عرض/محمد تركي الربيعو
لعل المتتبع للخطاب العربي المعاصر في العقدين الأخيرين، بات يلحظ أن هناك جيلا جديدا من الباحثين والباحثات الذين أخذوا يقدمون إسهامات رائدة في دراسة أوضاع المرأة العربية برؤية مغايرة للسائد في دراسة عالم الحريم العربي، حيث أخذ هذا الطيف الجديد يؤسس لقطيعة إبستمولوجية مع خطاب حداثوي عربي يسعى إلى ثورة كوبرنيكية من خلال استعادة طقس الولادة التنويري الغربي.

وذلك يتم من خلال تجاوز كل فخاخ الكتابة النسوية الغربية، ومن خلال عدم التعامل مع المرأة باعتبارها كائنا مهمشا أو مهضوم الحق في وقتنا الحالي كما يحلو تصويره من قبل بعض الروائيات والنسويات العربيات اللاتي ما انفككن من التعبير عن مواقف "غاضبة"، حسب تعبير المفكر العربي فهمي جدعان، وبات همهن الشاغل خلال هذه الأعوام الأخيرة محاولة الكتابة والبحث عن المثلية الجنسية، واكتشاف الشهوات وتابو البكارة بأسلوب فج ومثير للشفقة أحيانا من ناحية المعالجة المعرفية.

كما أن اللافت للانتباه في هذا الخطاب الجديد، أنه في الوقت الذي أخذ فيه المرحوم نصر حامد أبو زيد في كتابه "دوائر الخوف.. قراءة في خطاب المرأة"، محاولة اكتشاف "العفريت الإسلامي" وخطابه المأزوم تجاه المرأة.

 

- الكتاب: النساء والمال
-
المؤلف: مجموعة من الباحثين
-
عدد الصفحات: 414
-
الناشر: كتاب متخصص يصدر عن تجمع الباحثات اللبنانيات
-
الطبعة: الأولى 2010

ورغم بحثه هنا وهناك عن أي مستمسك على الإسلاميين لمحاكمتهم وإبراز عقلياتهم "القروسطية، فإنه لم يستطع رصد أو أن يقتنع أن هناك خطابا إسلاميا مغايرا أخذ يبرز وأخذت العديد من الدراسات الغربية تشير إلى منحاه الجديد.

ولعل هذا القصور في رصد التغيرات في الساحة الفكرية الإسلامية من قبل أبو زيد لا يعزى برأينا فقط إلى ذلك القصور البشري الذي يزين لصاحبه أمر التمسك بأفكاره على تقادم العهد، هو وإنما كان كذلك لعدم تنبهه إلى جدة السلوكيات المذكورة خاصة من قبل بعض "أخوات الظل واليقين" من الإسلاميات اللاتي أخذن يؤسسن لقطيعة معرفية مع كتابات المؤسسين من زعماء التيارات الإسلامية، ويبدون أكثر رحابة ونضجا فيما يتعلق بأدوات ومفاهيم الجندر.

ضمن هذا السياق لا بد أن نشير إلى أن أهم الجهود في الساحة المشرقية العربية التي لم تشهد إلى الآن مقارنة بساحتها المغربية أفول زمن "نهاية الداعية" لصالح خطاب وإرادة معرفة تتجاوز المألوف وتسعى للبحث عن إطار نظري أعمق وأشمل من مجرد المطالبة بالمساواة مع الرجل، يمكن أن يرى من خلال "تجمع الباحثات اللبنانيات" الذي أخذ يعمل في السنوات الأخيرة بهدوء وبراديكالية ثقافية من ناحية النضج الفكري وتعدد المقاربات.

ولعل الكتاب الذي نعرضه يبين هذا الأمر الذي جاء حول طبيعة وجدلية العلاقة بين "النساء والمال" ومحاولة البحث عن كيفية انعكاس تبدل الوضع المالي للنساء على شؤونهن الخاصة والعامة داخل البيت وخارجه، وبالتحديد كيفية انعكاس هذا التغيير على سلوك النساء في هذا العصر في كل مجالات الحياة.

انعكاسات سلوك النساء المالي
في الوقت التي تصر فيه بعض الدراسات على أن تملك المرأة للنقود يترتب عليه مباشرة منحها فضاء للقوة والاستقلال، يرى الدكتور أحمد أبو زيد أن فضاء القوة هذا ليس هدفا في حد ذاته، وإنما هو وسيلة لخلق فضاء آخر للعيش ولاستمرار حياة الأسرة.

بل إن فضاء العيش قد يسبق فضاء القوة في ضوء الظروف الثقافية والاقتصادية التي تعيش فيها المرأة، خاصة تلك التي تعيش في كنف صور الحداثة الاستهلاكية، ليكون المال وسيلة لاستمرار الحياة والتخفيف من عبء الحرمان ومواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة.

"
العطاء المادي يعني لها أكثر من قيمته، فإذا طلبت من زوجها مبلغا من المال يصاحب ذلك طلب آخر وعربون من الحب، فالرفض يشعرها بالذلة ويعيد إليها الإحساس بالدونية
"
وفي هذه الحالة يصبح تفسير العلاقة بين القوة والاستقلال وتملك المرأة للنقود محل مراجعة، خاصة أن القوة داخل الأسرة ليست كما يتم احتكاره.

وتوزيع نمطه في تحديد مسار الأسرة لا يتم وفقا للتحكم بالموارد فقط، ولكن يتعلق كذلك بطبيعة العلاقة بين أفراد الأسرة.

فالظروف التي تهيئ لعضو في الأسرة إدارة النقود قد ترتبط بخصائص أبعد من حيازته لها، كالسن والخبرة والشخصية بجانب دوره في توليد هذه النقود بطبيعة الحال.

مما يقودنا إلى التأكيد على أن العلاقة بين المرأة والمال هي علاقة تتداخل فيها متغيرات عديدة، وأكثر تعقيدا من الطرح المبسط المرتبط بالعلاقة بين تملك المرأة للنقود وتملكها للقوة.

ولقد حاول البروفيسور في علم النفس عدنان حب الله دراسة علاقة المرأة بالمال من خلال تقديم قراءة نفسية معمقة لأنماط العلاقة التي تقيمها النساء مع الجنس الآخر عبر وسيط المال، ودراسة عدة حالات منها بخل الرجل وتأثيره على سلوك المرأة.

فحاجة المرأة إلى من يصرف عليها بسخاء إنما يكون ليعزز من أنوثتها دون أن يشيئها، لأن المال إن دخل من باب موضوع رغبة أي نقصان لوجوده كما يحدده عالم النفس لاكان لا بد أن يأخذ مفهوم تعويض عن ضرر لحق بها سابقا وبلسما لجرح حصل لها بحكم قدريتها الجسدية.

فحاجة المرأة إلى الهدايا واللبس والتزين والتبرج هي من طبيعة أنوثتها وليست من باب التمظهر كما يتصور البعض ويحاولون تجريدها منها.

وعلى سبيل المثال إذا وقعت امرأة على زوج مصاب بآفة البخل، نرى أن النفور يحصل مهما كان موقع هذا الرجل الاجتماعي وفي أكثر الحالات يكون سببا في الطلاق.

فالعطاء المادي يعني بالنسبة لها أكثر من قيمته، فإذا طلبت من زوجها مبلغا من المال يصاحبه ذلك طلب آخر وعربون من الحب، فالرفض يشعرها بالذلة ويعيد إليها الإحساس بالدونية.

والهدايا التي يغدقها الرجل على زوجته خاصة الحلي تتفاعل في نفسيتها قيمة تعزز أنوثتها وتسدل الغطاء على موضوع النقصان.

"
المال المكتسب من قبل المهاجرات واستقلالية قراراتهن قلبا المفهوم التبادلي السابق للمال: النساء مقابل المال، وخلقا وظيفة أخرى للمال قائمة على التساوي في اللذة والتساوي في حظوظ السعي إليها، مما يسمح بصياغة علاقة مع الشريك لا تتفق مع الصيغة التقليدية
"
فالبخل لا يختزل بقيمته المادية، ولكن يحمل في طياته إنكارا لأنوثتها وشحا في حبها، وعادة يؤدي إلى أفول الرغبة والاكتئاب.

ولعل الحقل العيادي يؤكد ذلك عندما تلجأ المرأة إلى المرض أو اكتئاب تجبر الزوج على صرف ما هو حريص عليه كبديل عن شحه لأنوثتها، ويصبح في هذه الحالة المرض ملاذا يمكنها من التعايش معه، لأن المرض هو دونية بديلة في إطار واجب صرف المال.

وبالتالي فإن علاقة المرأة بالمال علاقة عضوية تدخل في إطار أنوثتها ومحاسنها.

الوضع الاقتصادي للنساء
تناولت الباحثة الاجتماعية الدكتورة دلال البزري في هذا الفصل طبيعة التغير الثقافي والاجتماعي الناتج عن العلاقة بين "العازبة المهاجرة والمال"، وذلك انطلاقا من عينة من عشر شابات لبنانيات هاجرن للعمل.

وترى البزري أن فعل هجرة العازبة من أجل العمل وكسب المال والتقدم في المهنة فعل استثنائي في تاريخنا الاجتماعي.

ولعل هجرة العازبة من هذه الزاوية فعل إخلال آخر بين الجنسين، يضاف إلى فعل كسب المال المستقل. وبالتالي هو فعل قطيعة دائمة أو مؤقتة عن مكان التوازن القديم في المجتمع، إلى مكان مجهولة توازناته أو غير مضبوطة وتيرته خاصة عندما تتم الهجرة إلى بلدان أقل أو أكثر ليبرالية.

لكن المهم أن الشابات المهاجرات رغم أنهن استطعن تحقيق أنفسهن في مجال العمل، وبدين راضيات وسعيدات بحريتهن، فإنهن عبرن عن أنهن غير مستغنيات في نهاية المطاف عن السعي إلى الاستقرار وتكوين عائلة.

لكن الصيغة التي يتمنينها للعلاقة مع هذا الشريك ترسم نموذجا لرجل هو نقيض نماذج النظام القديم تتجلى سماته في الحق الذي أصبح شبه مكتسب، ويتعلق بصفتي المساواة والندية، ويليها "التناغم" في منظومة القيم الذهنية المشتركة والأفكار المتشابهة.

وبالتالي يمكن القول إن المال المكتسب من قبل المهاجرات واستقلالية قراراتهن قلبا المفهوم التبادلي السابق للمال: النساء مقابل المال، وخلقا وظيفة أخرى للمال قائمة على التساوي في اللذة والتساوي في حظوظ السعي إليها، مما يسمح بصياغة علاقة مع الشريك لا تتفق مع الصيغة التقليدية للعلاقة بين الجنسيين، ولتؤكد العازبات بتجربتهن على نسبية الأنوثة والذكورة وعلى الفحوى الثقافي الذي يغلفها.

نساء عربيات سيدات أعمال
في هذا الفصل هناك دراسات عديدة حول دور المرأة في قيادة العديد من المؤسسات المالية والاستثمارية في عدد من البلدان العربية مثل السودان ولبنان والسعودية.

وقد حاولت الدكتورة حسن عبود مثلا أن تسلط الضوء على طبيعة التحولات الاجتماعية والهويات المتغيرة داخل المجتمع السعودي، خاصة أن هذا المجتمع بات اليوم من أكثر الساحات العربية التي تشهد حراكا ثقافيا واجتماعيا، والذي لا يزال لا يحظى بالاهتمام اللازم من مثقفينا العرب.

"
هناك دليل على أن القيود التي يتم الحديث عنها داخل المملكة السعودية لا تشمل جميع البيئات الاجتماعية في المملكة، وهي ليست ثابتة -أي لا تتغير- وليست حادة بالشكل الذي نظنه
"
ولذلك قدمت عبود -المعروف عنها في السنوات القليلة الماضية تقديمها للعديد من الدراسات الجدية فيما يتعلق بشؤون المرأة سواء من الجانب التراثي والديني والإثنوغرافي أو من ناحية التطرق للمجتمع العربي المعاصر- دراسات تعرضت فيها لمجموعة من سيدات الأعمال السعوديات الناشطات في الشركات الاستثمارية والصناعية ذوات الكفاءة العلمية العالية واللاتي تابعن تعليمهن الجامعي في أرقى الجامعات العربية والعالمية.

وذلك كمحاولة لتفنيد الرأي السائد عن صورة المرأة السعودية التي ترى أنها منسجمة مع بيئة تقيد حقوقها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

ورغم وجود قوانين وضوابط معيقة لعمل المرأة، سواء من قبل الرجل أو من قبل الأعراف المتوارثة، فإن هناك واقعا لا بد من التنبه له، وهو واقع مفاده أن الآباء والأمهات شجعوا بناتهن على التعليم وشجعوهن على إنشاء الشركات التجارية والصناعية، بل قدموا لهن فرصة الاستثمار بالرأسمال العائلي المالي والرمزي.

وهذا دليل على أن القيود التي يتم الحديث عنها داخل المملكة لا تشمل جميع البيئات الاجتماعية في المملكة، وهي ليست ثابتة -أي لا تتغير- وليست حادة بالشكل الذي نظنه.

نساء ومال في التراث والفنون
لعل في هذا الفصل ما يدل على كلامنا عن الرؤى والمقاربة الجديدة فيما يتعلق بتاريخ المرأة، خاصة في دراسة الدكتورة إلهام كلاب المتخصصة في تاريخ الفنون والآثار.

فتاريخ الأمة كما يري المؤرخ الفرنسي جاك لوغوف لم يعد هو تاريخ الجنرالات والشخصيات ذائعة الصيت، وأن كتابة التاريخ الجديد باتت تعتمد على أنواع جديدة من المصادر (مثل دفاتر العدول والتراث الشفوي والتراث المادي).

وهذا ما حاولت الدكتورة إلهام كلاب عمله من خلال تطرقها لموضوع قلما نجد فيه محاولات جدية في ساحتنا العربية وذلك من خلال البحث في تاريخ الحقيبة النسائية ودلالاتها.

وارتكزت الدراسة على ملاحقة ظهور الحقيبة في اللقى الأثرية واللوحات الفنية والصور الفوتوغرافية.

فمن ناحية التاريخ، انتقلت الحقيبة من أيدي الرجال إلى أيدي النساء، ومن جيب داخل الثوب إلى خارجه، ومن أيدي العمال إلى أيدي الموسرين.

أما من ناحية الدلالات، فبدت الحقيبة امتدادا عمليا لذراع النساء وأجسادهن. أما لجهة المفاهيم فلقد بينت الكاتبة من خلال مقاربة ميدانية مع نساء من طبقات وأعمار مختلفة، أهمية العلاقة بين الحقيبة وتماهي المرأة بها من جهة، ولكونها تمثل عالمها السري من جانب آخر.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك