عرض/ مصطفى فؤاد
 
يتحدث الكتاب عن العلاقات التي نشأت بين فلسطين والخليج منذ ثلاثينيات القرن العشرين، والتي شهدت حالات مد وجزر، وارتفاع وهبوط، وصاحبتها عقبات وأحداث، واتخذت أشكالاً مختلفة، وأنتجت صلات وتأثيرات متبادلة، وتغلغلت في العلاقات الوطنية والإقليمية والدولية، وكانت علاقات ثنائية متعددة الأطراف، وظهرت على الساحة العامة، واختفت منها على نحو غير متوقع.
 
كما يمثل محاولة جادة لإجراء تحليل كامل لبواعث حكام الخليج العربي للتأثير في موقف القوى العظمى من القضية الفلسطينية وتعديله، وقد زعم العديد من المنظِّرين أن هؤلاء الحكام تصرفوا بدافع تلاقي انتفاضات شعوبهم أو الترويج لأنفسهم بأنهم قادة عظام، أو الأمرين معًا، لكن هؤلاء المنظرين لم يقدموا أدلة تدعم هذه التفسيرات.
 
- الكتاب: فلسطين ودول الخليج.. العلاقات الفعلية
- المؤلف: روزماري سعيد زحلان
- ترجمة: عمر الأيوبي
- عدد الصفحات: 175
- الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان
- الطبعة: الأولى 2011
 
 
فلسطين ودول الخليج
أولاً- القضية الفلسطينية والخليج (1936–1939):
بينما كان شعب الخليج يتابع النشرات الإخبارية، كانت أدوات الاتصال الضعيفة الأولى (البث الإذاعي) مع الوطن العربي في الشمال في بداياتها، وقد تزامن ذلك مع أول تعبير كبير عن الوطنية الفلسطينية بعد بداية الهجرة اليهودية الواسعة، هربًا من الرايخ الثالث المعادي للسامية، ففي أبريل/نيسان 1936 مهّدت المظاهرات الفلسطينية في يافا الطريق أمام الثورة في فلسطين احتجاجًا على الموافقة البريطانية على زيادة وتيرة الهجرة اليهودية.
 
وبعد بضعة أيام أعلن المفتي الحاج أمين الحسيني إضرابًا عامًا في البلاد، وطالب بوقف الهجرة اليهودية، وفرض حظر على بيع الأراضي العربية لليهود، وتشكيل حكومة وطنية فلسطينية.
 
وقد استحوذت هذه الاحتجاجات الواسعة النطاق ضد السياسة البريطانية على اهتمام الوطن العربي والعالم الإسلامي اللذين استشعرا خطر طرد العرب، وحلول المهاجرين الأوروبيين محلهم.
 
وقد أثرت أزمة فلسطين في الكويتيين، حيث كان لها وقع قوي على شؤونهم الداخلية، وأحيت عن غير قصد مشاعر استياء قديمة، ففي التجمع لتحدي الحاكم علنًا وحضور اللقاء وتقديم التبرعات المالية، بدأ بعض المشاركين بالتعبير عن تذمرهم من أوضاعهم الداخلية، ومن ثم شكلوا نواة حركة تطالب بإجراء إصلاح داخلي، ونص اثنان من مبادئها الرئيسية على تشكيل حكومة أوسع تمثيلاً وعلى دور أكبر في صناعة القرار.
 
كما شعر شعب البحرين بقلق شديد على فلسطين، على الرغم من أنه لم يجمع الأموال في تلك المرحلة من الأزمة، لكنه وزع منشورات تدعو المسلمين في كل مكان إلى إنقاذ فلسطين من فظائع الحكم البريطاني، بما في ذلك القتل وتدمير القرى والمضايقات التي لا تطاق.
وفي دبي جمعت الأموال لفلسطين، وكذلك في الشارقة التي تبرع حاكمها الشيخ سلطان بن صقر بمبلغ كبير من المال دعمًا للقضية الفلسطينية.
 
ثانيًا- الحروب العربية الإسرائيلية والخليج:
بحلول عام 1953 كانت البلدان الخليجية قد اجتذبت جاليات فلسطينية كبيرة للإقامة بها، وبدأت الصلات الشخصية بين الطرفين في التبلور على المستويين الإنساني والمهني، وخلال الفترة التي سبقت استقلال دول الخليج كانت هذه الدول منشغلة في عملية التغيير من خلال الثروة التي جنتها من العائدات النفطية، وبرزت الصلات الرئيسية بالقضية الفلسطينية في هذه المرحلة في شمال الوطن العربي، أي مصر والأردن وسوريا ولبنان.
وقد زاد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 من بروز هذه الصلة عندما قطعت المملكة العربية السعودية إمداداتها النفطية عن كل من فرنسا وإنجلترا، وعادت الصلات التي كانت على قدر كبير من الأهمية بين عامي 1936 و1939 إلى الظهور بشكل فوري ودرامي في أعقاب الحرب العربية الإسرائيلية عام 1973، غير أنها بدت واضحة هذه المرة بحيث أمكن للجميع رؤيتها وتحديدها.
 
"
بددت هزيمة 1967 أوهام العرب بشأن مسار الحياد الإيجابي وسددت ضربة إلى كبرياء العرب، وأوهنت قيادة عبد الناصر ونقلت مركز القيادة العربية من مصر إلى الخليج
"
آثار حرب 1967
شكلت حرب يونيو/حزيران 1967 بين إسرائيل والدول العربية لحظة فاصلة في التاريخ الحديث للوطن العربي، فقد بددت أوهام العرب بشأن مسار الحياد الإيجابي ومنافعه، وسددت ضربة إلى كبرياء العرب ومكانتهم، وأوهنت قيادة عبد الناصر بشكل قاطع ودائم. كما أدت إلى بروز مشكلة جديدة، وهي مشكلة الأراضي المحتلة التي طغت على المشكلة الأصلية، ألا وهي إقامة دولة الكيان الصهيوني.
 
وكان من نتائج الحرب الفريدة انتقال مركز القيادة العربية من مصر إلى الخليج، إذ أصبحت السعودية بالتدريج قوة معترفًا بها، وتعاظمت أهمية الدول الخليجية الأخرى أيضًا، خاصة بسبب مواردها الطبيعية والمالية الكبيرة، وأصبحت منطقة الخليج مقصدًا مهمًا للفلسطينيين بحثًا عن فرص العمل بعدما خسروا منازلهم ووظائفهم نتيجة الحرب.
 
وقد تحدث الملك فيصل عن الإسرائيليين بعبارات مؤثرة للغاية، وساوى بينهم وبين الشيوعيين -وتلك كانت تهمة شنيعة في ذلك الحين، حيث كانت الحرب الباردة في ذروتها- وأبدى التزامًا تجاه القدس العربية، وأوضح أنه إذا وافقت مصر أو الأردن يومًا على السماح لإسرائيل بالاحتفاظ بالمدينة بأكملها، "فسيشعر بأنه ملزم بإعلان الجهاد لمحاربة الإسرائيليين، وسيحظى بمساندة سائر المسلمين".
 
كما ردت الحكومة الكويتية بإيجابية وسرعة، فقدمت التبرعات المالية السخية للفلسطينيين، وكذلك لمصر ودول المواجهة العربية الأخرى التي عانت خسائر جراء الحرب. وقد تأثر أفراد الأسرة الحاكمة بالقضية الفلسطينية حتى إن الشيخ فهد بن الأحمد -الأخ الأصغر لكل من رئيس الوزراء ووزير الخارجية– كرس نفسه للقضية الفلسطينية وشارك كجندي محترف في حرب 1967 عندما خدم في الجيش الكويتي على الجبهة المصرية.
 
وفي قطر، كانت ردود الفعل ملتهبة وعاطفية، حيث بقي السكان في مدينتي الدوحة والوكرة الرئيسيتين ينصتون للبث الإذاعي، ويشاهدون شاشات التلفزة في شوق لسماع أخبار المعارك، آملين تحقيق نصر عربي، على أن الوقع الكامل للهزيمة هز البلاد بحلول نهاية الأسبوع الأول المصيري من الأعمال العدائية.
 
وعقب الحرب فرضت الحكومة القطرية حظرًا على صادرات النفط إلى المملكة المتحدة والولايات المتحدة في يونيو/حزيران 1967، ورفضت تحميل ناقلات النفط التي ترفع علم أي من هذين البلدين، ثم رفعت الحظر في سبتمبر/أيلول من العام نفسه.
 
ثالثا- حرب 1973 وقطع إمدادات النفط:
كان من الواضح أن بريطانيا والولايات المتحدة أساءتا الحكم على عمق المشاعر العربية، وبخاصة في أعقاب النجاحات العربية الأولية، ولم تكونا تدركان جيدًا مشاعر العرب تجاه فلسطين، لا سيما تجاه فقدان القدس عام 1967. ومن ثم فقد تخبطت البلدان الأوروبية وبريطانيا لإيجاد حل سريع للأزمة الاقتصادية الكبيرة -إن لم تكن السياسية- التي أدركوا فجأة احتمال وقوعها.
 
خفض إنتاج النفط
بعد نشوب حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، دعت الكويت إلى عقد اجتماع للأقطار العربية المنتجة للنفط يوم 17 أكتوبر/تشرين الأول ضم سائر دول الخليج باستثناء سلطنة عمان، واتفق المجتمعون على خفض إنتاج النفط. وفي اليوم التالي أعلنت السعودية قرارها تخفيض إنتاجها النفطي بنسبة 10%، وفي 19 أكتوبر/تشرين الأول تجاهل الرئيس الأميركي نيكسون التهديد الذي تتعرض له المصالح الاقتصادية الغربية وطلب من الكونغرس الموافقة على تقديم مساعدات عسكرية لإسرائيل بقيمة 2.2 مليار دولار.
 
وبعد انقضاء يومين على طلب نيكسون، أصدرت السعودية بيانًا آخر أعلنت فيه أنها قررت وقف تصدير النفط إلى الولايات المتحدة في ضوء زيادة الدعم العسكري الأميركي لإسرائيل، وأعلنت الكويت تخفيض صادراتها النفطية بنسبة 10% والوقف الكامل لصادراتها النفطية إلى الولايات المتحدة في اليوم نفسه.

وكان لحظر تصدير النفط عدد من النتائج الإيجابية، كان أكثرها إبهارًا أنه أعطى الدول المنتجة للنفط دفعة اقتصادية جديدة وغير منتظرة نقلت اقتصاداتها إلى مستويات لم تكن تحلم بها، فقد بلغ سعر النفط الجديد –بعد إلغاء الحظر– أربعة أضعاف السعر الذي كان معمولاً به يوم 15 أكتوبر/تشرين الأول 1973.
 
وقد تبلورت صلة جديدة وأكثر روعة بين الخليج وفلسطين، فمع تنامي ثروات الفلسطينيين المقيمين في الخليج والعاملين فيه أرسلوا حوالات مالية كبيرة إلى عائلاتهم وأصدقائهم وأبناء بلداتهم في فلسطين، وصبت هذه الأموال في خدمة الأفراد والمؤسسات الفلسطينية والمدارس والمستشفيات والكليات والجامعات في فلسطين والأردن ولبنان وسوريا وغيرها من البلدان. وبذلك وصلت عطايا الخليج إلى الفلسطينيين في فلسطين وفي دول الشتات على حد سواء.
 
"
واصلت بلدان الخليج إنفاق جزء من ثرواتها الجديدة وغير المتوقعة على منظمة التحرير، فضلاً عن دول المواجهة التي دعمت اقتصاداتها وساعدتها على التعويض عن الأضرار التي ألحقتها بها الحرب
"
وبدأت صلات أخرى تنمو بين الطرفين في هذه المرحلة، من هذه الصلات المساعدات المالية الضخمة التي تبرع بها حكام الخليج وحكوماته لمنظمة التحرير الفلسطينية، وتطورت المنظمة بناء على ذلك من منظمة ضعيفة الدخل، إلى كيان ضخم وطيد أشبه ما يكون بحكومة.
 
وقد واصلت بلدان الخليج إنفاق جزء من ثرواتها على منظمة التحرير، فضلاً عن دول المواجهة (سوريا ومصر والأردن)، ودعمت اقتصادات تلك الدول، وساعدتها في التعويض عن الأضرار التي ألحقتها بها الحرب، وساهمت في تعزيز قدرات قواتها المسلحة.
 
الثمانينيات عقد التغيير
في حقبة الثمانينيات، احتلت القضية الفلسطينية مرتبة ثانوية لأول مرة منذ تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945 كرد مباشر على خطر الهجرة الأجنبية واليهودية الواسعة النطاق إلى فلسطين في الأربعينيات. وكرست جميع القمم العربية في الثمانينيات للمشكلات الناجمة عن الصراع المعاصر دائمًا، وهو يتطور من مرحلة إلى أخرى.
 
وقد اقتصرت الإشارة إلى فلسطين في قمة عمَّان عام 1987 على تصريحات مبهمة تحدثت عن أن السلام ممكن فقط باستعادة الأراضي العربية وحصول الفلسطينيين على حقوقهم، ولم يتم تقديم أفكار جديدة ولا قطع وعود جديدة.
عقد التسعينيات
شكل الغزو العراقي للكويت يوم 2 أغسطس/آب 1990 مرحلة فاصلة في التاريخ المعاصر لمنطقة الخليج، وقد أبرز الغزو الصلة القوية بين فلسطين والخليج، إلا أنه أدى في النهاية إلى حدوث شرخ خطير في العلاقة.
 
فقد انعقدت القمة العربية يوم 10 أغسطس/آب 1990 ورفضت ضم العراق للكويت، ودعت إلى إعادة الحكومة الكويتية على الفور، كما ساندت حق دول الخليج في الدفاع عن نفسها، وصوتت منظمة التحرير الفلسطينية ضد القرار هذه المرة، وهو ما اعتبرته الحكومة الكويتية وبعض الدول الخليجية الأخرى خيانة.
 
"
بعدما تدهورت المكانة الإقليمية والدولية لمنظمة التحرير الفلسطينية، لم يعد أمامها خيار سوى القبول باتفاق أوسلو
"
اتفاقات أوسلو 1993
وبعدما تدهورت المكانة الإقليمية والدولية لمنظمة التحرير، لم يعد أمامها خيار سوى القبول باتفاق أوسلو، حيث التقى الفلسطينيون والإسرائيليون أواخر أغسطس/آب 1993 في أوسلو، وتوصلوا إلى اتفاق نهائي لما أسموه إعلان المبادئ الذي أيدته اللجنة المركزية في حركة فتح مطلع سبتمبر/أيلول، ثم اعترف ياسر عرفات بحق إسرائيل في السلام والأمن، واعترف إسحاق رابين بأن منظمة التحرير تمثل الشعب الفلسطيني.
 
وكانت ردود فعل الدول الخليجية جديرة بالاهتمام، وكانت المملكة العربية السعودية أول مؤيدي إعلان المبادئ، مشددة طوال الوقت على وجوب المحادثات المتعددة الأطراف.
 
وبعد تلاشي بهجة السلام وانقشاع الغبار، اتضح أن إعلان المبادئ كان اعترافًا بالضعف الجديد الذي اعترى منظمة التحرير واعترى الفلسطينيين معها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك