، والجَذَل والفرح. ولماذا تُفشى الأسرار بمرور الزمان رغم أن أصحابها قد حرصوا أشد الحرص على كتمانها. ولماذا في نفس الإنسان حب لأن يبين للناس حسن صنيعه؟
 
ويجيب مسكويه متنقلا بين أطياف العلوم وفنون الثقافة.. يتنقل بين فنون المعرفة من اللغة إلى الأخلاق مع معرفة بمكنون النفوس وما يجول في خواطر البشر وضمائرهم.
 
يرى أبو حيان أمراً يحيره.. يرى تواصي الناس بالزهد في الدنيا مع حرصهم الشديد عليها وانغماسهم فيها حتى النخاع، فيسأل مسكويه: ألأن الإنسان في الأصل يولد جاهلا؟!
 
وفي سؤال لأبي حيان عن سبب من يدعي العلم وهو يعلم أنه لا علم عنده؟ يجيبه مسكويه بأن سبب ذلك محبة الإنسان لنفسه وشعوره بموضع الفضيلة، فهو لأجل المحبة يدعي ما ليس لها.
 
فيعود ليسأله: ما سبب رغبة الإنسان في العلم؟ فيجيبه بأن العلم هو كمال الإنسان، وكلما زاد علم الإنسان زادت إنسانيته.
 
ويتساءل في مسألة أخري عن سبب ذم الناس للبخل ومدحهم للكرم، وما سبب اتفاقهم على مجافاة الغدر واستحسان الوفاء مع غلبة الغدر وقلة الوفاء؟
 
"
مسكويه:
سبب استحسان الناس الوفاء حسنه في العقل لأن الناس يتعاونون فيما بينهم, فوجب عليهم أن يكونوا أوفياء لبعضهم حتى تتم أمورهم بخير
"
فيرد مسكويه بأن سبب استحسان الناس الوفاء حسنه في العقل لأن الناس يتعاونون فيما بينهم, فوجب عليهم أن يكونوا أوفياء لبعضهم حتى تتم أمورهم بخير, وبحسب الأمر المقصود إتمامه يكون حسن الوفاء وقبح الغدر، فإن كان الأمر شريفا استحسن الوفاء فيه.
 
وينتقل ليسأل في مناطق أخري كالعادات والأخلاق.. يتبعها بسؤال في الأدب واللغات.. ويعود ليسأل أسئلة تبدو في ظاهرها بسيطة، ولكن ما خفي كان أعظم.
 
فيجاوبه مسكويه بإجابات أشمل وأبسط.
 
ويسأل عن المدح والذم, لماذا يمدح الإنسان غيره ولماذا يذمه؟ ويسأل: لماذا يستخدم الإنسان التشبيه في كلامه, لماذا يشبه الشيء بالشيء، ويسأل عن الرؤيا وصحتها وفسادها؟
 
يجيب مسكويه شارحاً الزمان والحركة وأقسام الحركة والسكون. ويسأله عن الفراسة والعواقب والقرائن. ويسلمنا أبو حيان من تساؤل إلى تساؤل وكأنما يسقينا مياه البحر كلما استسقينا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك