عرض/ حسين عبد العزيز 
 
تتميز الجماعة الدينية والأقوام عموما بعدد من الخصائص التي تظهر في العادات والتقاليد واللغة والطقوس، ويعاد استخدامها يوميا كي تضمن الجماعة تماسكها.
 
ينقسم كتاب الطائفية والحرب إلى قسمين، يتناول القسم الأول الحالة العراقية عبر تأثير الحرب على الطائفية، في حين يبحث القسم الثاني الحالة اللبنانية عبر قابلية الطائفية السياسية للحرب.
 
الحرب والطائفية (الحالة العراقية)
عشية تفجير مرقدي الإمامين الشيعيين في سامراء عام 2006 بدا المسرح السياسي العراقي يتشكل على النحو التالي:
الأميركيون يشعرون بالضيق ويتبرمون علنا من الطبقة السياسية، ثم يعلنون أنهم لم ينفقوا مواردهم المالية في سبيل نظام يسيطر عليه وزراء لديهم ميول طائفية، والائتلاف الشيعي يشعر بالضيق والحرج من النقد العلني، وبين الشيعة أنفسهم خلاف بين الصدريين وحزب الدعوة والمجلس الأعلى، وللأكراد نصيب من التذمر بسبب عناد الساسة في الائتلاف الشيعي الذين يرفضون تقليص صلاحيات رئيس الحكومة.
 
-الكتاب: الطائفية والحرب
-المؤلف: فاضل الربيعي ـ وجيه كوثراني
-عدد الصفحات: 303
-الناشر: دار الفكر، بيروت
-الطبعة: الأولى 2011
أما جبهة التوافق السنية، فلم تكن أيضا أقل تبرما، فشروطها للدخول في الحكومة (السيطرة على وزارتي الدفاع والداخلية) رُفضت من جانب الائتلاف الشيعي.
 
في هذه الأجواء السياسية وقعت تفجيرات سامراء، وفي أعقاب تفجير المرقدين نزلت جموع من المجرمين لارتكاب جرائم قتل يندى لها الجبين، لقد تفجرت الحرب الطائفية واندلعت اشتباكات عنيفة أحرقت فيها مساجد المسلمين السنة والشيعة.
 
كان زلزال سامراء نوعا من "بروفة" فاشلة لاختبار مشروع الحرب الطائفية في مختبر ميداني نموذجي هو سامراء السنية التي تضم مرقدين شيعيين مقدسيين، لقد أخفق الاختبار -يقول الربيعي- في خلق مشاعر متأججة لتعجيل إعلان الفيدراليات، أو تحولها إلى مطلب شعبي.
 
أدرك كثير من العراقيين بعد هذا الحدث أن هناك من يتلاعب بمصائرهم، والفيدرالية المطلوبة هي حرب أهلية، ليست حربا بين طوائف حسب المؤلف، بل هي حرب جماعات سياسية استخدمت الطائفية أداة في الصراع.
 
إن السيرة الذاتية للطائفية في العراق تسبق زلزال سامراء بثلاث سنوات، حين خرجت بعد سقوط بغداد بأيام مظاهرات مليونية بمناسبة أربعينية استشهاد الحسين، تحولت إلى احتفال طقوسي لم يخلُ من مشاعر طائفية في دلالة غير محسوبة سياسيا، كأن الاحتلال هو الذي مكن الشيعة أخيرا من ممارسة حريتهم المذهبية، وهذه الدلالة الخاطئة -بحسب الربيعي- كانت مقصودة، إذ يراد منها ليس مقاومة الاحتلال، بل التعايش معه بوصفه صانع الحرية.
 
إن روح الانقسام وضعف الوطنية عبر التاريخ، هما العاملان وراء انهيار الدولة السريع، فما جرى بين 2006 و2010 ليس حربا أهلية ارتطمت فيها كتل اجتماعية وروحية وثقافية بعضها ببعض، بل كان وما يزال صراعا سياسيا عنيفا خاضته قوى مسلحة وجرى في سياقه استخدام الطائفية سلاحا.
 
مجتمع الانقسام
يقدم المؤلف هنا منظورا أنثروبولوجيا جديدا لمسألة الحرب والطائفية في العراق، من أجل رؤية الإمكانيات المتنوعة وغير المحدودة للوقائع التي نملكها عن صراع الطوائف.
 
إن محاولة فهم العلاقة بين الحرب والطائفية كما تجلت في التجربة العراقية بعد الاحتلال الأميركي، تتطلب معرفة طبيعتهما بعمق، فما جرى في سامراء لم يكن حدثا عابرا يمكن التغاضي عنه، ولم يكن كليا من إنتاج قوى اجتماعية ارتطمت مع بعضها البعض فجأة، فما حدث كان النتيجة المنطقية لسلسة عوامل وتفاعلات اختلطت فيها السياسة بالدين.
 
"
الحرب هي التجلي الأعلى للعنف، والعنف نفسه أداة تستخدمها جماعات مأزومة أدركت أنها لن تتمكن من حل تناقضاتها دون اللجوء إلى توظيف العنف واستخدامه
"
ويؤكد الملف أن الحرب هي التجلي الأعلى للعنف، ويصبح العنف نفسه أداة تستخدمها جماعات مأزومة أدركت أنها لن تتمكن من حل تناقضاتها دون اللجوء إلى توظيف العنف واستخدامه، وهنا تكون الطائفية وسيلة من وسائل توظيف العنف واستخدامه، ولذلك ليست الطائفية تجسيدا للطائفة أو تعبيرا عنها، في الواقع ليست الطائفية سوى منظومة معقدة من المشاعر والترابطات الوجدانية الاجتماعية والمذهبية، تجمع بقوة حضورها التقليدي بين أفراد ينتمون إلى مذهب واحد، لكنهم ينتمون عمليا إلى طبقات اجتماعية ومصالح مادية متناقضة.
 
إن التجربة العراقية -كما يرى المؤلف- في العنف والحرب والطائفية بعد تفجيرات سامراء، لا تقدم أي برهان على أن الطائفية التي انتشرت بعد تمرير صيغة الدستور الدائم كانت تجسيدا للطوائف، فالطائفة شيء والطائفية شيء آخر، والمثير للدهشة هو أن أكثر الطوائف تضررا من الاحتلال هي الطائفة الشيعية، إذ إن ملايين الشيعة في الجنوب والمحافظات الأخرى وسط الفرات تفتقر لأبسط مقومات الحياة الإنسانية.
وإذا كانت التجربة اللبنانية تكشف بجلاء نوع الترابط في دور الوسيط الخدمي بين الدولة والمجتمع، فإن التجربة العراقية تكشف في المقابل عن طراز جديد من الزعامات، أسست مكانتها على قاعدة غير مألوفة، قوامها الترابط بين الخطاب الطائفي والقوة والفساد المالي، وهذه العناصر الثلاثة تختزن -بحسب الربيعي- روح الحرب الطائفية، وبخلاف التجربة اللبنانية ولدت الزعامات الطائفية من رحم نمط السيطرة على الجماهير، فامتزجت الطائفية بالقوة المسلحة، والقوة المسلحة بالفساد المالي. 
 
ولذلك يمكن ملاحظة أن ما يميز التجربة العراقية ويجعل منها أخطر نموذج ثقافي هو التالي:
- إن الخطاب السياسي الديني يقوم على ربط أحداث الحاضر بالماضي التاريخي بما يتضمنه من تناقضات داخل دولة الإسلام، ويقوم باستلهامها بوصفه راهنا ثابتا وجامدا.
 
- تعميم الفساد المالي داخل الحلقات الاجتماعية للمريدين والأتباع من أبناء العائلة والعشيرة والطائفة، وتحويل هذه الحلقات التي باتت محروسة بالمليشيات إلى قلاع حصينة.
 
- يؤمن زعيم الطائفة بمبدأ استخدام القوة في الإخضاع بوصفه الوسيلة الوحيدة لضم الجماهير.
 
الطائفيات السياسية وقابليتها للحرب (الحالة اللبنانية)
يرى وجيه كوثراني مؤلف هذا القسم أن المجتمعات العربية عندما دخلت مرحلة التنظيمات الحديثة، دخلت عمليا في تاريخ جديد، لكن مع حمولة اجتماعية وثقافية وسياسية يتقاطع فيها المعطى الأنثروبولوجي الثقافي للجماعات والملل، مع ذلك التقليد البنيوي لظاهرة قيام الدولة، والمقصود بذلك التقليد أن تكون العصبية وسيلة السياسة، وأن يكون الدين عنصر الاستقواء في السياسة، وتكرس هذا التقاطع لبنانيا في عدد من الأمور القانونية والمؤسسية والثقافية.
 
- المادة 95 من الدستور أشارت إلى ضرورة مراعاة التوازن بين الطوائف في تشكيل الوزارات.
 
- اعتماد القيد الطائفي المناطقي في التمثيل البرلماني.
 
- اتباع قوانين الأحوال الشخصية للمحاكم والمجالس المحلية، الأمر الذي يصنف المواطنين في انتماءاتهم وفقا لولادتهم.
 
- في سيادة ثقافة اجتماعية رعوية هي من صميم الاجتماع السلطاني و"العصباني" الذي يقوم على تحقيق الولاء للجماعة وزعيمها مقابل الخدمة أو الحماية.
 
- في دولة الطائف (الميثاق الوطني).
 
كان الميثاق الوطني تتويجا للقاء مسيحي إسلامي، وكان أساسا لإعلان الاستقلال ولممارسة حياة سياسية على قاعدة دستور عام 1926.
 
"
من نتائج الميثاق الوطني قيام نوع من الديمقراطية التوافقية التي آلفت بين الميادين الدستورية العامة المنصوص عليها وبين أعراف قبلت نسبيا دون نص على أنها تحقيق لهدفي العدل والوفاق
"
وكان من نتائج هذا الميثاق قيام نوع من الديمقراطية التوافقية التي آلفت بين الميادين الدستورية العامة المنصوص عليها وبين أعراف قبلت نسبيا دون نص على أنها تحقيق لهدفي العدل والوفاق، اللذين يعنيان مشاركة الطوائف في السلطات، وكان من نتيجة ذلك أن توزعت الرئاسات الثلاث عرفيا على زعماء الطوائف الثلاث.
 
هذا التوزيع الطائفي انعكس على التمثيل البرلماني، فالنائب يمثل مقعدا طائفيا، في حين أن منتخبيه ينتسبون إلى كل الطوائف. ويرى المؤلف أن المشكلة هنا لا تتمثل في الازدواج القانوني والدستوري فحسب، وإنما في انتظام هذا الازدواج في تركيبة اجتماعية سياسية لها مهمة معينة في صعود الزعامات المحلية.
 
وإذا كانت هذه التركيبة الاجتماعية السياسية تنتج زعامة وتمثيلا من هذا النوع، فإن الدولة بدورها تحتاج عبر السلطة التنفيذية إلى نوع من البرلمان يخدم الدولة بامتصاص صراعات المجتمع، فيتحول المجلس إلى وسيط بين الدولة والمجتمع، بدلا من أن يكون مجلسا تشريعيا للأمة.
 
لقد حال التوازن الطائفي دون تحول النظام السياسي اللبناني إلى نظام الحزب الواحد، ومع أن الشهابية استعارت من بعض الأنظمة العربية بعض أساليب الأجهزة في ضبط المجتمع، إلا أنها لم تستطع دمج الدولة والمجتمع في كيانية شعبية وإيديولوجية واحدة، وكان زعماء الطوائف والمناطق أبرز من مثل الممانعة أمام هذه النزعة الشمولية، لكنها بالمقابل كانت في الوقت ذاته ممانعة لتحديث الدولة.
 
هنا يطرح كوثراني سؤلا رئيسا، من المسؤول عن عدم الانتقال من الاجتماع الطائفي إلى الاجتماع الوطني؟ أهي الطائفية أم الزبائنية السياسية؟
 
المقصود بالزبائنية هو هذا الانتظام المتعدد الأبعاد والوظائف في الاجتماع السياسي اللبناني، والمؤسس ميثاقيا على عقد اجتماعي وطني خلاصته العيش المشترك بين الطوائف، بعبارة أخرى العيش المشترك بين ولاءات محققة للمصلحة من جهة، وحافظة للكيانات الدينية من جهة أخرى، ومن خلال تقاسم لوظائف الدولة، ولما كانت المشاركة التي هي نتاج توازن قوى تتحدد بعوامل كثيرة داخلية وخارجية، فإن معنى المشاركة متغير إلى ما لا نهاية بين تأزم واسترخاء.
 
ومع الحرب الأهلية انضاف عنصر مهم إلى ما عهدناه من التقاليد الرعوية الزبائنية، وهو عنصر الحماية (حماية الطائفة). 

"
تشبعت العلاقة بين الطوائف خلال الحرب بمشاعر الخوف، وقد طبعت هذه المخاوف المشهد السياسي اللبناني في مرحلة ما بعد الطائف
"
لقد تشبعت العلاقة بين الطوائف خلال الحرب بمشاعر الخوف، وتحت شعارات من الحقوق المتأرجحة بين مطلب المشاركة وبين الحفاظ على الحقوق المكتسبة وبين رفع الحرمان، وقد طبعت هذه المخاوف المشهد السياسي اللبناني في مرحلة ما بعد الطائف.
 
ويرى كوثراني أن من أهم النتائج التي ترتبت على ثلاثين سنة من التجربة التاريخية الموزعة على فصلين، فصل الحرب الأهلية وفصل الوصاية السورية، أن ذاكرة جمعية أسطورية استدخلت في ثقافة الطوائف اللبنانية، وهي أن الطائفة تحتاج لمن يحميها، والحماية تتم عن طريق تعزيز ممثليها في مواقع سلطات الدولة، وعليه تصبح الحماية إحدى أهم مهمات التمثيل السياسي الشعبي.
 
ولأن الطائفيات أصبحت مستقوية على الدولة، فهي من جهة أخرى مادة الحرب ووقودها ومدخلها، ليس لأنها سبب في الحرب بذاتها، بل لأنها سبب في إضعاف الدولة والاستغناء عنها ببدائل أحزابها وميليشياتها وشعبويتها العصبانية، واللادولة في مجتمع متعدد تعني (قابليات الحرب الأهلية) إذا سمحت ظروفها الإقليمية والدولية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك