عرض/ أحمد حسن علي

من المعروف أن السياسة الخارجية لأي قوة دولية، هي: تعبير عن مصالح دائمة، واستجابة –أو استغلال– لظروف أو ملابسات متغيرة قد تؤثر بشكل أو بآخر في هذه المصالح سلبًا أو إيجابًا، وعلى ضوء تلك البديهية تتحدد مواقف القوى الدولية إزاء ما يجابهها من أحداث وصراعات.
 
-الكتاب: الموقف الاستراتيجي الأميركي الإسرائيلي
من التحولات السياسية في المنطقة العربية
-تحرير: عبد الحميد الكيالي
-المشاركون: عدنان هياجنة، عزيز حيدر، جوني منصور
-عدد الصفحات: 57
-الناشر: مركز دراسات الشرق الأوسط – عمان
-الطبعة: الأولى/ 2011م
فمراكز القرار الأميركية والإسرائيلية على سبيل المثال صدمتها مفاجأة تفجر الثورات العربية على غير انتظار، وتتابع سقوط حلفائها الإستراتيجيين الواحد تلو الآخر، مما أثار تساؤلات وجدلاً حول المواقف الأميركية والإسرائيلية تجاه المنطقة بعد هذه الثورات.
 
ويأتي هذا الكتاب ليجيب عن بعض هذه الأسئلة التي تطل برأسها وسط الصخب العالي في العواصم العربية، عن مواقف القوى الفاعلة في المنطقة مما يجري فيها الآن؟ وهل نحن أمام تغيير كبير لحق بالسياسة الأميركية والإسرائيلية في المنطقة أم ماذا؟ وذلك عبر محاور ثلاثة:
 
الأول: الموقف الإستراتيجي الأميركي
بداية لا يمكن الحديث عن تغيير ملحوظ سيطرأ على السياسة الخارجية الأميركية تجاه الوطن العربي، إذ ستبقى المصالح هي التي تحكم السلوك الأميركي، وكما يقول وزير الخارجية الأسبق (جيمس بيكر) في حديث له: (ستبقى المدرسة البراغماتية المثالية، تحكم السياسة الأميركية بشكل عام والثورات الشعبية بشكل خاص).
 
وقد حددت هيلاري كلينتون الأهداف الأميركية في المنطقة في خطابها أمام مؤتمر ميونخ الأخير، فيما يأتي:
 
- التعاون الأمني القوي مع الأنظمة العربية، التي بدأت تتهاوى منذ الثورة التونسية.
 
- السلام بين إسرائيل والعرب بما يضمن حماية أمن إسرائيل.
 
- الملف النووي الإيراني، أي منع إيران من امتلاك قدرة نووية عسكرية.
 
- محاربة الإرهاب ممثلاً (بالقاعدة).
 
وهي أهداف ثابتة عبر كل الإدارات، إضافة إلى تأكيد كوندوليزا رايس دعم الأنظمة العربية غير الديمقراطية مقابل تحقيق المصالح الأميركية وعلى حساب الديمقراطية في هذه الدول.
 
وقد كان يمكن للأمور أن تمضي إذا اقتصرت على التعامل مع رؤساء هذه الدول، إلا أن حقائق جديدة نبتت من وسط أجيال عربية جديدة لم تعد وسائل الترغيب والترهيب التي تلجأ إليها الحكومات العربية تشكل رادعًا لها، حيث صارت تتطلع إلى العيش في بلدان حرة ومتقدمة، ومن الطبيعي أن تراقب الولايات المتحدة ما يحدث وإن لم تحدد طريقة معينة بعد للتعامل معه، ويمكن تلخيص ما يدور في عقل صناع القرار في الولايات المتحدة، وما تقوم به في جملة من النقاط، أبرزها:
 
"
وصلت الولايات المتحدة إلى قناعة بأن الثورات الشعبية ستطال كل الدول العربية، لكنها ستتدخل في الوقت المناسب، بشكل لا يؤدي إلى خسارتها للأنظمة إن استطاعت تأهيل نفسها، أو الشعوب إن لم تقبل بهذه الأنظمة
"
- مراقبة التطورات في كل البلدان العربية، حيث وصلت الولايات المتحدة إلى قناعة بأن الثورات الشعبية ستطال كل الدول العربية، لكنها ستتدخل في الوقت المناسب، بشكل لا يؤدي إلى خسارتها للأنظمة إن استطاعت تأهيل نفسها، أو الشعوب إن لم تقبل بهذه الأنظمة.
 
- تقديم النصائح المباشرة إلى بعض الدول بضرورة اتخاذ خطوات استباقية من أجل الإصلاح قبل أن يكون الوقت قد تأخر، أو كما قال أحد سفراء الولايات المتحدة ناصحًا الأنظمة العربية: تعاملوا مع الثورات قبل أن تستهلككم.
 
- التخوف الأميركي من تنامي قوة الإسلاميين وسيطرتهم على الأنظمة السياسية في المرحلة القادمة.
 
- حالة الفوضى السياسية في المرحلة الانتقالية التي يمكن أن تحدث في المنطقة، وتؤثر على المصالح الأميركية.
 
- ارتفاع أسعار النفط، وتأثيرات ذلك على الاقتصاد الأميركي الذي بدأ مرحلة من التعافي بعد أزمة الدين الأميركي.
 
إلا أن هناك معضلتين يجب على الولايات المتحدة أن تتحرر منهما وتفك قيودها التي تشل أيديها عن الفعل في المنطقة العربية، وهما: معضلة قيود المصالح على حساب القيم، والثانية معضلة أمن إسرائيل والسلام وإلا ستبقى رهينة للدور الإسرائيلي الذي صار يمثل عبئًا إستراتيجيًا عليها، ويتضح من هذا أنه لا يوجد (مكتوب أبدي) في السياسة الدولية ولا في غيرها من مجالات الحركة والعلاقات الإنسانية، وإنما كل شيء في حركة وتحول لا يتوقفان.
 
الثاني: قراءة إستراتيجية في ردود الفعل الإسرائيلية
وتدور هذه القراءة حول ثلاث فئات من ردود الفعل تركز بشكل رئيس على التحليلات الإستراتيجية التي تقدم تقييمات وتقديرات حول وضع إسرائيل الإستراتيجي بعد اندلاع الثورات العربية، ويمكن تصنيفها إلى ثلاث فئات رئيسية:
 
- تصريحات السياسيين الإسرائيليين، وخاصة المشاركين في الائتلاف الحكومي.
 
- الأخبار والتحليلات الصحفية في وسائل الإعلام.
 
- التقارير الإستراتيجية الصادرة عن مراكز الأبحاث الإستراتيجية البارزة.
 
"
ردود الفعل الإسرائيلية ترسل النظرة الفوقية والاستعلائية التي تؤكد أن العرب غير قادرين، وغير جاهزين للتحول إلى أنظمة ديمقراطية
"
إن ردود الفعل الإسرائيلية ترسل النظرة الفوقية والاستعلائية التي تؤكد أن العرب غير قادرين، وغير جاهزين للتحول إلى أنظمة ديمقراطية، جاء ذلك في موقع صحيفة يديعوت أحرونوت: (احتمال ربيع شعوب ديمقراطي هو حلم، ففي مصر سيتم تخليد نظام أوتوقراطي، وقريبًا ستُمنح مصر للإسلام بصورة مباشرة أو من ينوب عنه مثل البرادعي...).
 
وفي هذا السياق، عبر أحدهم عن هذا التخوف قائلاً: (... الأميركيون والغرب عامة ساذجون حين يحسبون أنه يمكن أن تقوم ديمقراطية في مصر؛ لأن آمال الجمهور سوف يخطفها من هم أكثر تنظيمًا، أي الإخوان المسلمين...).
 
أما أودي ألوني، فقد أظهر الوجه الحقيقي للإسرائيليين الذين يفضلون الأنظمة الدكتاتورية في الشرق الأوسط، ووصفه بأنه يعكس "فوقية وأنانية"، تفترض أن الشرق الأوسط كله يتمحور حول إسرائيل.
 
ومن الواضح أن مصدر الهلع الإسرائيلي من الثورات العربية هو انهيار (العالم المفاهيمي) الذي قامت عليه التقييمات السابقة، وأن إسرائيل مجبرة على تغيير منظومة المفاهيم التي قامت عليها الإستراتيجيات السابقة.
 
ففي مقال لتوماس فريدمان نقل عن ضابط إسرائيلي قوله: (كل ما فكرنا به خلال ثلاثين عامًا لم يعُد له علاقة بالواقع، فقد شكلت اتفاقية السلام مع مصر أساس السياسة الجيو سياسية والاقتصادية الإسرائيلية خلال 35 عامًا مضت، لكن هذا الواقع انتهى)، (... فواقع وجود حكام مستبدين يخضعون الملايين لصالح مجموعة صغيرة من المقربين للنظام ويفقرون الجماهير انتهى، ولم يعد قائمًا).
 
ترى جميع هذه التصريحات في الثورات العربية تطورًا سلبيًا ينقل إسرائيل إلى وضع إستراتيجي أصعب، وأن المستقبل يكتنفه الغموض في أجواء الشرق الأوسط.
 
أما عن التحديات الأساسية أمام إسرائيل بعد الثورات العربية، ففي تحليل أحد الخبراء الإستراتيجيين لنتائج الثورة في مصر قرر أن مضاعفاتها على إسرائيل يجب وضعها على مستويين:
 
الأول يتعلق بمصر مباشرة، والثاني يتعلق بالنتائج العامة على مستوى الشرق الأوسط، ويقول: (إذا قام في مصر نظام ديمقراطي معتدل، فإن الوضع الجديد يضع إسرائيل في مواجهة مشاكل صعبة، وأن أبسط طريقة للتعبير عن ذلك هو استبدال اليقين بالشك أو بعدم اليقين).
 
وأبرز معضلة تواجه النظام الجديد حفاظه على معاهدة السلام، فماذا إن جاء الأسوأ: (إذا اخترقت مصر المعاهدة فسوف يكون من الصعب على إسرائيل أن تقنع أميركا بالتدخل، فكيف يمكن لإسرائيل أن ترد دون التسبب في صدام؟).
 
"
انهيار حكم مبارك يضع إسرائيل في ضائقة إستراتيجية بعد أن صارت بدون أصدقاء في الشرق الأوسط، فقد انهار التحالف مع تركيا العام الماضي، والآن ستجد إسرائيل صعوبة في الاعتماد على مصر
"
وبالنسبة للمستوى الثاني، يرى الباحث أن الانتفاضات سوف تقوض الاستقرار في الدول التي لا تعادي إسرائيل أكثر من دول أخرى، مثل الأردن والسلطة الفلسطينية، ويقدم نظرة متشائمة لا ترى بصيصًا من الأمل، يقول: (انهيار حكم مبارك يضع إسرائيل في ضائقة إستراتيجية بعد أن صارت بدون أصدقاء في الشرق الأوسط، فقد انهار التحالف مع تركيا العام الماضي، والآن ستجد إسرائيل صعوبة في الاعتماد على مصر، فالعزلة المتعاظمة في المنطقة، وضعف أميركا الظاهر، سيجبران إسرائيل على البحث عن حلفاء جدد).
 
ويرى الصحفي أري شبيط في الثورات العربية عمليتين على قدر كبير من الأهمية:
 
- إن ما كان لن يستمر في الفعل بعد أن أخذ النظام الشرق الأوسطي في التفكك.
 
- تسريع انحسار الغرب، نتيجة صعود دول أخرى (.. عندما تدفن الولايات المتحدة وأوروبا مبارك فإنها أيضًا تدفن الدول العظمى نفسها في ميدان التحرير في القاهرة، وعليه فعصر الهيمنة الغربية يذوب).
 
وعن أثر الثورات العربية على الساحة الفلسطينية فإن جميع ردود الفعل الإسرائيلية أبرزت الهم الأساسي لإسرائيل في ظل الثورات العربية، وهو القضية الفلسطينية: (المجتمع الفلسطيني مجتمع شباب انسدت الآفاق أمامه بسبب الاحتلال، فأسباب الانتفاضة قائمة، وكل ما هو مطلوب الشرارة التي تشعلها).
 
وفي إثر الثورات العربية، يعتقد نتنياهو: (بوجود فرص إلى جانب التهديد، فيجب استغلال الواقع الذي استجد من أجل تحريك العملية السياسية ووضع حد للمبادرات الفلسطينية من جانب واحد)، أما ردود الفعل على المستوى العسكري، فقد صرح وزير الدفاع باراك (إسرائيل هي دولة قوية، ولكنها تكون أقوى مع اتفاقيات، لكن الوضع اليوم أصبح أكثر تعقيدًا، خاصة أن الفلسطينيين فقدوا الغطاء العربي).
 
ويتفق تقييم باراك مع موفاز الذي ربط بين ما يجري في لبنان والأردن بالثورة في مصر، محذرًا: (هذا وضع إستراتيجي جديد، يجبر إسرائيل على تقسيم قوتها، تقسم أجهزة التنصت والمخابرات بشكل جديد، لأن الواقع يتغير أمام أعيننا).
 
الثالث: الموقف الإستراتيجي الإسرائيلي
المتتبع لمجريات الأحداث في المنطقة يدرك أن قلق ومخاوف إسرائيل تنصب على مصير ومستقبل مصر في الأساس، وعلى الدول المحيطة بها كلبنان وسوريا والأردن، ويمكن إرجاع هذا الهلع إلى جملة من الأسباب، أبرزها:
 
- تخوف إسرائيل من احتمال انتقال الحكم في مصر وغيرها من مصاف الدول (المعتدلة) إلى أطراف خارجة عن مبدأ (التطويع والتبعية)، ومن ثم وقوع هذه الدول في إطار حكم راديكالي إسلامي، ولذا فإن احتمالات إلغاء اتفاقيات السلام ستصبح وشيكة، مما سيؤدي إلى خلخلة في بنيان استقرار إسرائيل.
 
- اعتبرت إسرائيل أن نظام مبارك في مصر كان ضمانة للاستقرار في المنطقة، وخاصة لإسرائيل بالتزامه بالتوجيهات الأميركية بحذافيرها.
 
"
سعت إسرائيل طيلة الثلاثين عامًا الماضية إلى إقصاء مصر عن قيادة العالم العربي، ففقدت مصر مكانتها وريادتها، ولكن الحراك الشعبي نسف هذه الحالة وأكد أن مصر هي قلب العالم العربي
"
- شكل النظام السابق قوة ضاغطة على السلطة الفلسطينية لتسير في طريق التسوية الاستسلامية مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه قام بالتنسيق مع إسرائيل والسلطة الفلسطينية على مواصلة حصار غزة والتضييق عليها بكافة السبل.
 
- كانت إسرائيل قد سعت طيلة الثلاثين عامًا الماضية إلى إقصاء مصر عن قيادة العالم العربي، وجعلها دولة وسيطة فقط ليس أكثر، ففقدت مصر مكانتها وريادتها، ولكن الحراك الشعبي نسف هذه الحالة وأكد أن مصر هي قلب العالم العربي، وفي طريقها إلى استعادة مكانتها الرائدة.
 
- قلق إسرائيل من التحولات في سياسات إدارة أوباما التي تسعى لضمان المصالح الأميركية بعيدًا عن أجندات إسرائيل وتطلعاتها إلى تكوين شرق أوسط جديد إسرائيلي.
 
لهذا فإن قلق إسرائيل ليس محصورًا فيما يجري في المنطقة فحسب، إنما هو في مراقبة التحرك الأميركي المستقبلي الذي سيأخذ بعين الاعتبار العالم العربي الذي يتشكل ذاتيًا من جديد في هذه الأيام.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك