وقد توخيت بهذا الكتاب الإشارة إلى آداب الدين والدنيا، مستشهدًا من كتاب الله بما يقتضيه، ومن سنن رسول الله بما يضاهيه، ثم متبعًا ذلك بأمثال الحكماء، وآداب البلغاء، وأقوال الشعراء؛ لأن القلوب ترتاح إلى الفنون المختلفة وتسأم من الفن الواحد.
 
في بغداد، عاصمة الخلافة العباسية، بين أفول القرن الرابع الهجري وسطوع القرن التالي، لم تكن الأمور تسير على ما يرام.
 
نعم، يسيطر على الأجواء هدوء نسبي، لكن رائحة الحطب المحترق توحي بواقع لا يهدأ.
 
انقسامات سياسية، تمرد غاضب، خلفاء ضعفاء، حاشية تكنز الذهب، صراعات مذهبية، حكام يتبنون مذهباً فقهياً ويحاسبون رعيتهم على مخالفته، المفكرون يملؤون الدنيا بالكتب، والشعراء يبدعون شعراً مبهراً، والجواري والقيان يعزفون أجمل الألحان، والمساجد تمتلئ بطلاب العلم وحلقات النقاش.
 
السنة والشيعة والمعتزلة، المتصوفة والفلاسفة.. صراعات لا تهدأ وجدال طويل.
 
وسط هذه الأمواج العاتية، غرقت سفن بعض المفكرين وهم يسألون: أين الطريق الصحيح؟ يئسوا من الجواب حتى أحرق بعضهم كتبه، ودفنها البعض في باطن الأرض، أو مزقوها أو طرحوها في البحر ليأخذها إلى مكان بعيد.
 
من قلب هذا الصخب والثراء، أطل علينا الماوردي بمؤلفاته التي ترفض اليأس وتبحث عن الحل.
 
نظر الماوردي إلى الإنسان فوجده ممزقاً بين تيارات ومذاهب مختلفة، فقرر أن يتجاوز ضيق المذهب إلى شمولية الإسلام، فكتب أن الإسلام يسع كل مذهب، فالمذهب جزء والإسلام هو الكل، فلماذا الصراعات التي لا تهدأ!
 
أراد أن يعيد للإنسان المسلم ثقته بنفسه، فأعاد تعريف الإسلام وتعريف الإنسان.
 
رأى الناس بين الانصراف التام إلى الدنيا خاصة عند المتنازعين على السلطة، وبين الزهد الزائد عن الحد حتى انصرفوا تماما عنها.
 
عندها، أمسك بالقلم وكتب "أدب الدنيا والدين"، ليرسم للإنسان سياسة شاملة قوامها التوازن، تجعله يسعد في دنياه وينجو في آخرته.
 
يقول الماوردي:
وأعظم الأمور خطرًا وقدرًا وأعمها نفعًا ورفدًا ما استقام به الدين والدنيا وانتظم به صلاح الآخرة والأولى؛ لأن باستقامة الدين تصح العبادة، وبصلاح الدنيا تتم السعادة.
 
ويقوم الكتاب كله على التوازن، الذي يرى فيه أنه سبيل إنقاذ الإنسان من حيرته.
 
التوازن والتكامل بين الوحي والعقل، والتوازن بين الالتزام الإسلامي والانفتاح على الثقافات المختلفة. ويطوف بآداب الدنيا والدين والعلم والنفس، يضع  نظرياته التي تنقذ الإنسان من حيرته، وتعيده إلى النقاء الكامل الذي يستمد منه قوته.
الماوردي، هو أبو الحسن البصري الشافعي، ولقب بالماوردي لأنه من أسرة كانت تمتهن صناعة ماء الورد وبيعه. ولد عام 364 (أربعة وستين وثلاثمائة) من الهجرة، وعاش ستة وثمانين عاماً. لقب بلقب أقضى القضاة.

شارك في السياسة وألف فيها العديد من الكتب الهامة التي كان يحاول من خلالها إصلاح الفساد السياسي الذي كان يسيطر على الخلافة العباسية في أواخر أيامها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك