عرض: حسين جلعاد
ما الذي يدفع كاتبا يعيش على أعتاب القرن الحادي والعشرين -بكل عولمته وتكنولوجيته التي فتحت العالم على جهاته الأربع- ليعود إلى تاريخ انتهى منذ مائتي عام؟ وأبعد من ذلك، ما الذي سيدفع قارئ عصرنا -الضاج برفاهية التكنولوجيا- ليقرأ كتابا تزيد صفحاته على 400.

هذا تحد يتصدى له الكاتب والصحفي القطري عبد العزيز آل محمود في روايته "القرصان" الصادرة حديثا عن دار بلومزبيري -مؤسسة قطر للنشر في الدوحة.

- الكتاب: القرصان
- الكاتب: عبد العزيز آل محمود
- عدد الصفحات: 411
- الناشر: بلومزبري/ مؤسسة قطر للنشر
- تاريخ النشر: 2011
يرى الفيلسوف الألماني فريدريك هيغل (1770 - 1831) أن التاريخ مليء بالمؤامرات، لكن التاريخ نفسه ليس مؤامرة، بل إن له صيرورة تحكمه.

وفي هذه الرواية سيجد القارئ مصداق ذلك، فالخط العام لـ"القرصان" يسير وفق مؤامرات لعبة الأمم، لكن ثنايا الأحداث يخلقها أفراد تصطرع أقدارهم على خط واحد من صراعات الأمم والإمبراطوريات بكل منعرجاتها المعقدة.

تجري أحداث الرواية في بدايات القرن التاسع عشر وتحديدا في العقد الثاني منه حين تتحول السيطرة البريطانية في الشرق إلى قوة عظمى تمد هيمنتها بقانون الدم والتسلط على الخليج العربي وإيران، بعد أن ضمنت شركة الهند الشرقية السيطرة على شبه القارة الهندية.

أحداث ومؤامرات
تنفتح الرواية حين تبدأ الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس في إقامة تحالفات جديدة في الخليج، فتسعى إلى بناء حلف ضد الحركة الوهابية التي مدت سلطانها في نجد والحجاز حتى وصل إلى ما بات يعرف الآن بالإمارات العربية المتحدة، وتحديدا في مشيخة القواسم برأس الخيمة، علاوة على بسط سلطتهم في البحرين التي يحكمها آل خليفة اسميا، في حين يدير شؤون المشيخة ابن عفيصان وهو الرجل القوي القادم من نجد والحاكم الفعلي باسم الوهابيين.

وكعادة الإنجليز، فإن الحيلة دائما تسبق السيف وتعقبه أيضا، فيوفد الحاكم البريطاني في بومباي (مومباي) الضابط الإنجليزي سيدلر بهدية ثمينة هي سيف مهدى إلى إبراهيم باشا نجل محمد علي حاكم مصر الذي يكون منشغلا حينها باقتراف أبشع جرائمه في الحجاز ونجد لإخضاع جزيرة العرب تمهيدا لإلحاقها بالعرش الأرناؤوطي في مصر المحروسة.

وفي موازاة ذلك ينسج رجال صاحب الجلالة البريطانية خطة لتغيير مصائر الشعوب فتبعث البحرية الملكية القبطان "لوخ" على رأس أسطول غايته المعلنة تخليص طرق التجارة من القراصنة، في حين أن هدفه الحقيقي انتزاع الموانئ على ضفتي الخليج، إذ تقتضي خطة الحلف التخلص من سيطرة الوهابيين وطردهم من كل مراكز قواهم في الخليج العربي.

"
في الجانب الفني، يندهش القارئ حقا من ثراء الشخصيات الروائية ونموها الدرامي المضطرد وفق سيناريو سينمائي يواصل حبس الأنفاس
"
ولذلك تسعى العقلية الإمبراطورية إلى نسج تحالف يضم بريطانيا وسلطان عُمان وإبراهيم باشا كي يطبقوا فكي الكماشة على الوهابيين وحلفائهم من مشايخ الخليج.

لكن سفن بريطانيا العظمى لن تجري بما يشتهي صاحب التاج، فحين يتحرك الضابط سيدلر من الهند إلى جزيرة العرب يقع مصادفة في يد القرصان أرحمة بن جابر فيسلب السيف وهو لا يدري أنه بقيامه بفعل قام بمثله قبل ذلك آلاف المرات يكون قد فتح أبواب الجحيم وعطل خطة عظيمة اسمها لعبة الأمم فيطارده، الأسطول البريطاني، وهنا تبدأ المصائر التشكل وتنعطف حركة التاريخ في واحدة من أهم انعطافاته في المشرق فينتهي بخضوع الخليج بقوة المدافع البريطانية.

لعبة الأمم
هذه هي الحبكة الرئيسية التي تدور فيها الحكاية وتمتد بنا الرواية لنعيش تفاصيل لعبة الأمم التي تمتد خيوطها من إنجلترا إلى الهند مرورا بأرض الجزيرة العربية وما يقابلها من موانئ إيران.

ينسج الكاتب أحداث روايته على مستويات عدة معقدة ودقيقة تتشابك فيها مصائر الشعوب والدول بقصص الأفراد، فمن جهة هناك الإمبراطوريات التي تصارع أمما ناشئة ومشيخات على أطراف الخليج، ومن جهة أخرى هناك مستويات فردية وشخصية للصراع لا تقل أهمية في نسج التحولات. إنها تناقضات الإقليم العربي وشخصياته، فالقرصان يعيش شهوة انتقام تحرك حياته ضد آل خليفة حكام البحرين الذين هم في الوقت ذاته أبناء عمومته.

وفي الخضم ثمة حبكات فرعية منسوجة بعناية يضيق السياق عن تلخيصها رغم أهميتها، ونلحظ مستويات درامية تنمو تدريجيا حتى نجد القرصان يرمي ولديه في البحر نهبا للموت، وحين ينجو ابنه بشر بالصدفة يدخل في صراع مع شخصية أبيه فيتبع الضابط الإنجليزي ويكون معه صداقة عميقة، على أن التبسيط هنا مجرد تقريب للصورة لكن الشخصيات ومستويات الصراع الدرامي مرسومة بحرفية عالية.

في الجانب الفني يندهش القارئ حقا من ثراء الشخصيات الروائية ونموها الدرامي المضطرد وفق سيناريو سينمائي يواصل حبس الأنفاس.

واللافت أن الروائي لا يتدخل في شخصياته، فهو لا يصدر أحكاما قيمية على الأحداث ومجريات تطور الشخوص ولا يربك القارئ بحضوره، وهو بذلك ينجو مما يقع فيه كثير ممن يكتبون روايات التاريخ التي تفسد غالبا بسبب القصد الغائي أو التصور الذاتي، فتنزلق من كونها مادة فنية وتتحول إلى وعاء أيديولوجي محكوم بلغة الصراع أو حتى إلى  التبرير القصدي في أبسط صوره.

"
من أهم ما يلفت النظر في "القرصان" هو أن مؤلفها قد نسج بناء دراميا مكتوبا بوعي سياسي وعقل تاريخي بامتياز، ولكن دون أن يفسد ذلك بمقرعة الذات الراوية، حتى ليندهش القارئ من تطور الشخصيات في منطقة الظل بين الأسود والأبيض
"
إن من أهم ما يلفت النظر في "القرصان" هو أن مؤلفها قد نسج بناء دراميا مكتوبا بوعي سياسي وعقل تاريخي بامتياز، ولكن دون أن يفسد ذلك بمقرعة الذات الراوية، حتى ليندهش القارئ من تطور الشخصيات في منطقة الظل بين الأسود والأبيض.

فلا تنميط هنا، بل ثراء الشخصية البشرية بكامل تناقضها، بأرقى مستوياتها الأخلاقية ولكن في الوقت ذاته بأخس نوازعها الغريزية، علاوة على أن كل تلك الأقدار قد صيغت بقالب فني درامي فلا يسع قارئها إلا ملاحقة تناميها وتطور أحداثها وشخصياتها.

ولعل أهم ما نجح فيه عبد العزيز آل محمود هو أنه نزع الصورة النمطية عن شخصية حددتها الثقافات السائدة، فما تزال هذه المنطقة من الأرض العربية محكومة بنظرتين لا ثالثة لهما، إما التبخيس الظالم وإما التمجيد المتعالي المنزوي على ذاته.

في رواية "القرصان" سيتعرف القارئ على إحداثيات حقيقية وملموسة في هذه المنطقة من العالم غيبها الإعلام والنسق الاستهلاكي المعاصر، وتركها على رفوف التاريخ تماثيل مصنوعة من خشب التراث، لا تراها إلا عدسات السائحين.

في الرواية شخصيات تنمو وتصطرع وتتحرك كما لو كانت مرسومة بريشة فنان، لكنها في الوقت ذاته تتنفس في سياق واقعي من لحم ودم، ونزعم أن هذا النوع من الكتابة الروائية ينزع عن الإنسان التنميط والتشييء وبذلك ينجح الكاتب في أن يضيء مناطق معتمة قلّ الاقتراب منها، سوى أن عبد العزيز آل محمود نأى عن المباشرة أو القصدية الأيديولوجية، وترك لشخصياته أن تتحرك تحت الشمس مانحا القارئ كتابا مفتوحا ليعيد النظر مرارا وتكرارا ويصل إلى استخلاصاته الفكرية الخاصة، فيعود غير مرة إلى القراءة والتأمل. وهذا حسب ظني مرتقى صعب لا تبلغه كثير من الروايات التاريخية وحتى الحداثية.

بناء هندسي
أنشأ المؤلف في روايته بناء هندسيا مركبا، فمن جهة عليه أن ينصت إلى صوت التاريخ والمآلات الحقيقية للوقائع، كما أن عليه من جهة أخرى أن يصور شخصيات وينسج حبكات تقوم فقط على الخيال الروائي.

إنه التخييل الفني، وهي لعبة خطرة وقاسية خصوصا أن القارئ سيحاكم الكاتب وفق السجلات التاريخية، ومع ذلك فقد نجح عبد العزيز آل محمود بحق في أن يقدم لوحة ثرية للمنطقة بصخب أمواجها ونعومة رمالها وخطورة كثبانها، مستخدما تقنية الموزاييك أو بناء الصورة العامة قطعة قطعة، قبل أن تنبجس شلالا هادرا في قالب من التشويق الدرامي.

وعمد الروائي في كتابته إلى التخلص من الفائض اللغوي والمعلوماتي الذي يرهق الوصف عادة، فقدم الأحداث بلغة مقتصدة وفق السيناريو السينمائي، فثمة حبكات وعقد رئيسية تنجدل من حبكات فرعية تدفع القارئ إلى مطاردة الأحداث ثم التوقف بين فصل وآخر لالتقاط الأنفاس والتأمل في فرادة النفس البشرية وغرابتها.

"
الحكاية تتموضع في سياق تاريخي لكنها تلح علينا بأسئلة الواقع البشري راهنه ومستقبله، وذلك ذكاء يحسب للرواية حين توسع دائرة التأمل من الوقائع إلى المعاني والرموز
"
ليست الأحداث فقط هي التي تفاجئ القارئ بل الشخوص وتطوراتها التي تنكشف لنا رويدا رويدا مع توالي السرد وانعقاد الحوارات.

إن المهارة التي تحسب للروائي هنا هي أنه كان كاتبا غير مرئي، فما نراه يدور أمامنا تفعله شخصيات، نعيش معها المؤامرات وقعقعة السيوف وهدير السفن الحربية وتلاطم الأمواج، ثم نهبط معها في أدق تفاصيل النفس البشرية بفرديتها وتناقضاتها، لكن دون أن نشعر بثقل قلم كاتب يتلو علينا دروسا أو يلقي مواعظ.

وعودا على بدء، فإن كتابة التاريخ يستتبعها سؤال الحاضر والمستقبل، بل وتستتبعها أيضا أسئلة الوجود الإنساني ذاته، وهي أسئلة ستبقى تقرع فوق رؤوس البشر ما دام في البحر موج، ولنتأمل على سبيل المثال موقف بشر بن أرحمة حين شهد معركة بين جيش إبراهيم باشا وبضع مئات من الوهابيين:

"بشر الذي كان مصدوما من كثرة القتلى.. لم يأخذه من تفكيره سوى صوت الأذان الذي كان يتردد بين المعسكرين، فكان أن سأل نفسه، هل هؤلاء وهؤلاء على حق فيما يفعلون، فهم يعبدون نفس الرب، ويصلون لنفس القبلة، وبعد ذلك يسفك بعضهم دماء بعض؟"

إنها رواية تاريخية بامتياز، لكنها كتابة تطرح أسئلة السياسة والقوة والسيطرة وما يتفرع عنها من أسئلة الصراع والهويات. ببساطة إنها كتابة تناقش أسئلة الإنسان، فالحكاية تتموضع في سياق تاريخي لكنها تلح علينا بأسئلة الواقع البشري راهنه ومستقبله، وذلك ذكاء يحسب للرواية حين توسع دائرة التأمل من الوقائع إلى المعاني والرموز.

وهنا يأتي دور القارئ فقد سلّمه عبد العزيز آل محمود كتلة ملتهبة من التناقضات السياسية والتاريخية والإنسانية، وهمس له: اقرأ.. تأمل وضع أجوبتك!

يذكر أن الرواية هي الأولى لصاحبها. والمؤلف عبد العزيز آل محمود مهندس وصحفي قطري حاصل على البكالوريوس في الهندسة والدبلوم في هندسة الطيران، وعمل رئيسا لتحرير موقع "الجزيرة نت" وكذلك صحيفة "الشرق" القطرية و"البيننسيولا" الناطقة باللغة الإنجليزية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك