عرض/ زياد منى

ربما عرف كثيرون في فلسطين المحتلة المؤلف البروفسور إيلان بابيه، من خلال كتاباته ولقاءاته الأكاديمية معهم، وربما عرف البعض في خارج الوطن المؤلف من خلال ظاهرة ما سمى "المؤرخين الجدد" الذين ظهروا في "إسرائيل" في مطلع الثمانينيات، والذين عملوا على مراجعة تاريخ نشوء الدولة الصهيونية وفكرها من منظور تاريخي مختلف عما كان سائدًا حتى ذلك الحين.

لكن العالم كله عرف إيلان بابيه عبر كتابه المهم والشجاع "التطهير العرقي في فلسطين" الذي صدر في عام 2006، وترجم إلى لغات عديدة، وفيها أثبت، اعتمادًا على الوثائق الرسمية ذات العلاقة، أن طرد القوات الصهيونية الفلسطينيين من مدنهم وقراهم وأراضيهم في بلادهم في عام 1948/49 لم يكن ردة فعل آنية وإنما مخطط له مسبقًا مما جعله يصفه وعن حق بأنه "تطهير عرقي".

أثار صدور هذا الكتاب اضطرابات واسعة في العالم الأكاديمي المتخصص بالموضوع ذلك أن المؤلف "إسرائيلي" وعمل مؤرخًا في جامعة حيفا طوال 25 عامًا، وهذا الكتاب الجديد يتناول تلك القضية تحديدًا من مختلف الزوايا.

الكتاب

-الكتاب: خارج الإطار (النضال من أجل الحرية الأكاديمية في إسرائيل)
-المؤلف: إيلان بابيه
-الناشر: بلوتو برس 
الطبعة: الأولى/
 أكتوبر 2010

المؤلف ضم إضافة إلى مدخل ومقدمة وخاتمة ثمانية فصول ذات عناوين دالة على توجهات المؤلف: 1- شياطين النكبة، 2- تسليح العقل الصهيوني، 3- قضية كاتس، 4- محاكمة وبراءة، 5- معركة كتابة تاريخ عام 1948، 6- الجامعة المنزلية، 7- القشة التي قصمت ظهر البعير "لبنان وغزة، 8-حقول الموت في غزة.

كتب المؤلف في مدخل العمل أنه كثيرًا ما كان يسأل عن كيفية تحول رأيه في النظر إلى الحقائق الفلسطينية والإسرائيلية، وأنه كان يجيب، مازحًا متهربًا: إنه في حاجة إلى كتابة مؤلف عن الموضوع. وأخيرًا تبين له ضرورة إنجاز ذلك، ويضيف: إن كتابة عن الموضوع ستسمح له بالإجابة عن السؤال "هل سيتمكن أناس آخرون في "إسرائيل" من تغيير آرائهم كما حصل معه؟".

والمؤلُّف نظرة من الداخل على "إسرائيل" حيث تهيمن العقيدة الصهيونية على مختلف مناحي الحياة، تمامًا كما كانت في جنوب أفريقيا "العنصرية".

وهدف الكتاب فضح السلطة المطلقة للتلقين "الطوعي" عبر عملية طويلة ومعقدة مرّ بها المؤلف في عملية تحرره من الصهيونية.

والكتاب، بحسب المؤلف: محاولة متواضعة لتفكيك ألغاز العقيدة الصهيونية التي كان المؤلف ينظر إليها على أنها التعبير الأرقى والأصلي للإنسانية، والتي تبين له بعد خروجه منها أنها فلسفة عنصرية شريرة. كما يشدد على أن تجربته هذه مختلفة عن تجارب صهاينة سابقين آخرين يمكن فهم سبب تحررهم منها بسبب تاريخهم الشخصي، (والدا المؤلف يهوديا الديانة ألمانيا الجنسية هاجرا إلى فلسطين في ثلاثينيات القرن الماضي).

مع ذلك، المؤلف يكشف في كتابه هذا عن بنية المجتمع الصهيوني في فلسطين ونمطية تفكيره والعلاقات الداخلية التي تتحكم في كثير من مناحي الحياة فيه، ضمن موضوع الكتاب بالطبع.

الانعتاق من الفكر الصهيوني

"
يرى المؤلف أن ما حرك تحرره من العقيدة الصهيونية هو الاطلاع على حقائق ما جرى في فلسطين في عام 1948 من عملية شريرة شكلت متراسًا بينه وبين كل ما تعلمه في صغره
"
بدأ المؤلف عرض رحلة التحرر الطويلة والمعقدة من العقيدة الصهيونية بالتعامل النقدي مع فكر مؤسسها الألماني/النمساوي-اليهودي تيودور هرتزل، وتوضيح أنها فكرة استعمارية من الأساس، وضرورة النظر إليها من منظور الضحية، أي الفلسطينيين، وكيف تحول النضال ضد "إرهاب الآخر" إلى حملة تدمير شعب ووطن. ويلاحظ الكاتب أن استعمال مفردة "استعمار" بالارتباط مع هرتزل ومشروعه أمر غير مسموح به في العالم الأكاديمي الإسرائيلي، مع أنه من غير الممكن وصفها بغير ذلك، علمًا بأنه استعملها في مؤلفاته.

مع كل هذه المرجعية الفكرية يقول المؤلف إن ما حرك تحرره من العقيدة الصهيونية هو الاطلاع على حقائق ما جرى في فلسطين في عام 1948 من عملية شريرة شكلت متراسًا بينه وبين كل ما تعلمه في صغره. وللعلم، فإن إيلان بابيه خدم في الجيش وشارك، بصفته صهيونيًا متحمسًا في حرب تشرين وقاتل على جبهة الجولان، بل إنه مدد خدمته العسكرية طوعًا ستة أشهر إضافية.

البدايات
يقول الكاتب إنه في البداية كان ينظر إلى القضية الفلسطينية من المنظور الصهيوني اليساري الذي يسمح بنقد محدد لبعض جوانب العقيدة الصهيونية لكنه يدافع عن الجانب الأكبر من تصوراتها. بل ويضيف القول: إن الصهيونية ترحب بهكذا نقد لأنه يعرضها على أنها تعددية وذات وجه إنساني.

لكنه اكتشف خطأه الفادح عندما انتقل في مطلع الثمانينيات إلى أكسفورد لتقديم رسالة الدكتوراه تحت إشراف كل من الراحل ألبرت حوراني وروجر أُوِن، بعدما ظهرت تصدعات في السور الصهيوني عندما حاضر المؤرخ الإسرائيلي الصهيوني يهوشوا بورات عن التعاون الصهيوني-الهاشمي-البريطاني بهدف جعل فلسطين (التوراتية، أي: فلسطين الانتداب وشرق الأردن) صهيونية-هاشمية، والذي عرف لاحقًا بمصطلح (الخيار الأردني).

لكن ثمانينيات القرن الماضي شهدت أيضًا إفراج السلطات البريطانية عن قسم (صغير جدًا) من وثائقها الرسمية عن فلسطين والتي أوضحت مدى التنسيق والتآمر المثلث والذي قاد في نهاية المطاف إلى اغتصاب الصهاينة قسمًا من فلسطين "الانتداب" وشطب الاسم من القاموس السياسي والجغرافي ذي العلاقة لصالح "الأردن بضفتيه" و"العائلة الأردنية الواحدة" وما إلى ذلك.

"
السبب الرئيس لانعتاق المؤلف من الصهيونية كان اطلاعه على الوثائق الرسمية ذات العلاقة، وليس أي أمر آخر، ولكن من دون إهمال أهمية عوامل أخرى يتعرض لها بتفاصيل مختلفة عبر الكتاب
"
المهم في الأمر أن السبب الرئيس لانعتاق إيلان بابيه من الصهيونية كان اطلاعه على الوثائق الرسمية ذات العلاقة، وليس أي أمر آخر، ولكن من دون إهمال أهمية عوامل أخرى يتعرض لها بتفاصيل مختلفة عبر الكتاب.

هذه أيضًا مهمة لأنها تشرح سيره حتى النهاية في الانعتاق وانفصاله عما سمي "المؤرخون الجدد" ومنهم بني موريس الذي يصفه بأنه تحول إلى عنصري مسوغ لمعادة العرب أكثر من كونه مؤرخًا. وهو لا يقلل أبدًا من أهمية رحلته إلى القاهرة ومنها إلى تونس (ليست رحلة جسدية وإنما تحرر نفسي من مفاهيم وعقائد) حيث التقى بياسر عرفات وفلسطينيين آخرين، التي ساهمت في تحرره النهائي – مع أنه وقف ضد "اتفاقيات أوسلو" ويطالب بدولة علمانية موحدة مع حق العودة للفلسطينيين.

نظرة من الداخل على الداخل-الإعلام والحياة الأكاديمية
كتاب إيلان بابيه الذي يضم نحو خمسين ألف كلمة (عدد الصفحات غير معروف الآن لأنه لم يُخرج بعد) يحوي معلومات مهمة عن طبيعة المجتمع الصهيونية وبنيته السياسية ويكشف إلى حد كبير كذب ادعاءاته بأنه مجتمع ديمقراطي وأن الدولة الإسرائيلية هي "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، ويورد براهين عديدة على كيفية تعاملها مع الرأي المختلف، إن كان متعارضًا تعارضًا رئيسًا معها، ويستعين بكتابات أوري بن إليازر الذي وصف إسرائيل بأنها أمة تحمل سلاحًا، وبين مدى عسكرة المجتمع، الذي نشأ أصلاً بقوة السلاح.

والمؤلف يوضح ذلك على نحو مسهب في الفصل الثاني حيث يخصص قسمًا منه لكشف مدى تآمر وسائل الإعلام الإسرائيلية على الحقيقة وانصياعها التام للعسكر الحاكمين حيث إن وظيفتها أن تكون ناطقًا باسم العسكر وليس المراقب النقدي، وهو ما دفعه لوصف أخبار الصحافة والتلفزيون الإسرائيليين بأنهما من أكثر وسائل الإعلام في العالم تحيزًا وعصبية.. يحركهما الكراهية والخوف والجهل؛ بل إنها اختارت عن طواعية دور الناطق باسم الجيش الإسرائيلي والاستخبارات الخارجية (الموساد) والاستخبارات الداخلية (الشاباك) ووزارة الأمن الداخلي.

عسكرة الأكاديمية الإسرائيلية
كما يشدد الكاتب على أن تلك النعوت تنطبق أيضًا على العالم الأكاديمي الإسرائيلي حيث يتعرض بإسهاب إلى قضية أخرى أثارت كثيرا من الغبار، إضافة إلى محاولة محاصرته ومن ثمن إجباره على ترك فلسطين المحتلة.

ويشرح المؤلف بالتفصيل الأجواء الأكاديمية التـي فرضت عليه بعد بدئه إعادة النظر في تاريخ نشوء الكيان الصهيوني على أرض فلسطين ورفضه الرواية الرسمية مما خلق حالة عداء تجاهه اضطرته في نهاية المطاف لمغادرة فلسطين المحتلة إلى بريطانيا حيث يعمل الآن في جامعة أكستر (عندما شكا للشرطة الإسرائيلية تعرضه لتهديد الصهاينة المستمر، اقترحت عليه تغيير آرائه!!).

القضية الأخرى تعرف باسم "قضية كاتس" نسبة إلى الباحث الإسرائيلي تدي كاتس الذي تناول بالبحث قصة مستوطنة مغال حيث اكتشف أنها أقيمت على أراضي قرية زيتا الفلسطينية، بل وتبين له أن الدولة الإسرائيلية أجبرت أهل القرية الفلسطينية على مغادرة أراضيهم الخصبة كي تضمها إلى المستوطنة.

كما تعرضت رسالة الدكتوراه إلى قضية القرية الفلسطينية "الطنطورة" حيث تبين له أن القوات الصهيونية التي احتلت القرية في 22 مايو/ أيار 1948 ارتكبت مجزرة بحق سكانها ذهب ضحيتها نحو مائتي روح. وقد شنت الأوساط الصهيونية الأكاديمية والقانونية والإعلامية حملة دعائية ضد الباحث الإسرائيلي مما قاد في نهاية المطاف إلى تحطيمه نفسيًا وعلميًا وماديًا وسحب اللقب العلمي منه.

خاتمة

"
الكتاب يحوي الكثير من المعلومات التفصيلية المهمة عن تركيبة المجتمع الصهيوني، ويدحض على نحو علمي واضح خرافة الدولة الديمقراطية والديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط
"
الكتاب يحوي الكثير من المعلومات التفصيلية المهمة عن تركيبة المجتمع الصهيوني، ويدحض على نحو علمي واضح خرافة "الدولة الديمقراطية" و"الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" التي كثيرًا ما تغنى بها أصدقاء "إسرائيل" في مختلف أنحاء العالم، والتي يتخفى وراءها المطبعون من العرب الصهاينة لتسويغ انغماسهم في معاداة أمتهم وطموحاتها وانبطاحهم اللامشروط أمام المشروع الصهيوني.

وأهمية الكتاب تكمن في كون المؤلف أكاديميا وليس سياسيا، أي أن المعلومات التي وضعها في مختلف مؤلفاته ومحاضراته ليست قائمة على تحليل سياسي وإنما اعتمادًا على حقائق تاريخية موثقة. وفي حقيقة الأمر فإن كثيرا من أعدائه في داخل فلسطين المحتلة وخارجها يحاولون تجريده من تأهله العلمي ليلغوا بذلك الأسس الثابتة للحقائق التي تعامل معها في مختلف كتاباته وفي مقدمتها كتاب "التطهير العرقي في فلسطين" والذي سبق وأن عرضناه في هذه الصفحة.

لكن وقوف كثير من علماء الغرب ومؤسساته الأكاديمية إلى جانبه وتأكيد مقدراته العلمية من جهة ولفت الانتباه إلى أن الحملة الصهيونية ضده سياسية الأهداف أحبط تلك المؤامرة، وقدموا، جميعهم، بالتالي خدمة كبيرة لفهم تاريخ فلسطين الحديث وجذور القضية الفلسطينية وقضية اغتصاب فلسطين.

المصدر : الجزيرة

التعليقات