عرض/ عبد الحافظ الصاوي
 
لا يختلف الكثيرون حول وجود مجموعة من المشكلات التي تكبل الاقتصاد المصري، وأن هذه المشكلات هي نتيجة ممارسات خاطئة ارتكبت في عهد ما قبل ثورة 25 يناير، لكن الاختلاف يأتي حول سبل العلاج لهذه المشكلات، بين توجهات تطالب بالعودة للنظام الاشتراكي وأخرى تطالب بالرأسمالية الاجتماعية، وثالثة تطرح الرؤية أو الحل الإسلامي.
 
ويأتي هذا الكتاب في إطار الرؤية الإسلامية، من حيث وضع الضوابط والأطر الحاكمة للسياسات الاقتصادية بمكوناتها المعروفة في المجالات النقدية والمالية والهيكلية، وكذلك ضرورة الإصلاح الإداري ومواجهة الفساد، وقبل هذا كله يطرح الكتاب نظرة الإسلام للمشكلة الاقتصادية، والدور المنوط بالإنسان في عملية التنمية وممارسة عمارة الأرض.
 
-الكتاب: إصلاح الاقتصاد المصري بعد ثورة 25 يناير.. رؤية إسلامية
-المؤلف: د. أشرف دوابة
-عدد الصفحات: 173
-الناشر: دار السلام للطباعة والتوزيع والترجمة، مصر
-الطبعة: الأولى 2011
المشكلة الاقتصادية المصرية
يركز الكتاب على أن ممارسات الفساد كانت هي منبع العديد من المشكلات الاقتصادية في مصر، وأن القائمين على أمر إدارة الاقتصاد المصري في مرحلة ما قبل ثورة 25 يناير كانوا مشغولين بتعظيم ثرواتهم من خلال نهب موارد الدولة، حتى تحولت مصر من حالة فساد الإدارة إلى إدارة الفساد، وقد بلغت ثروات بعض المسؤولين السابقين في عهد مبارك -الذين لا يتجاوز عددهم أصابع اليدين- نحو 550 مليار جنيه.
 
كما زادت معدلات الفساد في الجهاز الإداري للدولة، للدرجة التي تقدرها تقارير الأجهزة الرقابية بحوالي 70 ألف قضية فساد، يتم التغاضي عن الجانب الأكبر منها ولا يحكم إلا في حدود ألفي قضية فساد فقط؟!
 
ويقابل الكتاب هذه الصورة بواقع عرفته البشرية في تجربة الخليفة عمر بن عبد العزيز، حيث عرفت تجربته الناجحة في الجانب الاقتصادي من خلال القضاء على الفساد وتعظيم حرمة المال العام، وكذلك ركز الكتاب على أهمية طُهر يد الحاكم كما هو مشهود به في التاريخ الإسلامي للفاروق عمر بن الخطاب، حيث أتى المسلمون له بتاج كسرى في حضور سيدنا علي بن أبي طالب، فقال الفاروق "إن الذين أتوا به لأمناء، فقال علي كرم الله وجهه، عففت فعفوا يا أمير المؤمنين، ولو رتعت لرتعوا".
 
ولا يكتفي الكاتب بهذه المقابلة وذكر الآيات والأحاديث الدالة على أهمية القضاء على الفساد ومحاسبة الفاسدين والزهد في المال العام، بل يطرح مجموعة من الآليات التي تحقق القضاء على الفساد في الاقتصاد المصري، ومنها: تكوين لجان قضائية لسرعة البت في قضايا الفساد والعمل على استرداد الأموال المنهوبة في الداخل والخارج، ووجود تغييرات جذرية بشأن إرساء نظام ديمقراطي في مصر يعظم من قيم المراقبة وسيادة القانون، وجمع الأجهزة الرقابية في جهة واحدة ولتكن الجهاز المركزي للمحاسبات مع منحه الاستقلال عن السلطة التنفيذية، وإرساء مبادئ الإفصاح والشفافية في كافة البيانات والمعلومات الخاصة بالتعاملات الحكومية، مع التركيز على القيم الإيمانية والخلقية وتربية الأفراد على تعظيم حرمة المال العام، وترسيخ مبدأ الإدارة بالقدوة.
 
كما أشار الكتاب إلى المشكلات الاقتصادية البارزة وفق بيانات العام المالي 2009/2010، ومنها العجز بالموازنة العامة الذي بلغ 117.3 مليار جنيه، والدين العام الذي بلغ  1.08 تريليون جنيه، وعجز الميزان التجاري الذي بلغ 25 مليار دولار، والبطالة التي بلغت نحو 15%.
 
وبعد هذا السرد للمشكلات الاقتصادية يشير الكتاب إلى اختلاف المنظور الإسلامي للمشكلة الاقتصادية عن باقي النظم الاقتصادية الأخرى، حيث يرى النظام الإسلامي أن المشكلة ليست في قضية الندرة كما يرى الآخرون بل في ظلم الإنسان وتبديده لهذه الموارد، ويصف المؤلف مشكلة مصر الاقتصادية بأنها ليست في ندرة الموارد بل في نهب هذه الموارد وتبديدها من قبل المسؤولين في عصر مبارك قبل ثورة 25 يناير.
 
"
اعتماد السياسة النقدية على آلية سعر الفائدة أدى إلى مشكلة التضخم وتراكم مدخرات المصريين في الجهاز المصرفي، بعيدًا عن تشغيلها في مجالات الاستثمار الإنتاجي
"
السياسات الاقتصادية
يتناول المؤلف واقع السياسات الاقتصادية في مصر وكيف أدت إلى العديد من المشكلات الاقتصادية، مع طرح الضوابط الإسلامية التي تُصلح من أمرها مستقبلا.
 
فعلى صعيد السياسة النقدية يرى المؤلف أن اعتمادها على آلية سعر الفائدة قد أدى إلى مشكلة التضخم وتراكم مدخرات المصريين في الجهاز المصرفي، بعيدًا عن تشغيلها في مجالات الاستثمار الإنتاجي واكتفاء الجهاز المصرفي بالاعتماد على إقراض البنك المركزي، حيث تتراكم نسبة 48% من مدخرات المصريين في البنوك، ويزيد معدل التضخم بصورة أكبر من معدلات الفائدة الممنوحة من البنوك للمدخرين.
 
وعلى صعيد آخر فإن السياسة النقدية خفض سعر صرف العملة الوطنية، وأفقدتها نحو 25% من قيمتها بعد قرار تعويم الجنيه المصري عام 2003. ويذكر المؤلف حرص الإسلام على عدم إهدار القوة الشرائية للنقود، ويعد ذلك من المحرمات من خلال رؤية الإسلام للنقود على أنها وسيلة للتبادل وليست سلعا في حد ذاتها، وينقل المؤلف عن الإمام ابن القيم في هذه القضية أن "الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذي يعرف به تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدودًا مضبوطًا لا يرتفع ولا ينخفض".
 
ويضع المؤلف حزمة من الضوابط في مجال السياسة النقدية من أهمها الاعتماد على آلية الربح وليس العائد من خلال سعر الفائدة، لأن الربح يعتمد على نتيجة فعلية للنشاط بينما العائد أو سعر الفائدة يبنى على الغرر.
 
أما في مجال السياسة المالية فيسرد الكتاب مساوئها في عهد ما قبل الثورة من خلال التركيز على الجباية الضريبية التي بلغت نحو 60% من إجمالي الإيرادات العامة بالموازنة، فضلا عن عدم عدالتها وتهرب الأغنياء منها وتحيزها ضد الفقراء من خلال ارتفاع معدلات ما يدفعه الموظفون (13.5 مليار جنيه)، أو النصيب الأكبر لهيئتي قناة السويس والبترول (44 مليار جنيه)، بينما الضرائب المحصلة من شركات الأموال من القطاعين العام والخاص 23 مليار جنيه فقط، كما أن الضريبة العامة على المبيعات تزداد حصيلتها عاما بعد العام، وهي تمثل أكبر مظاهر عدم العدالة بين الأغنياء والفقراء في مصر.
 
كما حرصت الحكومة على دعم الأغنياء من خلال دعم الطاقة الذي وصل إلى 67 مليار جنيه في عام 2009/2010، ويستفيد منه الأغنياء بنصيب الأسد، وكذلك دعم الصادرات الذي بلغ 4 مليارات جنيه في العام ذاته، بينما يبلغ دعم السلع التموينية مبلغ 13.6 مليار جنيه فقط لا غير.
 
كما يذكر المؤلف سلبية إهدار المال العام من خلال البذخ الحكومي والصناديق الخاصة التي استحوذت على مبالغ كبيرة من المال العام في ظل رقابة غاية في الضعف على أموالها. وفي هذا الخصوص يذكر المؤلف مزايا الضوابط الإسلامية للسياسة المالية من حيث توازنها وتعدد الأدوات المالية الإسلامية، سواء الثابتة مثل الزكاة والخراج والعشور وعوائد المشروعات العامة، أو المتغيرة مثل الصدقات التطوعية والوقف والغنائم والفيء وغيرها.
 
"
يدعو المؤلف إلى تفعيل السوق الأولية التي تعمل في المشروعات المنتجة في مجال المباحات، والبعد عن السندات وكافة السلع المتداولة في سوق الأوراق المالية التي تعد من قبيل الغش والمقامرة
"
كما أن الممارسة العملية في التاريخ الإسلامي جعلت الفاروق عمر يُرسي قواعدها من خلال التبعات الملقاة على عاتق صانع السياسة المالية، ويظهر هذا في قول الفاروق "استخلفنا الله على عباده لنسد جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفر لهم حرفتهم، فإذا أعطيناهم هذه النعم تقاضيناهم شكرها.. إن الله خلق الأيدي لتعمل، فإن لم تجد في الطاعة عملا التمست في المعصية أعمالا، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية". وضمن ضوابط عدة يطرحها المؤلف يطالب بأهمية إنشاء مؤسستي الزكاة والوقف، لما لهما من آثار إيجابية في تفعيل السياسة المالية.
 
وفي مجال سوق الأوراق المالية يركز المؤلف على أهمية البعد عن المحرمات الشرعية الموجودة من غش وغرر وربا ونجش، ويدعو إلى تفعيل السوق الأولية التي تعمل في المشروعات المنتجة في مجال المباحات، والبعد عن السندات وكافة السلع المتداولة في سوق الأوراق المالية التي تعد من قبيل الغش والمقامرة مثل بيوع المستقبليات والخيارات. 

خطة للإصلاح الهيكلي
يرى المؤلف أن تحقيق الإصلاح الهيكلي بالاقتصاد المصري لتحويله إلى اقتصاد إنتاجي يحتاج إلى وضع خطة سباعية، تتمثل في: الاهتمام بالتنمية البشرية. ويُذكر بتجربة اليابان في هذا الجانب، وأن مصر يمكنها بطاقة قوة العمل المتاحة لديها، التي تقدر بنحو 65% من سكانها، مع التركيز على تدريب هذه القوة البشرية وتوجيهها لمجالات الإنتاج المختلفة، وكذلك ضرورة زيادة رأس المال من خلال تعظيم المدخرات المحلية لتصل إلى نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي، على أن توجه هذه المدخرات للاستثمار في قطاع الصناعة والتقدم التكنولوجي.
 
ثم حسن استغلال الأرض ومواردها المتعددة، وبخاصة في المجال الزراعي، حتى يتم تحقيق الاستقلال الغذائي للشعب المصري، من سلع إستراتيجية مثل القمح. كما يتطلب الأمر تشجيع المنظمين والعمل على إيجاد منظمين لديهم القدرة على الابتكار والتطوير، ومن خلال دور الدولة والمجتمع الأهلي والقطاع الخاص، ولعل المشروعات الصغيرة والمتوسطة هي الوسيلة المناسبة لتحقيق مهمة تشجيع المنظمين، على أن يؤخذ في الاعتبار إزالة العقبات البيروقراطية من أمام هؤلاء المنظمين وإتاحة التمويل الإسلامي لمشروعاتهم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك