عرض/ إبراهيم القديمي

في كتابه المثير للجدل يثبت المؤلف وضاح بن عبد الباري طاهر تلاشي جدلية الديني والسياسي محاولا إذابة الفوارق القائمة بينهما من خلال الاستشهاد بلسان حال رجل الدين الذي ينطق بالسلطان والسلطان المستبد الذي يحتج بالقرآن.

-الكتاب: العلماء والاستبداد
-المؤلف: وضاح بن عبد الباري طاهر
-عدد الصفحات: 252
-الناشر: دار التيسير للطباعة والنشر, صنعاء
-الطبعة: الأولى/ 2010
في مستهل كتابه يعتبر الكاتب حقبة الخلافة الراشدة العصر الذهبي لأمة الإسلام التي كان الناس في ظلها الوارف ينعمون بالعدل والإنصاف والمساواة والشورى ثم ما لبث الأمر حتى خرج نظام الحكم عن مساره لتحل مفاهيم الغلبة والفردية والظلم والاستبداد والبطش ما ترتب على ذلك انحسار هائل في مكانة هذا العالم المتفرد بدينه وثقافته وجغرافيته ومن ثم التقهقر في فاعليته بالعالم المحيط به

ولا غرو أن نجد المؤلف ينعت بعض الفقهاء القدامى والمعاصرين "علماء السوء الفاسدين" الذين هبوا لنجدة السلطان ووقفوا بجواره في خندق الاستبداد والظلم والطغيان ضد الإنسان المسلم وقضاياه العادلة وحريته وتطلعه للعيش إنسانا حرا كريما فوجدنا رجل الدين المتعصب الذي يقتل باسم الله ويدافع عن الطغاة باسم السنة النبوية ويبيح تفريق المسلمين باسم المذهب ويصدر الفتاوى الكهنوتية كتلك التي نعتت المظاهرات المناصرة لشعب غزة في حرب شتاء 2008 بالفساد في الأرض والصد عن ذكر الله وفتوى الجدار الفولاذي المناصر لليهود المميت للفلسطينيين –التي شبهته بخندق الأحزاب الذي بناه الرسول عليه الصلاة والسلام دفاعا عن المدينة - من أجل إرضاء الحاكم.

استبداد العلماء
ومن هنا جاء كتاب "العلماء والاستبداد" ليطرح العلاقة المشبوهة بين الطرفين معتمدا على الرصد التاريخي مستشهدا بوقائع كان العلماء فيها أبواقا للسلطان طمعا في المال أو الجاه أو المنصب.

بل يذهب طاهر إلى القول بأن من العلماء من تحالف –إلى جانب السلطان– مع الغزاة والمستعمرين وكانوا إلبا على أمتهم يسوسونهم بالجور ويحكمونهم بالعنف ويستبدون دونهم بالرأي والثروة والغنى والرفاهية في الوقت الذي كانت فيه الأمة الإسلامية تهوي إلى أحط دركات الفقر والمعاناة والبؤس والهوان والحرمان.

وقد استشف المؤلف إبان غوصه في قراءة كتب التاريخ والسير والتراجم وكتب العقائد والملل والنحل أن من أسباب نشوء هذه الظاهرة هي استبداد الحاكم برعيته مستدلا ببعض علماء السنة في بلاد الشام الذين ذهبوا إلى القول بعصمة خلفاء بني أمية ثم قابلهم مرجعيات الشيعة الذين أفتوا بعصمة الأئمة الاثني عشرية من أهل البيت.

"
أدت العقائد الفاسدة والصراعات بين طوائف الأمة إلى بروز التكفير والتخوين والتفسيق ظلت آجالا أضاع فيها المسلمون دهرا طويلا أفرز عصور الانحطاط والاستبداد
"

كما يسرد أسبابا أخرى لهذا التقهقر في مقدمتها تحول نظام الخلافة من الشورى إلى الملك العضوض على يد معاوية بن أبي سفيان وما رافق ذلك من ظهور البدع لأغراض السياسة.

وبحسب المؤلف فقد أدت العقائد الفاسدة والصراعات بين طوائف الأمة إلى بروز التكفير والتخوين والتفسيق ظلت آجالا أضاع فيها المسلمون دهرا طويلا أفرز عصور الانحطاط والاستبداد وبلغ الأمر أن كفر الولد والده وقطعت الأرحام وتدابر الإخوان وتقاطع الخلان واستحلت الدماء واستبيحت الأعراض نتيجة اختلاط النص بالتاريخ والنافع بالضار والصدق بالكذب والسنة بالبدعة والهدى بالضلال والعسر باليسر والشدة باللين.

تهمة الزندقة بين الدين والسياسة
ولكون التاريخ الإسلامي لم يخل من العلماء المصلحين الذين ضربوا أروع الأمثلة في الصدق والورع وعدم الهوادة في الإنكار على الحاكم حينما ينحرف عن قيم الدين والحق والعدل أمثال سلطان العلماء العز بن عبد السلام الذي أنكر على الملك الصالح إسماعيل تسليمه صفد والشقيف إلى الفرنجة وسعيد بن جبير الذي دفع حياته ثمنا لجبروت طاغية.

نجد المؤلف يتحدث في هذا المبحث عن محن تعرض لها الكثير من علماء الإسلام المخلصين على مر التاريخ بسبب مواقفهم السياسية والاختلافات المذهبية والفكرية ومقارعتهم الاستبداد ما هيج عليهم الحكومات الظالمة التي اختلقت لهم شتى التهم كالزندقة والإلحاد تمهيدا لقتلهم.

ويستشهد بحادثة الجهم بن صفوان حينما دعا للخروج على بني أمية في خطبه المنبرية وقبح أعمالهم فأرسل هشام بن عبد الملك إلى عامله في خراسان نصر بن سيار مخاطبا إياه "أما بعد فقد نجم قبلك رجل يقال له جهم من الدهرية فإن ظفرت به فاقتله" ويعلق علامة الشام جمال الدين القاسمي على الحادثة بقوله "لا يخفى أن نبز هشام لجهم بالدهرية إنما كان الهدف منه زيادة الإغراء بقتله ليكون حجة له وتمويها على العامة".

ومما يروى غضب المهدي العباسي على القاضي شريك النخعي لاختلافه في الرأي معه فادعى الخليفة أنه رأى مناما يقضي بزندقته وأنه سيقتله على ضوء ذلك".

"
القصص تقوم على إضفاء شرعية للسلطان في حال موافقته لها في العقائد والأهواء ولو ظاهرا ثم لا يضر السلطان ما فعل بعد ذلك من ارتكاب المظالم واغتصاب الحقوق"
"
كما ظل أحمد بن نصر الخزاعي حرا طليقا يشنع على بني العباس في مجالسه لامتحانهم الناس على خلق القرآن حتى خطط للخروج على الواثق العباسي وجمع للثورة فقبض عليه وأعرض الواثق عن كل ذلك وسأله عن اعتقاده في القرآن ورؤية المؤمنين لربهم في الجنة ثم قتله بتهمة الإلحاد في الدين.

ويعلق الكاتب على تلك الأحداث المؤلمة بقوله "إن القصص تقوم على إضفاء شرعية للسلطان في حال موافقته لها في العقائد والأهواء ولو ظاهرا ثم لا يضر السلطان ما فعل بعد ذلك من ارتكاب المظالم واغتصاب الحقوق".

أحلام الفقهاء والمتكلمين
ولا يقل التعصب الأعمى -الذي لازم التاريخ المديد للأمة الإسلامية منذ الخلافة الأموية حتى يومنا هذا– خطورة عن مداهنة السلطان فأحدث صراعات مريرة ونزاعات مدمرة بلغ العنف فيها مداه والقسوة منتهاها في تلك الحقب المظلمة التي لا تخلو من الطرافة والسطحية والسذاجة في نفس الوقت.

ويسرد الكاتب في هذا المبحث قصصا تعكس عنف المتعصبين ومنها ما حكاه ابن عساكر في كتابه الشهير "تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى أبي الحسن الأشعري" عن ولع بعض الحنابلة بقبر الأشعري وتخريبهم له مرارا وتكرارا.

ثم يحكي عن الشيخ أبي النجم هلال بن حسن الفقيه قوله "كنت ببغداد فقصدت زيارة الإمام أحمد بن حنبل في جماعة من أهل بغداد فلما رجعنا اجتزنا قبر الأشعري وكان في جملتنا رجل بغدادي حنبلي المذهب فتخلف عنا بعد ذهابنا عن قبره وتبول عليه ثم لحق بنا فاخبرني بذلك فكبر علي صنيعه وعاتبناه على فعلته فقال لو قدرت على عظامه لنبشتها وأحرقتها".

وفي عصرنا الحديث بلغ التعصب مداه وازدادت وتيرته في شتى مناحي الحياة حتى وصل الأمر إلى أروقة الجامعات وفي طيات أطروحات جامعية نالت من أعلام الفكر الإسلامي كالنظام شيخ الجاحظ حيث نسب إليه الدكتور محمد أحمد نوح في رسالته أنه "كان على دين البراهمة المنكرين للنبوة والبعث ويخفي ذلك وفي آخر لحظة من عمره سقط من غرفة نومه وهو سكران فمات".

وثمة رسائل أخرى مثل "الحجاج بن يوسف الثقفي المفترى عليه" حصل بها كاتبها محمود زيادة على درجة الدكتوراه في التاريخ ووصفه فيها بالرحمة والعطف والحلم وشدة التدين والورع والزهد على خلاف ما كان مشهورا عنه من الشدة والبطش وسفك الدماء، ورسالة عن يزيد بن معاوية للدكتور عبد الله البخاري قال فيها "هناك بعض الدراسات المتخصصة في شأن يزيد وما ألصق به من تهم وقد خلصت الأطروحة إلى أن أكثر الاتهامات والأفعال المنسوبة إليه أما مكذوبة أو مبالغ فيها".

وتكمن المفارقة في تلك الوقائع كونها تعكس الوجه القبيح للتعصب في التراث والواقع ففي وقت يشتد فيه المتعصب على مخالفيه ويضمر لهم الحقد والسوء تراه سلس القياد للطاغية يخضع له بالقول ويختلق له المعاذير بل ويزور لأجله الحقيقة.

ويأخذ الكاتب على هؤلاء الباحثين استنادهم إلى كتب الجرح والتعديل وذكر هذه القوادح عن الأئمة الأعلام وكأنت تلك المصادر وحي من عند الله سبحانه وتعالى وليست تجربة بشرية قد يعتريها الصواب والخطأ لا شيء إلا للتعصب البغيض.

وليت التعصب يقف عند هذا الحد لكنه يتوغل حتى يصل إلى أحلام بعض علماء القرون الوسطى التي ملئت بالتعصب ضد المبدعين والتماهي التام مع الظلمة والطغاة والمستبدين كما يذكر الكتاب.

"
يأخذ الكاتب على بعض الباحثين استنادهم إلى كتب الجرح والتعديل وذكر القوادح عن الأئمة الأعلام وكأن تلك المصادر وحي من عند الله وليست تجربة بشرية قد يعتريها الصواب والخطأ
"
وجاءت رؤى خطأت مذاهب فقهية وصوبت أخرى ورؤى نسفت المذهب الشيعي وأخرى صوبته.

ومن تلك الأحلام الطريفة ما رواه الذهبي بسنده في ميزان الاعتدال في ترجمة عمرو بن عبيد عن ثابت البناني قال رأيت عمرو بن عبيد في المنام وهو يحك آية من القرآن الكريم فقلت أما تتقي الله قال إني أبدل مكانها خيرا منها.

كما روى ابن حبان في كتابه "المجروحين" بسنده عن محمد بن عامر الطائي أنه قال: رأيت كأني واقف على درج مسجد دمشق في جماعة من الناس فخرج شيخ ملبب شيخا "ممسك بتلابيبه" وهو يقول أيها الناس إن هذا غير دين محمد قال فقلت لرجل إلى جنبي من هذين الشيخين؟ قال هذا أبو بكر الصديق ملبب أبا حنيفة.

وقفات مع العلماء
يرى الكاتب أن تعصب العلماء الكبار لآرائهم أشد وأنكي على تشكيل رأي الأمة من رأي عامة الناس ويتضح هذا من مقولة ابن حزم الأندلسي في كتابه "المحلى" بأن عبد الرحمن بن ملجم -قاتل علي رضوان الله عليه- كان مجتهدا متأولا.

وأن أبا الغادية –قاتل عمار بن ياسر- مجتهد مأجور. في حين نراه يقسو في كتبه على مخالفيه من أرباب المذاهب الفقهية والكلامية ويلعن واحدا من كبار علماء الإسلام وهو ابن فورك –أحد كبار علماء الأشعرية– بل إنه يبارك قتل ابن سبكتكين –وهو من الكرامية– لتهمة لفقها لها خصومه تزعم أنه قال إن محمدا بن عبد المطلب ليس هو رسول الله.

ويزعم الكاتب أن طغيان النقل على العقل ساعد إلى حد بعيد في خلق هذا المأزق الحقيقي الذي يعيشه المسلمون اليوم فضلل بعضهم بعضا وركنت كل طائفة إلى كل ما يروى لها عن الآخر من أحاديث خطيرة.

لكنه –رغم هذا كله– لم يفقد الأمل وطالب المعنيين بالأمر في عصرنا الحالي بإعادة قراءة التراث الإسلامي المستنير بعقل واتزان وحسن انتقاء على أيدي علماء ربانيين يتسامون بأنفسهم عن المذهبية والطائفية الفجة، مع عدم الاقتصار على ما في التراث الإسلامي والانفتاح على النافع والمفيد من ثقافة الآخر "فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها".

المصدر : الجزيرة