عرض/ زياد منى
 
يأتي هذا الكتاب الجديد للمؤرخ "الإسرائيلي" إيلان بابيه، استثنائي الفكر والإنتاج والانتماء، في الوقت الذي يشهد فيه ما يسمى "عملية السلام"، المستمرة منذ اغتصاب فلسطين في عام 1948، والتي وصلت إلى ذروتها أخيرًا حيث أثبتت "اتفاقية أوسلو" وما تبعها من اتفاقيات وتفاهمات ووعود ووعود بوعود.. إلى آخر المشهد السريالي الذي يلف عملية التفاوض مع الدولة اليهودية-الصهيونية، انسداد الطريق أمام أي "تسوية" تتجاهل الحقيقة الأساس، أي حق الشعب الفلسطيني في وطنه.
 
-الكتاب: الفلسطينيون المنسيون: تاريخ الفلسطينيين في إسرائيل.
-المؤلف: إيلان بابيه.
-عدد الصفحات: 336
-الناشر: مطبعة جامعة ييل، نيو هيفن – لندن
-الطبعة: الأولى 2011
المؤرخ إيلان بابيه نعرفه من مؤلفين سابقين عرضناهما في هذه الصفحة، هما "التطهير العرقي في فلسطين" و"خارج الإطار" الذي عرض فيه عملية انتقاله من الانتماء للصهيونية إلى معاداتها، وانحيازه لحقيقة قضية فلسطين التاريخ، الذي دفع ثمنه غاليًا، ليس فقط على الصعيدين المهني والاستقراري، وإنما على الصعيد الشخصي أيضًا.
 
وهذا ما يمنح مؤلفاته نكهة علمية خاصة، تخاطب الغرب بلسانه وبعقليته حيث يستعمل دومًا صريح العبارة والمفردات المناسبة، متحررًا من الأحكام المسبقة التي تغير على كل كتابة معادية لإسرائيل أو حتى لبعض سياساتها، وتحاصرها، غير عابئ بأي تهمة، معتمدًا على منهجية علمية صارمة ترتكز إلى حقائق موثقة، وهو ما يمنح مؤلفاته عن القضية الفلسطينية وتفرعاتها مكانة خاصة في المكتبة العالمية.
 
موضوع الكتاب
ربما قلة من الأجيال الجديدة العربية تعرف الموقف الخاطئ الذي اتخذناه، عربًا عمومًا، وفلسطينيين على نحو خاص، عن جهل، من أهلنا الذين بقوا في فلسطين عام 1948 بعد اغتصاب الحركة الصهيونية بلادنا.
 
لقد عانى إخواننا وأهلنا الأمرين، مرة على يد أبناء بلدهم الذين كثيرًا ما ينظر إليهم على أنهم "متعاونون" و"متواطئون" مع المغتصب لأنه سمح لهم بالبقاء في بلادهم بعدما شرد معظم أهل البلاد.
 
وإذا كانت المعاناة الأولى قد تم تجاوزها وإنهاؤها حيث تغيرت، ولله الحمد، المواقف والمفاهيم تجاه أهلنا في الأراضي المحتلة عام 1948، فإن المعاناة الأخرى، على يد "الديمقراطية الوحيدة" في "الشرق الأوسط"، الأكثر قسوة، ما زالت قائمة، بطرق مختلفة، وهذا هو موضوع هذا المؤلَّف.
 
البنية
قسم المؤلف كتابه، الذي يحوي خريطة للكثافة السكانية الفلسطينية في الأراضي المحتلة عام 1948، إلى سبعة فصول يسبقها تمهيد ذو عنوان دال هو "أجانب معادون في وطنهم"، ويليه مقدمة، وينهي العمل بقسمين أولهما خاتمة وضع لها العنوان "الدولة المضطهِدة" أو "الدولة الجائرة" ومن بعده ملحق "ملاحظات على الأعمال الأكاديمية" عن مادة الكتاب في عملية تطورها.
 
التقسيم الذي اتبعه المؤلف تاريخي وهو ما جعله يفتتح عرضه التفصيلي بفصل "القيامة من رماد النكبة"، المقسم بدوره إلى أجزاء (منها: الأرض التي كانت فلسطين 1947، الحلم الصهيوني وحقيقة ثنائية القومية 1949، التوزيع الجغرافي، ردود الفعل اليهودية، النضال من أجل التابعية في "الديمقراطية" الجديدة، المعركة الخاسرة ضد القوانين التمييزية) تتعامل مع تفاصيل الاضطهاد الذي مارسته الحركة الصهيونية، المؤطرة الآن في الدولة اليهودية، تجاه أصحاب الأرض وعملية مصادرة ممتلكاتهم.
 
التفاصيل المهمة والمثيرة التي يذكرها المؤلف، والتي تعتمد على المصادر الأولية، إضافة إلى شهادات الضحايا والجاني أو المجترم، أكبر من أن تتسع لأي عرض، تمامًا كما أن أي عرض لكتاب من هذا الوزن، من الصعب أن يوفيه حقه، ولذلك نركز على العناوين الرئيسة التي نرى أنها ستساعد القارئ في تقويم الكتاب وهدفه وأهميته. ملخص هذا الفصل، بكلمات المؤلف: خطة النخبة السياسية الإسرائيلية المستقبلية (تجاه الفلسطينيين) ضمت الإعداد لتنفيذ تطهير عرقي إضافي وكذلك التهويد.
 
الفصل الثاني "الجرح المفتوح: الحكم العسكري وتأثيره المستدام". المؤلف لاحظ بداية أن الحكم العسكري الذي فرضته إسرائيل على الفلسطينيين بعد تقاسمها فلسطين مع نظام "شرق الأردن" وأنظمة عربية أخرى خلال حرب اقتسام فلسطين عام 1948 يستحق مؤلفًا خاصًّا، لكنه مثل "النكبة" ما زال موضوعًا مقموعًا، من قبل الضحايا المرضوضين و"المجترمين" الذين يعانون عقدة الذنب[!].
 
"
الحكم العسكري الذي فرضته إسرائيل على فلسطينيي الداخل استمر تشريعيًّا حتى عام 1966، وكان هدفه محاصرة "الأقلية" وإجبارها على ترك وطنها
"
الحكم العسكري
الحكم العسكري الذي فرضته إسرائيل على فلسطينيي الداخل استمر تشريعيًّا حتى عام 1966، وكان هدفه محاصرة "الأقلية" وإجبارها على ترك وطنها. ويلاحظ المؤلف أن قوانين الحكم العسكري تشبه قوانين أي دولة دكتاتورية في عصرنا، وأن الأخير ترك آثاره في فلسطينيي إسرائيل بنفس مقدار تأثير النكبة في الشعب الفلسطيني كله.
 
يستعرض المؤرخ في هذا الفصل مختلف مناحي الحكم العسكري وتأثيراتها في أجزاء منها "التطهير العرقي بأدوات أخرى 1948-1957"، و"إعداد الأساس القانوني"، و"حقائق نظم الطوارئ"، و"التفكير في تطهير عرقي جديد" حيث يشير المؤلف إلى عملية "هأفرفريت/ الخلد" التي وضعها جهاز الاستخبارات الصهيوني (الشاباك) لطرد من بقي من الفلسطينيين في بلادهم في حال اندلاع حرب مع دول عربية، لكنها لم تطبق واستبدلت بها عمليات من طراز آخر مثل مذبحة كفر قاسم في 29/10/1956 التي ارتكبتها القوات الصهيونية في نفس اليوم الذي شنت فيه، بالتواطؤ مع بريطانيا وفرنسا، العدوان الثلاثي على مصر بهدف إسقاط الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وإعادة استعمار مصر والسيطرة على قناة السويس، وحيث خططت أيضًا لطرد فلسطينيي قطاع غزة إلى شبه جزيرة سيناء.
 
الفصل الثالث "حكم عسكري بوسائل أخرى 1967-1977"، وهو مقسم مثل كل الفصول إلى أجزاء صغرى، ويتعامل مع المرحلة التي شهدت -حسب الكاتب- وضع الأسس القانونية للتبعية من الدرجة الثانية حيث منح الوزراء صلاحيات استثنائية للتعامل مع "فلسطينيي الداخل" من ناحية التحكم المطلق في التنقل والإقامة وابتياع الأراضي ومصادرتها وما إلى ذلك من ممارسات استعمارية وعنصرية.
 
وفي حقيقة الأمر فإن المؤلف كثيرًا ما يعقد مقارنة بين سياسة الدولة الصهيونية تجاه الفلسطينيين وسياسات نظام جنوب أفريقيا العنصري البائد، بل ويستعمل المفردات نفسها مثل الفصل العنصري وما إلى ذلك.
 
في الوقت نفسه فإن المؤلف يتعامل مع مختلف ردود الفعل الفلسطينية وتطور أساليب نضال الفلسطينيين، ومن ذلك على سبيل المثال "يوم الأرض" وهو موضوع الفصل الرابع "بين يوم الأرض والانتفاضة الأولى، 1976-1987"، وهي الفترة الزمنية التي بدأ فيها حكم حزب الليكود وانتهاء حكم حزب العمل وتأثير ذلك في المجتمع الصهيوني والمجتمع العربي وكذلك اقتصاد الدولة السياسي وغير ذلك من الجوانب.
 
"
المؤلف كثيرًا ما يعقد مقارنة بين سياسة الدولة الصهيونية تجاه الفلسطينيين وسياسات نظام جنوب أفريقيا العنصري البائد، بل ويستعمل المفردات نفسها مثل الفصل العنصري
"
الفصل الخامس "بعد الانتفاضة الأولى: بين الجزم الفلسطيني والشك اليهودي، 1987-1995" خصصه الكاتب للحديث في تطور المجتمع الفلسطيني في "الداخل" وتطور موقعه السياسي والثقافي، إضافة إلى تقويم النشاط السياسي الفلسطيني القومي وصعود الإسلام السياسي داخل "الخط الأخضر"!

الفصل السادس "سنوات الأمل وزواله، 1995-2000". يتابع المؤلف في هذا الفصل التحرك الفلسطيني وراء ما يسمى "الخط الأخضر" وظهور حركات سياسية جديدة ذكر في مقدمتها د عزمي بشارة والتجمع الذي أسسه هناك حيث تبنى الخط القومي، وهي المرة الأولى التي يتم فيها خلق تيار قومي عربي داخل "إسرائيل". كما استعرض المؤلف الحركات والتجمعات الأخرى ومنها مؤسسة "عدالة" وحركات الإسلام السياسي وغيرهما.
 
المؤلف خصص الفصل الأخير "زلزال عام 2000 وتأثيره" والمقصود هنا الانتفاضة الثانية والأحداث الدموية التي انتشرت في أكتوبر/ تشرين الأول من العام في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 دعمًا للانتفاضة الثانية، ويخصص حيزًا من الفصل للحديث عن تأثير د عزمي بشارة في الحركة السياسية الفلسطينية وراء "الخط الأخضر" ولنضالاته من أجل "دولة لكافة مواطنيها"، وصعود دوره في خلق وعي قومي عربي بين فلسطينيي "إسرائيل" وخطر ذلك على الدولة اليهودية مما جعلها تعمل على إزاحته من الميدان عبر اختلاق التهم ضده مما أجبره في نهاية المطاف على مغادرة البلاد.
 
أنهى المؤلف كتابه بخاتمة "الدولة الجائرة" الذي خصصه لتوضيح طبيعة إسرائيل كدولة اضطهاد وتمييز عنصري، وكثيرًا ما لجأ إلى المقارنة بينها وبين جنوب أفريقيا العنصرية. بل إنه يذهب إلى حد مقارنتها بالدول التي تحكمها المخابرات، ويذكر منها دولاً عربية حيث وضع ذلك تحت عنوان "أنموذج رديف: دولة المخابرات في العالم العربي".
 
بهذا فإنه يرفض رفضًا قاطعًا وصف دولة إسرائيل بأنها ديمقراطية. أما تصوره للمستقبل فإنه يخص بالذكر دور حنين الزعبي في قيادة تغيير في داخل إسرائيل بما يجعل إمكانية بقائها دولة يهودية صرفًا وسط عالم عربي مهيمن مسألة تخضع للمسائلة.
 
الخلاصة
المؤلف كتب ملخص كتابه في التمهيد حيث ذكر أن المستعمرين اليهود الأوائل الذين استقبلهم الفلسطينيون ضيوفًا، تعاملوا مع مضيفيهم أهل البلاد بطريقة معاكسة حيث عدوهم غرباء في "بلاد اليهود"، مع أن تيودور هرتزل المفترض أنه أبو الصهيونية، كان يعرف أن الأرض مأهولة بأهلها.
الدراسات الإسرائيلية عن "فلسطينيي إسرائيل" قليلة واقتصرت على نخبة أرادت إثبات الأحكام المسبقة. الدولة "الديمقراطية الوحيدة" في المنطقة تنظر إلى "مواطنيها" الفلسطينيين على أنهم أعداء، وتحذر منهم على نحو دائم، وتمنعهم من ابتياع الأراضي حيث لم يزد مقدار امتلاك الفلسطينيين الأراضي في عام 2010 عن 2.5% وهو المقدار نفسه بعد اغتصاب فلسطين.
 
لكن في الوقت نفسه كثيرًا ما تصادر الأراضي المبتاعة فلسطينيًّا لأغراض التدريبات العسكرية، وهو ما لم يحدث إطلاقًا مع مالك أرض يهودي.
 
كما تمارس تجاههم مختلف أنماط العنصرية المباشرة والمبطنة ومنها على سبيل المثال إعلانات "نستقبل عمالا للتشغيل بعد إنهائهم الخدمة العسكرية" مما يعني إبعاد الفلسطينيين المسلمين والمسيحيين، باستثناء قلة قليلة من البدو وكذلك الدروز، وهذه عنصرية وتمييز مبطنين والتفاف على قانون مفترض أنه يحظر التمييز العنصري.
 
"
 الحقيقة التي يصل إليها المؤلف هي أن الدولة الإسرائيلية عنصرية تجاه أهل البلاد وتمارس بحقهم سياسة الفصل العنصري والإذلال بهدف إجبارهم على مغادرة بلادهم
"
الغربة في الوطن لها تبعات يعرفها الفلسطينيون في الأراضي المغتصبة عام 1948 وفي قرية جلجولية تحديدًا يوم 23/24 يناير/كانون الثاني 2007، فقط على سبيل المثال، حيث حاصرت القوات الصهيونية القرية منتصف الليل وأخرجت بعض سكانها بالقوة بتهمة الإقامة غير الشرعية. إنه، بكلمات بعض الإسرائيليين، "الترانسفير الصامت".
 
لكن المنظمات المدنية تشير إلى انتهاك حقوق الإنسان الفلسطيني في إسرائيل عبر ممارسات أخرى منها القتل المتعمد واعتقالات منتصف الليل ومصادرة أجهزة الجوال والحواسيب ومنع نشر أخبار الاعتقالات ومنع المعتقلين من اللقاء بمحاميهم، ومنع التظاهر والتنظم في جمعيات، وإقامة مناطق سكن محظورة على الفلسطينيين.
 
وهذا ما جعل هذا الكتاب محاولة لتقصي جذور العنصرية الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين وتطورها. الحقيقة التي يصل إليها المؤلف هي أن الدولة الإسرائيلية عنصرية تجاه أهل البلاد وتمارس بحقهم سياسة الفصل العنصري والإذلال بهدف إجبارهم على مغادرة بلادهم.
 
لذلك فإن تاريخ الفلسطينيين في إسرائيل هو تاريخ اضطهاد ومصادرة الممتلكات، لكنه أيضًا تاريخ تثبيت الذات والصمود. المؤلف قال إنه كتبه بإحساس الحاجة الملحة والقلق على المجتمع الفلسطيني في إسرائيل ومستقبله. شكرًا إيلان بابيه.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك