المستبد.. يود أن تكون رعيته كالغنم درًّا وطاعة. وعلى الرعية أن تكون كالخيل إن خُدمت خدمت وعليها أن تكون كالصقور لا تُلاعب ولا يُستأثر عليها بالصيد كله.

على الرعية أن تعرف مقامها، هل خُلقت خادمة لحاكمها، تطيعه إن عدل أو جار، وخُلق هو ليحكمها كيف شاء بعدل أو اعتساف، أم هي جاءت به ليخدمها لا ليستخدمها!

عبد الرحمن الكواكبي.. مفكر عربي, ولد في مدينة حلب عام 1848, أشرف الصبي في سن مبكرة على تحرير القسم العربي والتركي بإحدى الجرائد المصرية عمل في الصحافة وأنشأ جريدته الأولى الشهباء, وعندما أوقفها الوالي العثماني أنشأ الكواكبي جريدة "اعتدال" التي منعت هي الأخرى من الصدور.
رأى الكواكبي الاستبداد في كل مكان.. رأى الولاة والحكام يستخفون بالشعب ويضربونه بالنعال.

إن الشعب عندهم لا فائدة منه سوى دفع الضرائب، إنهم يستعبدون الناس، ويدوسون القانون، ويخرقون العدالة، ويتجاهلون الحقوق، ويستغلون الدين، ويراقبون الصحف، ويحجبون الحرية.

اصطدم الكواكبي بهذا كله، وكان نتاج ذلك كتابه الفريد "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد".

شجاعة الكواكبي جعلت من الكتاب سيفًا يطعن الاستبداد في مقتل ومشعلاً ينير طريق الشعوب للحرية.

وضع الكواكبي جملته الخالدة في تعريف الاستبداد "الاستبداد أصل لكل فساد". يكون الاستبداد عندما تكون الحكومة مطلقة العنان لا يقيدها قانون ولا إرادة أمة.

والحكومة المستبدة تكون مستبدة في كل فروعها من المستبد الأعظم إلى الشرطي إلى الفراش إلى كناس الشارع، ولا يكون كل صنف إلا من أسفل أهل طبقته أخلاقًا لأن الأسافل لا يهمهم جلب محبة الناس، إنما غاية مناهم اكتساب ثقة المستبد فيهم بأنهم على شاكلته وأنصار لدولته، وبهذه يأمنهم ويأمنونه فيشاركهم ويشاركونه.

ولكي يستمر الاستبداد لا يكفي أن يكون هناك حاكم مستبد أو حكومة مستبدة، بل لابد من وجود شعب يقبل هذا الاستبداد، لأن الاستبداد طريق واحد ذو اتجاهين.

بحث الكواكبي في علاقة الاستبداد بالدين وذكر أن الإسلام فرق بين أمرين، النظرة إلى الله والنظرة إلى الحاكم، إن الحاكم فرد يخطئ ويصيب، والالتزام بحكم الدين يعني أن يلتزم الحاكم بقول الله تعالى "وشاورهم في الأمر".

وفي باب آخر يذكر الكواكبي أن فرائص المستبد ترتعد خوفًا من العلم قائلاً إنه كلما تغلغل الجهل في أواصر المجتمع ازدادت قدرة الحاكم على الاستبداد, فالعلم مقاتل مقدام يخشاه المستبد ويخشى من قدرته على إرشاد الرعية لمواطن الحقوق وسبيل الحصول عليها. إن المستبد سارق ومخادع والعلماء منبهون ومحذرون، وللمستبد أعمال ومصالح لا يفسدها عليه إلا العلماء.

ويؤثر الاستبداد في والتربية والأخلاق فيفسدهما ويضطر الناس إلى إباحة الكذب والتحيل والخداع والنفاق والتذلل.

كان قلم الكواكبي كالكاميرا تصول وتجول في أنحاء الأمة الإسلامية، ترصد الاستبداد أينما كان وتذكر أسبابه ونتائجه وكيفية القضاء عليه، لم يكن الكواكبي يتحدث عما يمكن أن يفعله الاستبداد بالناس بل كان يتحدث عما يفعله بهم فعلاً.

لم يتحمل السلطان العثماني قلم الكواكبي، وكما فضح الكواكبي استبداد السلطان جزءًا جزءًا أراد السلطان أن يؤلم جسد الكواكبي قطعة قطعة فاختار السم ليقتله به.

في القاهرة عام 1902 فاضت روح الكواكبي إلى بارئها وبقيت كلماته حتى اللحظة درسًا للشعوب في مواجهة الاستبداد.

المصدر : الجزيرة

التعليقات