الجزيرة نت/ خاص

في هذا الكتاب يروي لنا الأستاذ سالم الفلاحات (المراقب العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن) قصة أسطول الحرية من زاوية نظره باعتباره مشاركا فيها، وهو هنا يتحدث إلينا بعين الأديب الناقد، والمراقب غير المحايد في ملحمة عايشها العالم أجمع، وعلى نحو أكثر توترا، مليار ونصف مليار من المسلمين، في حين كانت تركيا هي بطلها الأول بلا منازع (حكومة وشعبا وأبطالا على متن السفينة).

-الكتاب: أسطول الحرية (ذكريات.. خواطر.. أحداث)
-المؤلف: سالم الفلاحات
-عدد الصفحات: 158
-الناشر: دار المأمون للنشر والتوزيع, عمان, الأردن
-الطبعة: الأولى/2010

في الكتاب ينسج الكاتب خيوط الحكاية من ألفها إلى يائها من زاوية نظر مشارك أردني. وهو هنا لا يتورط فيما يتورط فيه كثيرون في سياق السير الذاتية، حيث يجعلون أنفسهم محور الأحداث، بينما يتهمش كل شيء من حولهم، بل يصنع الحكاية بروحية الراوي الذي يحيط بالأحداث من سائر الجوانب، ويمنح الأبطال حقهم من الأحداث والبطولة، وإن بقيت زاوية نظره هي محور الرواية.

الحكاية هي حكاية أسطول الحرية، والسفينة هي مرمرة التي سُجلت الملحمة على متنها، والأبطال هم مئات الرجال والنساء من مختلف الأعمار، والعدو هو العدو الصهيوني، وزينة الأبطال هم الشهداء التسعة الذي سيحضرون في الرواية دائما بعبق استشهادهم، ولون دمهم، تماما كما يحضر سائر الأتراك الفرحين بتعويضهم بتلك البطولة والشهادة بعض ما يرونه تقصيرا بحق فلسطين والأقصى.

تحضيرات السفر
ولأن الكتاب يروي الحكاية من زاوية نظر كاتبه، فمن الطبيعي أن تبدأ الحكاية بتحضيرات السفر لصاحبه، وكيف عبّر لقائد مجموعة الأردنيين في الرحلة (رحلة أسطول الحرية)، وهو المهندس وائل السقا، نقيب المهندسين السابق، عبر له عن رغبة أخ له في السفر، فكاد يفشل لأن العدد قد اكتمل، لكن معرفة السقا بعد إلحاح منه بأن الراغب في المشاركة هو سالم الفلاحات نفسه جعله يتجاوز التعليمات تبعا لمكانة الرجل المعنوية وأهمية وجوده في رحلة من هذا النوع.

هذا الجزء يبدو عاديا في الكتاب، لكنه يعبّر عن شوق الرجل إلى فلسطين وحبه لها، وإيمانه بقضيتها وهو الذي كان على تماس مباشر معها من موقعه في قيادة الإخوان المسلمين في الأردن خلال سنوات، وصولا إلى موقع المراقب العام للجماعة.

"
في هذا الكتاب نعثر على الشيخ رائد صلاح بكل روعته وحضوره، كما نعثر على المطران كبوتشي بهيبة حضوره أيضا، ونعثر على نواب وناشطين من مختلف الجنسيات
"
الجزء الثاني من الكتاب يتعلق بمذكرات الشيخ على متن السفينة خلال الجزء الأول من الرحلة قبل الاقتراب من حدود فلسطين، وفيه تتبدى بعض فصول الرحلة والمشاركين فيها من شتى الجنسيات وكرم الأتراك وخدمتهم الطيبة والمتفانية للجميع.

في هذا الجزء نتلمس روعة العواطف الجياشة حيال فلسطين، ونعثر على بعد إنساني يتجاوز التعصب الديني الذي يشي به بعض الكلام عن المنتمين للمجموعات الإسلامية. نعثر على الشيخ رائد صلاح بكل روعته وحضوره، كما نعثر على المطران كبوتشي بهيبة حضوره أيضا، ونعثر على نواب وناشطين من مختلف الجنسيات. نتابع يوميات الرحلة ونشاطاتها داخل السفينة. نعرف الكثير من أسماء المشاركين ونشاطهم وبعض النتف عنهم، إلى آخر ذلك مما يُتوقع في كتاب من هذا النوع.

ليلة الاقتحام وتفاصيل المعركة
في الجزء الثاني من الكتاب نتابع تفاصيل المعركة التي تمت بين المحتلين وبين أبطال السفينة. نتابع كمّا من التفاصيل التي يصعب الحصول عليها خارج هذا الكتاب، ولا نعرف هل كان ثمة كتاب آخر قد صدر عن المعركة أم لا.

هنا نعثر على قدر استثنائي من البطولة عند رجال السفينة، بينما نعثر على قدر أكبر بكثير من الجبن والخور والذعر لدى الطرف الآخر، وهنا تتبدى حقيقة بالغة الأهمية عايشها الناس في حرب تموز عام 2006، كما عايشوها في حرب غزة (2008- 2009)، ألا وهي تراجع الروح المعنوية لدى الجندي الصهيوني مقابل ارتفاع الروح المعنوية عند المقاتلين المعبئين بروح الاستشهاد من رجال المقاومة الإسلامية.

في الجزء الأول من المعركة حاول الصهاينة استغلال قيام الركاب بأداء صلاة الفجر للقيام بعملية الاقتحام، لكنهم لم يدركوا أن رجال القافلة كانوا يتوقعون ذلك، وهو ما رآه الكاتب تطبيقا لصلاة الخوف المنصوص عليها في كتاب الله أثناء القتال.

"
عاجل الشباب الزوارق الإسرائيلية بالتكبير والتهليل وبخراطيم المياه وكشافات الكهرباء وما تيسر من ذخيرة وبراغي وسوامين، فولى الأول هاربا وهكذا كان حال الثاني والثالث
"
يقول الكاتب: "صلينا نرقب البحر ومفاجأته، ومن أين سيخرج هؤلاء لصدهم لو خرجوا، وإذا بثعبان أسود يقل على ظهره المكشوف مجموعة كوماندوز سود الوجوه، يقترب بسرعة هائلة ودون إضاءة نحو مؤخرة الباخرة، فعاجله الشباب بالإضافة للتكبير والتهليل بخراطيم المياه وكشافات الكهرباء وما تيسر من ذخيرة وبراغي وسوامين، فولى هاربا وهكذا كان حال الثاني والثالث".

بعد ذلك "تنهال القنابل الدخانية التي تغطي الباخرة كلها والقنابل الصوتية والرصاص المطاطي من القناصة المتكاثرين في البحر ببنادقهم المتطورة جدا، والتي تطلق بأشعة الليزر وبقوة مضاعفة، لكن ذخيرتنا شارفت على الانتهاء ولم يبق غير مخزون الصبر والمصابرة ..".

أسطورة زائفة
بعد ذلك يأتي دور الاقتحام حيث ينزل أربعة من الكوماندوز من مروحية، فكان الأبطال الأتراك لهم بالمرصاد، حيث أوسعوهم ضربا واعتقلوهم في أسفل السفينة، ولو شاؤوا قتلهم لكان ذلك سهلا، لكنهم فضلوا الإبقاء عليهم ضمن رؤية سياسية للمعركة.

في هذه المعركة التي يضعها الكاتب تحت عنوان "أسطورة زائفة"، نعثر على حقيقة الجندي الصهيوني حين يواجه رجالا مدججين بالإيمان، فيصف حال الجنود بالقول "هم بين من يبكي ويتوسل، وبين من يغطي وجهه خوفا وهلعا، وبين من أزكمت رائحته الكريهة الأنوف (أكرمكم الله). هذا هو الجيش الأسطورة، وهؤلاء هم النخبة".

وفي سياق آخر يصف المعركة مع إحدى المروحيات حين ألقت الحبال لينزل عليها رجال الكوماندوز، فما كان من الرجال الأتراك إلا أن أمسكوا بالحبال وربطوها في السفينة، ولم يعد بوسع الطائرة أن تغادر، لكنهم تركوها خشية أن تقع على الباخرة بمن فيها.

بعد ذلك يصف وقائع استسلام الباخرة وطريقة تعامل الجنود الصهاينة مع ركابها، ويفرد صفحات لشهداء المعركة الذين يفاجأ القارئ بأن أكثرهم من الأتراك الأكراد، الأمر الذي يهيل التراب على صراعات القومية حين يوحد الإسلام الناس.

في صفحات يعنونها الكاتب بعنوان "المرأة ومرمرة.. نساء من عالم آخر"، يتحدث الكاتب عن عدد من النساء الفاضلات على متن السفينة، مبتدئا بقصة أم حرام الصحابية التي سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يتحدث عن رجال يركبون "ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة"، فتطلب منه عليه الصلاة والسلام أن يدعو لها أن تكون منهم فيدعو لها فتكون بالفعل.

"
الكتاب رحلة جميلة يمكن للقارئ أن يمضي فيها, رحلة تذكر بواحدة من الملاحم الجميلة التي تضاف إلى ملاحم فلسطين، لأنها كانت من أجلها ومن أجل فك الحصار عن جزء عزيز من ديارها وأبنائها
"
يتحدث عن الكويتية أم عمر التي جمعت حوالي مليون دينار هي وأخواتها من البحرين ليتمكنّ من شراء باخرة (بدر الأسيرة)، والناشطة الإعلامية الكويتية هيا الشطي، وكذلك عدد من الجزائريات المسلمات، ومن فلسطين حنين الزعبي ومن الشام شذى بركات وسارة النائبة في مجلس العموم البريطاني، فضلا عن التركيات الرائعات أيضا.

يختم بالحديث عن الاعتقال في السجن الصهيوني والترحيل من بعد ذلك، ورفض الوفد الأردني توقيع تعهد بعدم العودة إلى فلسطين، ومن ثم خضوع الصهاينة للشرط، بل خضوعهم أيضا لرفض الوفد الركوب في باصات متهالكة.

هي رحلة جميلة يمكن للقارئ أن يمضي فيها مع هذا الكتاب. رحلة تذكر بواحدة من الملاحم الجميلة التي تضاف إلى ملاحم فلسطين، لأنها كانت من أجلها ومن أجل فك الحصار عن جزء عزيز من ديارها وأبنائها، ولا شك أن الدور التركي في الرحلة من الألف إلى الياء هو ما منحها الكثير من الأهمية تبعا للتبني السياسي لقضيتها، وتبعا لما أضفاه من دلالات سياسية على عودة جزء عزيز من الأمة إلى ساحة الصراع مع العدو الصهيوني بعد غياب طويل، غياب لم يشمل المشاعر الجياشة التي حضرت دائما وعلى مدى الأيام.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك