عرض/ عبد الحافظ الصاوي
 
يركز الكتاب عبر صفحاته على أن ماليزيا استحضرت المبادئ الإسلامية لتجربتها الاقتصادية والتنموية، منذ استقلالها وتولي تنكو عبد الرحمن رئاسة وزرائها عام 1957، وحرصه على إقامة أسس الدولة الماليزية على الالتزام بتعاليم الإسلام في القضاء على الجهل والفقر والمرض، وإن لم يعلن تبنيه للتعاليم الإسلامية صراحة.
 
-الكتاب: التجربة الماليزية .. وفق مبادئ التمويل والاقتصاد الإسلامي
-المؤلف: نوال عبد المنعم بيومي
-عدد الصفحات: 199
الناشر: مكتبة الشروق الدولية
الطبعة: الأولى 2011
ثم تبعه تون عبد الرازق عام 1970، الذي كان أكثر وضوحًا في تبنيه شعارات إسلامية تواكبت مع الصحوة الإسلامية التي عمت العالم الإسلامي في السبعينيات، ثم كانت المرحلة الثالثة الأكثر صراحة في تبني المنهج الإسلامي مع بداية الثمانينيات مع تولي محاضر محمد رئاسة الوزراء.

وقد استشهدت مؤلفة الكتاب على التوجه الإسلامي لماليزيا في عهد محاضر محمد بقوله "نحن في ماليزيا نعتبر أنفسنا مثل أسلافنا المسلمين في العصر الذهبي، لأننا نلتزم رؤية ومدخلًا أصيلًا ينسجم مع روح وجوهر الإسلام.
وكان لابد أن تبدأ أولًا بتحقيق النمو، وفيما قمنا بتطبيق مختلف الحزم المعيارية اللازمة لحفز نمو الناتج المحلي الإجمالي اتخذنا المعالجات التي تكفل المساواة، الأمر الذي لم يحظ باستحسان الغرب الذي يؤمن بأن البقاء والثراء هما فقط للأقوياء على حساب الفقراء"، وحتى مرحلة ما بعد محاضر محمد تبنت مشروع الإسلام الحضاري الذي دعا إليه رئيس الوزراء عبد الله بدوي.
 
الإطار النظري لمبادئ الاقتصاد الإسلامي
أشار الكتاب إلى أربعة مبادئ باعتبارها الأبرز للنظام الاقتصادي الإسلامي، أول هذه المبادئ الملكية المزدوجة، حيث يجمع النظام الإسلامي بين الملكية العامة والملكية الخاصة، فالإسلام يحمي الملكية الخاصة ويرعاها إذا كانت من مصادر مشروعة، ويضع قيد المصلحة العامة على توسع ولي الأمر في الملكية العامة.
 
وثاني هذه المبادئ هو الحرية الاقتصادية التي تكفل للقطاع الخاص حرية ممارسة النشاط الاقتصادي بما لا يؤثر على حرية الآخرين، على أن تعمل في إطار المصلحة العامة للمجتمع، وأن تقوم الدولة بتهيئة المناخ المناسب للقطاع الخاص، وتراقب نشاطه لكي يكون متفقًا مع قواعد الشريعة الإسلامية.
 
أما المبدأ الثالث فهو العدالة الاجتماعية التي تُبنى على التكافل العام والتوازن الاجتماعي، ويتبنى الكتاب تعريف العدالة الاجتماعية بأنها "التوزيع العادل للدخل والثروة بين كافة أفراد المجتمع دون تمييز بينهم بسبب الدين أو الجنس أو السن أو اللون، أو غير ذلك من الأسباب". والمبدأ الرابع والأخير للنظام الاقتصادي الإسلامي الذي ذكره الكتاب هو تحريم الربا.
 
ويذكر الكتاب أن العالم الإسلامي ظل قرابة ثلاثة عشر قرنًا من الزمن خاليًّا من الربا، إلا من بعض الممارسات الفردية التي ينبذها المجتمع، حتى أتت حركة الاستعمار إلى بلدان العالم الإسلامي فأنشَأت منظومة البنوك التي تعتمد بشكل أساسي على الربا أخذًا وعطاءً. 
 
تحقيق التنمية في ماليزيا
"
من الملامح التي شكلت نجاح تجربة التنمية في ماليزيا، التركيز على ردم فجوة التفاوت الطبقي بين العرقيات المختلفة, التي لم تكن في صالح الملاويين أصحاب البلاد الأصليين
"
يشير الكتاب إلى مجموعة من الملامح التي شكلت نجاح تجربة التنمية في ماليزيا، وهي: التركيز على ردم فجوة التفاوت الطبقي بين العرقيات المختلفة في ماليزيا، التي لم تكن في صالح الملاويين أصحاب البلاد الأصليين، حيث تم عبر مجموعة من السياسات الاقتصادية والاجتماعية رفع نصيب هذه الفئة من الثروة والدخل من نحو 3.5% في الستينيات إلى نحو 30% في بداية الألفية الثالثة، وكان للتعليم الدور الأبرز في تحقيق هذا التغيير، حيث تم ابتعاث العديد من أبناء ماليزيا للدراسة في اليابان وغيرها من البلدان المتقدمة، وعلى صعيد العلوم الشرعية تم التركيز على زيادة المبعوثين إلى الأزهر الشريف.
 
وكان لاستفادة ماليزيا من التجربة اليابانية أثر كبير في تحقيق التنمية، ليس من جانب نقل التكنولوجيا فقط ولكن من خلال الاستحواذ على نصيب كبير من الاستثمارات الخارجية لليابان، وكان لاستحضار قيم احترام العمل وإتقانه دور كبير في جذب الاستثمارات اليابانية.
 
واعتمدت ماليزيا سياسة التركيز على التصنيع للخروج من دائرة التخلف، فمرت بمراحل مختلفة انتهت بأن تكون ماليزيا دولة مصدرة للصناعات العالية التكنولوجيا بعد أن كانت تصدر مواد خام على رأسها المطاط، وبفضل هذا التوجه ارتفعت صادرات ماليزيا من أقل من خمسة مليارات دولار عام 1980 إلى 100 مليار دولار عام 2002.
 
كما تم التوجه إلى التوسع في برنامج للخصخصة يعتمد على تمليك المواطنين الشركات العامة، وذلك بعد أن نجحت الدولة في تكوين بنية أساسية واقتصادية ضخمة، يمكن الاعتماد عليها في تحقيق النهضة.
 
فأرادت أن تتخفف من تبعات هذه الملكية فقامت بتحويل ملكية المشروعات العامة إلى الأفراد والقطاع الخاص الوطني، وهو ما أوجد حالة من الرواج وتحسين العديد من المؤشرات الاقتصادية للدولة، مثل العجز في الموازنة، والدين العام، وعدد العاملين بالدولة.
 
وعلى صعيد السياسات الاجتماعية نجحت ماليزيا في خفض معدلات الفقر من 49.3% من السكان عام 1970 إلى نحو 5% في عام 2004. وحرصت السياسات الاجتماعية أيضًا على توفير السكن الملائم من خلال شراكة بين القطاع العام والخاص، حيث استطاعَا أن يوفرا ما يزيد على متطلبات الخطة العامة للدولة في هذا المجال، وانخفضت معدلات البطالة في ماليزيا لتصل إلى نحو 2.7% عام 2001، وهو معدل يعادل أو يفوق نسبتها في العديد من البلدان المتقدمة.
 
ونبه الكتاب إلى تجربه ماليزيا في التعامل مع أزمة عام 1997، وأنها تميزت بالذاتية ورفض أجندة صندوق النقد الدولي، أو الاقتراض بالربا، حيث توجت إلى تحجيم الفساد وإصلاح الجهاز الإداري للدولة ومحاربة المضاربة على عملتها في الخارج، وفي أقل من عامين نجحت ماليزيا في النهوض من كبوتها.
 
صور التطبيق الماليزي للاقتصاد الإسلامي
يرصد الكتاب سعي ماليزيا لتطبيق الاقتصاد الإسلامي، من خلال خطط التنمية التي استهدفت جوهر الإسلام من حيث الاهتمام بالإنسان، والارتقاء بإمكانياته ومساهمته في عملية التنمية، وهو ما انعكس في تبني سياسات تعليمية وصحية واجتماعية واقتصادية أدت إلى ارتفاع معدلات التنمية البشرية والاقتصادية في ماليزيا.
 
"
يرصد الكتاب سعي ماليزيا لتطبيق الاقتصاد الإسلامي، من خلال خطط التنمية التي استهدفت جوهر الإسلام من حيث الاهتمام بالإنسان، والارتقاء بإمكانياته ومساهمته في عملية التنمية
"
ويوضح الكتاب أن البدايات الأولي كانت في الستينيات من القرن العشرين بتكوين مؤسسة صندوق الحج، التي شهدت تطورات تشريعية ومؤسسية كبيرة، حيث نجح الصندوق في جمع مدخرات الحجاج الماليزيين وتوظيفها في خدمة الاقتصاد الماليزي وتوفير خدمات الحجيج، بعيدًا عن شبهات الربا.
 
ثم كانت تجربة المصرفية الإسلامية مع بداية التسعينيات من القرن العشرين حيث مارس أول بنك إسلامي نشاطه، وظل محتكرًا لممارسة المصرفية الإسلامية لمدة تصل إلى نحو عشر سنوات، إلى أن سمحت الحكومة الماليزية للبنوك التقليدية بتقديم خدمات مصرفية إسلامية.

وقد اتسمت تجربة ماليزيا في المصرفية الإسلامية حسبما وصفها الكتاب بالتدرج، ولاقت نجاحا كبيرا، وحرصت هذه التجربة على المؤسسية وتوفير العديد من المنتجات المصرفية الإسلامية التي تناسب احتياجات المجتمع. وقد تخلت الدولة عن ملكيتها للمصرف الإسلامي الماليزي من خلال البورصة حيث تمتلك الآن 13.5% فقط من مجموع أسهم البنك.
 
وثمة تطور لحق بقطاع التكافل "التأمين" الإسلامي الذي بدأ العمل في العام نفسه الذي سُمح فيه للمصرف الإسلامي بالعمل في السوق الماليزية، إلا أن الكتاب يرى أنه لا يزال أمام خدمة التأمين الإسلامي مجال واسع في السوق الماليزية حيث تسيطر على نسبة تقترب من 7% فحسب من حجم تلك السوق.
 
وعلى صعيد سوق الأوراق المالية، فقد تطورت السوق الماليزية حتى أصبحت تعتبر أكبر سوق إسلامية في العالم، بعد أن تم بناؤها بشكل صحيح وإعداد قوائم بالشركات التي تعمل وفق قواعد الشريعة الإسلامية، وقد أتاحت هذه السوق الفرصة أمام الاستثمارات الإسلامية وبخاصة الخليجية منها للدخول في استثمارات تراعي قواعد الشريعة الإسلامية في هذا المجال.
 
وفي إطار سوق الأوراق المالية الإسلامية وفرت ماليزيا خدمات الصكوك الإسلامية للمؤسسات والدولة، كما أنشَأت صناديق الاستثمار الإسلامية، ولقد خرجت تجربة كل من الصكوك الإسلامية وصناديق الاستثمار الإسلامية إلى العديد من البلدان العربية والإسلامية.
 
وعرض الكتاب بعض الانتقادات التي وجهت للتجربة الماليزية، مثل التخلي التام عن الملكية العامة، والسماح للبنوك التقليدية بالعمل بجوار البنوك الإسلامية، إلا أن الكتاب رد على هذه السلبيات بأن الدولة من خلال مؤسساتها الاقتصادية واثقة من قدرة القطاع الخاص الماليزي على المنافسة، وكذلك فإن وجود البنوك التقليدية مع البنوك الإسلامية، يراعي مبدأ التدرج وهو مبدأ إسلامي أصيل، كما أن المجتمع الماليزي يحتوي على غير المسلمين وقد يروق لهم التعامل مع البنوك التقليدية.
 
الدروس والتوصيات  
"
في ظل القيم الإسلامية وتطبيق مبادئ الاقتصاد الإسلامي حققت ماليزيا ارتفاعا في معدلات التنمية البشرية، والقضاء على الفقر والبطالة، وحققت طفرة في الصادرات
"
حفل الكتاب في فصله الأخير بالعديد من الدروس والتوصيات، منها:
• اعتماد تجربة ماليزيا التنموية على القيم الإسلامية والمهارات التكنولوجية العالمية.
 
• في ظل القيم الإسلامية وتطبيق مبادئ الاقتصاد الإسلامي حققت ماليزيا ارتفاعا في معدلات التنمية البشرية، والقضاء على الفقر والبطالة، وحققت طفرة في الصادرات.
 
• أهمية وجود دور للدولة في بناء التنمية، والقدرة على استرداد دور الدولة في أوقات الأزمات.
 
• أهمية التدرج في تبني تجربة المؤسسات المالية الإسلامية من قبل الدولة.
 
• الاعتماد على الذات ورفض محاولات الهيمنة على الأجندة الوطنية للتنمية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك