عرض/ الحسن سرات
 
تستمد رواية "الموريسكي" قيمتها من راويها ومن قضيتها. أما الراوي فهو الدكتور حسن أوريد، وجه فكري وسياسي مشهور بالمغرب. وما جعله مشهورا سوى أنه من زملاء ملك المغرب محمد السادس في الدراسة وأول وآخر ناطق رسمي باسم القصر الملكي في السنوات الأولى لحكم الملك الجديد.
 
-الكتاب: الموريسكي-رواية
-المؤلف: حسن أوريد
-عدد الصفحات: 220
-الناشر: دار أبي رقراق-الرباط
-الطبعة: الأولى 2011
ثم أصابته ألسنة اللهب السياسية عندما عين واليا -حاكما- لجهة مكناس تافيلالت حيث فاز حزب العدالة والتنمية الإسلامي برئاسة عمودية مكناس في شخص بلكورة، فشهدت عاصمة السلطان العلوي المغربي القوي المولى إسماعيل مشاهد ومواقف من التدافع والتزاحم والتراشق.
 
ثم أبعد أوريد الأكاديمي عن تلك المهمة وأسندت له مهمة أخرى هي مؤرخ المملكة بعد وفاة صاحبها عبد الوهاب بنمصور. لكن الجليد طغى بعد ذلك على علاقة المثقف بالسياسي، فتوارى عن الأنظار، إلى أن جاء الربيع العربي فظهر أوريد -الأمازيغي الأصل- بصبغته الفكرية والأدبية وقد عادت إليه الروح ولاحت نتائج رحلة باطنية عصيبة عبر فيها المحيط والصحراء معا. فكان "الموريسكي" واحدا من تلك النتائج.
 
وأما قضية الرواية فقد سارت بذكرها الركبان، وسالت بالكتابة عنها الأقلام، ونظمت لها المؤتمرات والملتقيات والمحاضرات والبحوث، وألفت حولها الكتب وما تزال.
 
إنها قصة الموريسكيين -المسلمين السيئين في نظر الكنيسة الكاثوليكية الإسبانية، والمسلمين السيئين في نظر أهل الإسلام- الذين تعرضوا لمحنة من أشد المحن دموية وظلما في التاريخ.

وحسب المقدمة التي كتبها أوريد للنسخة العربية للرواية -إذ إنها صدرت بالفرنسية أولا- فقد استقى مادة الرواية من سيرة أحمد شهاب الدين أفوقاي -صاحب كتاب "ناصر الدين على القوم الكافرين"- الذي فر من الأندلس زمان محاكم التفتيش إلى المغرب، ليلتحق ببلاط السلطانين السعديين أحمد المنصور الذهبي وولده زيدان.
 
أعاد حسن أوريد صياغة الشخصية بأسلوب روائي معاصر معتمدا على التاريخ، ملتجئا إلى الخيال لملء الفراغ في نص صاحب السيرة بطل الرواية.
 
الموريسكية تعيد نفسها
كثيرة وكبيرة هي القضايا التي تثيرها هذه الرواية، مثل قضية الموريسكيين وتكرارها عبر التاريخ، وقضية الاضطهاد باسم الدين وبسببه، وقضية الاندماج الثقافي والحضاري، والحوار بين الأديان ونسبية الانتماء الديني، والثورات الشعبية.
 
قضية الموريسكيين ليست فريدة في التاريخ القديم ولا الحديث، فقد أحياها النقد الذاتي الفكري والسياسي الجاري بإسبانيا بعد أن تحررت من الميراث الثقيل للصفحات الكاثوليكية المتحالفة مع الملكية ضد الوجود العربي والإسلامي بالأندلس.
 
إنها مأساة إنسانية يعبر عن طريقها حسن أوريد عن قضايا راهنة، كما يقر بذلك صراحة. "فالموريسكي، في نحو من الأنحاء هو "نحن" المرحلون من ثقافتنا الأصلية، ومن دفعنا إلى ثقافة "المهجر"، وتوزعنا بين الاثنين.. آهة الموريسكي في عملي هي انتفاضة ضد وضع جامد، يتكرر بوجوه جديدة".
 
"
قضية الموريسكيين ليست فريدة في التاريخ القديم ولا الحديث، فقد أحياها النقد الذاتي الفكري والسياسي الجاري بإسبانيا بعد أن تحررت من الميراث الثقيل للصفحات الكاثوليكية
"
وبناء على هذا التأويل لمؤلف الرواية، فالموريسكية حالة بشرية وصفحة تاريخية تعيد نفسها، فهي -كما يقول هو- حاضرة في المأساة الفلسطينية، وقد تكون متجسدة في حالة الهنود الحمر وحرب الاجتثاث التي تعرضوا لها على يد الرجل الأبيض، وقد تكون متمثلة في الأفارقة وهم يتعرضون للبيع والشراء ثم لغسل الدماغ على يد الاستعمار الغربي.
 
وقد تكون هي مأساة المسلمين تحت نير الشيوعية الحمراء زمن الاتحاد السوفياتي والمعسكر الشرقي، وهي في الخلاصة العامة محنة المستضعفين مع المستكبرين الراغبين في التنويم المغناطيسي وغير المغناطيسي لهم ليتمتعوا بممتلكات الأرض الظاهرة والباطنة دون أن يزعجهم أحد من المستيقظين.
 
التفتيش حالة نفسية
لم يجد حسن أوريد عنتا في وصف ما يدور في غرف العمليات داخل القصور الحاكمة وهو ينتقل مع بطل الرواية في المراتب والمناصب التي تولاها مع السلاطين المغاربة، مثلما تنقل هو في المناصب والمراتب مع المخزن المغربي الحالي. "فالكل يشي بالكل، ولا أحد يثق بأحد. كان للبلاط معايير أخرى في التعامل" كما يقول البطل وهو يشهد كيف قام السلطان السعدي بتأديب أحد أقرب المقربين ليكون عبرة للآخرين بناء على وشاية كيدية.

لا يتوقف حسن أوريد -على لسان البطل- عند هذا الحد، بل يتجاوز ذلك لربطه بالظاهرة الموريسكية، فيقول مستنتجا من دسائس القصور ومكائد الصقور "محاكم التفتيش حالة نفسية، وليست المحرقة سوى حلقة من سلسلة. محاكم التفتيش هي الخوف، هي الوشاية، هي الكذب، هي تشويه الحقائق، هي الإرجاف". فما الفرق إذن بين ما قام به الكاثوليكيون الإسبانيون تجاه الموريسكيين وما يجري داخل القصور بحق الخصوم والمناوئين الذين يهددون المصالح والامتيازات؟ لا فرق.

الدين راية حرب
ومما تفضحه القضية الموريسكية إشهار الدين ليكون راية حرب في ساحات بعيدة عنه، وإقحامه في جولات الصراع السياسي والعسكري والحضاري. فكثير من الموريسكيين لم يكونوا مسلمين إلا ثقافة واجتماعا، وليس إيمانا والتزاما، مع أن الإيمان والالتزام ليس مبرر حرب. رودريغيز، رفيق بطل الرواية، يقر بذلك قائلا "أنا مسلم ليس لي خيار آخر. رغم أنني لم أصل قط ولا أصوم رمضان، عشت دائما على شاكلة القشتاليين. أحب الخمر ولحم الخنزير، وفجأة أعلنوا بأنني مسلم لكي يطردوني من دياري. رد الفعل والظلم دفعاني لأصير مسلما. ليس لأداء الصلوات الخمس وصوم رمضان، ولكن لأقاتل باسم الإسلام. الإسلام بالنسبة لي راية حرب".
 
"
من بين ما تفضحه القضية الموريسكية إشهار الدين ليكون راية حرب في ساحات بعيدة عنه، وإقحامه في جولات الصراع السياسي والعسكري والحضاري
"
راية الحرب، هاته، هي نفسها التي يرفعها بعض المعارضين. تقدم الرواية نموذجا حيا من خلال سيرة معارض صحراوي للدولة السعدية يدعى أبو محلى، عرف بخطابته وشعبويته وادعائه للمهدوية، واستطاع الدخول إلى مراكش والحكم فيها ثم ما لبث أن قتل. يقول البطل عن هذا النموذج "من السهل دائما التذرع بالدين للوصول للسلطة، ولكن بعد الوصول إليها يصعب ممارستها بحسب التعاليم الأخلاقية. كان أبو محلى جيدا في دوره كمعارض. كان يثير الحشود ويهيجها بواسطة ذلاقة لسانه. لكن إدارة شؤون الناس تتطلب أكثر من الخطابة. هم في حاجة للأمن والخبز والأمل. وحين لا ينالون ما يتطلعون إليه، فإنهم يختارون من بإمكانه أن يوفر لهم الأمن والخبز والأمل".
 
إنها لعبة سياسية تكررت في الماضي وما تزال تتكرر في الشرق والغرب، وبين المسلمين وغير المسلمين، وقد يكون الإسلاميون الحاليون الذين قضوا شطرا من وجودهم في المعارضة باسم الدين أكثر الفئات المعنية بهذا الأمر.
 
صاعقة الحب
أرسل شهاب الدين -بأمر من السلطان السعدي زيدان- في مهمة دبلوماسية إلى هولندا -وهو الخبير بالأوروبيين والمسيحية واليهودية- ليقنعهم -بتكليف من السلطان السعدي- بالوقوف مع الموريسكيين المظلومين وإعادتهم إلى بلدهم وديارهم وأموالهم.
 
هناك يصعق شهاب الدين عندما ينهزم أمام فتاة مسيحية هولندية، فيتعلق أحدهما بالآخر، وبعد صراع عاطفي ديني باطني، يتسامى السفير بحبه إلى العذرية، لكن صاعقة الحب-كما سماها البطل- تعلمه حقائق أخرى عن الدين والمتدينين والمسيحية والمسيحيين والإسلام والمسلمين.
 
يتعلم البطل أنه في أرض الإسلام ليس كل شيء جميلا، وفي أرض المسيحية ليس كل شيء خاطئا، وأنه هرب من العقيدة المسيحية وصغار من يتصرفون باسمها، وآلى على نفسه أن يقوم بالدفاع عن الإسلام وتعاليمه، "وها هي أوجيني، الفتاة المسيحية الهولندية، تزعزع كل الحجج التي أتسلح بها. صرت أرى الفروق بين المسيحيين الذين لم أعد أدعوهم بالكفار، وصار لي موقف نقدي إزاء إخوتي في الدين".
 
وعندما يدرك بمعية مرافقيه، أنه وهو العالم الفقيه، مثله مثل باقي البشر من لحم وعظم وقلب ينبض بالحب، يقول له أحد صاحبيه وهو يقارنه برهبان المواعظ المسيحية يوم الأحد "لست مختلفا عن الفرايلة -الاسم الشائع للقساوسة بين الموريسكيين- في قرارة نفسك أنت مسيحي، وتعبر عن ذلك بشعائر الإسلام... إنك مسيحي يجهل نفسه، أو إن كان هذا يضايقك، إنك صلة الوصل بين الاثنين". كانت تلك هي المرة الأولى التي يسمع فيها مثل هذا الكلام.
 
كان شهاب الدين في حرب ضد المسيحيين الذين اضطهدوه وسلبوا متاعه وتعقبوه، وصار بعد تلك التجربة، في حرب ضد نفسه: "لقد تبينت أن القرب الجغرافي، بالنسبة لجماعات كثيرة تكره بعضها البعض، ليس ضمانة للمعرفة المتبادلة وبالأحرى الاحترام، كلنا مسلمين ومسيحيين، جيران في أرض الأندلس، لكن العداوة التي كانت تطبع علاقتنا، جعلت أي معرفة متبادلة مستحيلة".
 
الفجر في تونس
اختار حسن أوريد أن ينهي حياة شهاب الدين في تونس، بعد عودته من الحج رفقة ابنه إبراهيم، وبعد أن استحالت عليه العودة إلى المغرب بسبب الصراع السياسي الداخلي الذي مزق البلاد وأغرى الاستعمار الغربي بالتقدم لقضم بعض الأطراف.
 
لعل الفراسة أو القدر هو الذي صوب هذا الاختيار لأن حسن أوريد فرغ من كتابة "الموريسكي" بتطوان شمال المغرب يوم 12 مارس/آذار 2010. وما زاد في دقة الاختيار أن الإقامة لم تكن بالعاصمة التونسية أو إحدى مدنها الكبرى، لكن آخر مقام كان في قرية تدعى توزر. "في كل صباح، وبعد صلاة الفجر، أبسط سجادة على سطح المنزل، وأراقب النور وهو ينبلج رويدا رويدا من المشرق، وأنا أعبث بسبحتي وأردد بيت ابن النحوي، وليد توزر، من قصيدته الشهيرة، المنفرجة:
اشتدي أزمة تنفرجي          قد آذن ليلك بالبلج
 
وقد اشتدت الأزمة حتى بلغت منتهى الشدة، وآذن ليلها بالبلج انطلاقا من سيدي بوزيد إلى تونس العاصمة ثم إلى القاهرة وطرابلس وصنعاء ودمشق وغيرها من العواصم العربية.
 
"
الموريسكي هو تجسيد للشعوب العربية التي حيل بينها وبين حريتها وجذورها وثقافتها وأمنها وأملها، فنهضت من جديد لتسترجع نفسها وأنفاسها ومصيرها في دورة جديدة
"
وبذلك يصبح "الموريسكي" هو هذه الشعوب العربية التي حيل بينها وبين حريتها وجذورها وثقافتها وأمنها وأملها، فنهضت من جديد لتسترجع نفسها وأنفاسها ومصيرها في دورة جديدة.
 
وقال أوريد في مقدمته للنسخة المترجمة يوم 8 سبتمبر/أيلول 2011، وقد أطيح برؤوس عدة رؤساء عرب بثورات شعبية "وفي قرية من قرى جنوب تونس، سيدي بوزيد، تحرك التاريخ، لكي يزعزع الوضع القار الذي كان سبب آهة موريسكيينا، كما ليبر بما كان يتطلع إليه صاحبنا".
 
خيانة الترجمة
يعترف حسن أوريد أنه كتب عمله هذا بالفرنسية لأنه أراده حديثا للآخر، وكان من الممكن كتابته بالإسبانية، إلا أنه لا يتقنها. وكان أولى له ثم أولى أن يكتب عمله بالعربية، لأن الترجمة خيانة قد تصغر وتكبر.
 
ومع أن المترجم بذل جهدا رائعا في إعادة العمل إلينا، إلا أنه لن يكون كصاحبه، خاصة أن حسن أوريد يمتلك لغة روائية وشعرية أدبية ممتازة ظهرت في روايته الأولى "الحديث والشجن"، وفي عدة كتب ومقالات.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك