عرض / سكينة بوشلوح

شغل موضوع العلاقة بين الديني والسياسي المقدس بالمدنس الفكر كثيرا في قديم الزمان وحديثه وهو على أهميته أثار ومازال يثير جدلا على المستويين العام والخاص، ولعل اليهودية والإسلام أهم هذه الديانات التي عرضت للمسألة في كتبها المقدسة في ظل غلبة المفاهيم والتصورات التي تحاول أن تقدم الأديان جميعها في ثوب واحد وتحصر نظراتها في الجوانب الروحية المحضة للإنسان، رغم أنها قدمت للإنسانية رؤى دفعت بحضاراتها إلى درجات رفيعة أنقذتها من الخرافة ووجهتها نحو الفكر السليم والأخلاق الحميدة وهو ما يفتقده عالمنا المعاصر.

وبالتالي فإن الحاجة إليها اليوم مازالت كما كانت من قبل إن لم تكن أكثر، فهذا التوجه نحو الصدام والخراب في عالمنا المعاصر بدلا من الحوار والتفاهم، لاشك أنه سيؤدي إلى نتائج خطيرة، والتعايش مع الآخر هو البديل لذلك ولا يكون إلا بمحاولة فهمه والتحاور معه بدلا من محاولة إلغائه واحتوائه، ومن هنا جاء هذا الكتاب ليطرح إشكالية العلاقة بين الديني والسياسي معتمدا على المنهج التاريخي المقارن من جهة والاستقرائية والتحليل من جهة أخرى.

اليهودية والإسلام بين المنطلقات والمصادر
يرى الكاتب أن علاقة الديني بالسياسي مرتبطة في اليهودية والإسلام أشد الارتباط، ويتضح هذا من زوايا كثيرة، فالمصادر التي يستمد منها رجل الدين والإنسان العادي معتقداته، هي نفسها التي يستمد منها المفكر السياسي وحتى رجل السياسة مفاهيمه وأساليبه في الحكم.

ففي اليهودية يعد التناخ مصدر الأنبياء والكهنة يحوى مبادئ الدين، وقوانين العبادة المختلفة، ويحدد علاقة المؤمن بربه، وبالمؤسسة الدينية بصورة عامة، وفقا لهذا يتحدد مفهومه عن كينونته ووجوده، وهذا ما يلاحظ بالنسبة لرجل السياسة اليهودي، حيث نجده يلتمس الطريق بالعودة إلى "شريعة يهوه" واقتباس سبل الرشاد منها.

-الكتاب: الديني والسياسي في اليهودية والإسلام
-المؤلف: أ. د موسى معيرش
-
عدد الصفحات: 201
-الناشر: مؤسسة اقرأ, قسنطينة, الجزائر
الطبعة: الأولى/ 2009
وهذا الأمر لا يختلف إطلاقا عما يلاحظ في نظام الإسلام السياسي، بحيث يعود المسلم البسيط والفقيه إلى القرآن الكريم، وسنة النبي باعتبارهما المصدر الأساسي لعقيدته ومعاملاته وعبادته، كما أنه في حالة ما إذا استشكل عليه أمر من الأمور فإنه يلجأ إلى القرآن فسنة النبي ثم ما قرره المجتهدون من علماء الأمة، وهذا ما ينشده المفكر السياسي المسلم ورجل الدولة على حد سواء، إذ يأخذ هؤلاء هذه المصادر كقواعد لأحكامهم وتشريعاتهم، سواء في علاقاتهم برعيتهم أو بالشعوب والأمم الأخرى.

ومنه يمكننا القول ودون تردد إن النظام السياسي اليهودي والإسلامي، ومن ثم الدول القائمة على أساسه تنطلق من مصادر إنسانية، بمعنى أنها تستمد منطلقات من سلطة عليا هي الله، وبغض النظر عن صحتها فإن القول الفصل يعود لها بالنسبة للديني والسياسي على حد سواء.

وأما عن صحة هذه المصادر فيبدو أن القضية أصبحت واضحة، فالكتاب المقدس بأسفاره المختلفة، ورغم الادعاء التقليدي بأنه يعود لله وخصوصا للأسفار الخمسة الأولى منه، ونقصد بذلك أسفار التوراة، إلا أن الدراسات الحديثة والمعاصرة لهذا الكتاب تستبعد هذا الرأي نهائيا وتحل محله مصادر متنوعة ومختلفة بل ومتناقضة أحيانا، وهو ما لا نلاحظه على القرآن الكريم، حيث يتفق الجميع على أنه من مصدر واحد وأنه لم يتغير ولم يتبدل منذ نزوله، إلا أن هذا لا يمنعنا من القول بأنه إذا كان القرآن قد تكفل الله بحفظه، ومن ثم لم يتعرض للتبديل والتحريف خلافا للكتب السابقة، فإن السنة النبوية ورغم محاولات حفظها ونقلها إلى الناس واستحداث علوم ومناهج لذلك إلا أنها تعرضت لكثير من المحاولات الهادفة إلى التشكيك فيها، فأضيفت أحاديث لتؤيد وجهة نظر هذا، وتعارض حجة ذاك، ولكن هذا لا ينفي وجود محاولات جادة لنزع ما يعرف بالإسرائيليات بصورة خاصة، كما أن المسلمين أيضا يعتمدون على اجتهادات علمائهم وفقهائهم.

وقد وضح الكاتب الاختلاف في جوانب شكلية أخرى تصل في العديد منها إلى درجة التناقض، فبالعودة إلى المصدرين الأساسيين لليهودية والإسلام، ونقصد بذلك التوراة والقرآن يبرز الاختلاف فيما يتعلق بالأصول التي اعتمد عليها في تدوين التوراة، فإلى وقت قريب كان الاعتقاد السائد أنها صادرة مباشرة عن الله إلا أن مفكري عصر النهضة وفلاسفتها ومن قبلهم فلاسفة المسلمين أقروا بتعدد أصولها وأرجعوها إلى غير الله، وأن هناك فارقا كبيرا بين ما أنزل من الله وما هو موجود حاليا.

وهذا ما لا نجده عند المسلمين، فالكتاب الموجود عندهم حاليا هو ذلك الذي كان عند محمد (صلى الله عليه وسلم) في حياته، وإذا كانت هناك نسخ متعددة للتوراة عبرية وسامرية، وثالثة سبعينية، فالقرآن الكريم نسخة واحدة بين الشيعة والسنة، وباختصار فإن هناك قرآنا واحدا لدى المسلمين جميعا، وإذا كان بعض المستشرقين يرجعونه إلى محمد إلا أنهم يؤكدون على وحدانية المصدر أيضا.

كما يلاحظ أن اليهودية لم تضبط مصادرها في الزمان والمكان وإنما استمر بناء هذه المصادر في فترات زمنية عديدة كما أنها تغطي أحداثا لا ترتبط بمكان محدد، فبعض الأسفار تتحدث عن الشعب الإسرائيلي في أرض فلسطين وبعضها الآخر يتحدث عنه في أرض مصر وثالثة تتحدث عنه في أرض بابل وهكذا، ورغم هذا فإن أحكام هذه المصادر عموما محددة الزمان والمكان. خلافا للمصادر الإسلامية التي تحصر الحديث عن فترة زمنية محددة في المكان والزمان، إذ أن أحداث القرآن والسنة النبوية في عمومياتها لا تتعدى فترة النبوة ولا تخرج عن حدود جزيرة العرب، إلا أن أحكام هذين المصدرين يتعديان المكان والزمان.

"
بالعودة إلى المصدرين الأساسيين لليهودية والإسلام، ونقصد بذلك التوراة والقرآن، يبرز الاختلاف فيما يتعلق بالأصول التي اعتمد عليها في تدوين التوراة, فهناك فارق كبير بين ما أنزل من الله وما هو موجود حاليا, أما القرآن فيتميز بأحادية المصدر
"
وبالنظر للمصادر اليهودية المختلفة التي تعد أساس الفكر السياسي والديني، وهي في عمومياتها تقدم المبادئ الأولوية التي يقوم عليها نظام اليهودية بصورة عامة، فهي لم تدون في فترة زمنية محددة بدقة وإنما استمر تدوينها مئات بل آلاف السنين، كما نجد فيها العديد من نقاط الاختلاف والتناقض، فهي تمجد الشخص لدرجة القداسة لتضعه فيما بعد في أدنى درجات الإنسانية.

كما يلاحظ على هذه المصادر احتواؤها على كثير من السير وقليل من الأحكام، وهذا نتيجة تتبعها لحياة الشعب الإسرائيلي في انتصاراته وانتكاساته، كما تعمل هذه المصادر على تبرير سلوكياته وأفعاله هذه وتلك تبريرا دينيا لا يخضع لسن العلة والمعلول وإنما يكتفي بالحديث عن تدخل القوى الإلهية وحسب، فحتى من حيث التسمية فاليهودية تعود إلى أحد أبناء يعقوب الملقب بيهودا، في حين أن الإسلام لا ينسب لمحمد بل ولا ينسب للعرب وإنما ينسب لفكرة معناها الخضوع والاستسلام.

ومن هنا يصل الكاتب إلى القول بأن اليهودية والإسلام رغم امتلاكهما لمصادر تبدو في البداية متشابهة إلا أن الاختلاف هو الطابع الغالب بينهما.

الإلوهية والنبوة بين الدين والسياسة
يرى الكاتب أن التصورات التي تقدمها كل من اليهودية والإسلام للكون والإنسان نجدها تنطلق من أن هذا الكون لم يأت هكذا، ولم يظهر من تلقاء نفسه، كما أن الإنسان لم يأت من كواكب أخرى ولم يتطور عن خلايا بسيطة وإنما خلقه الله، كما أن هذا التصور يقرر أن الإله لا يقف بعيدا عن الإنسان فهو يهتم بقضاياه بل ويشاركه أفراحه وأحزانه في اليهودية، بينما يستجيب لدعوات المسلم المظلوم ويتقبل دعوته وصلواته.

ويلاحظ أن الإنسان في هذا التصور يسعى لغاية وأنه لم يخلق هكذا دون هدف، وإن كان في اليهودية هناك تفوق لجماعات عرقية على غيرها، في حين أن التفوق في الإسلام لا يكون إلا على أساس الإيمان والعمل وهو بهذا يربط التصور بالواقع المثالي العملي.

ومع هذا هناك توافق على أن الإنسان هو صاحب السيادة في الكون على الأشياء والمخلوقات الأخرى، ولكن هذا لا يعني الخلود وإنما مآله الزوال، ولا يقصد به الفناء وإنما الانتقال من حياة الشقاء والعذاب إلى حياة النعيم أو الجحيم، وإذا كانت العاقبة في نظام اليهودية السياسي للمتغلب اليهودي فإنها في الإسلام للمؤمن العامل.

"
هناك توافق على أن الإنسان هو صاحب السيادة في الكون على الأشياء والمخلوقات الأخرى، لكن ذلك لا يعني الخلود ولا بد من الانتقال للآخرة، وإذا كانت العاقبة في نظام اليهودية السياسي للمتغلب اليهودي فإنها في الإسلام للمؤمن العامل
"
وبهذا فإن الإله لم يكتف بالخلق وإنما تعدى ذلك إلى كونه المالك الوحيد في هذا الكون. صحيح أن اليهودية تذهب إلى أن ما خلقه الله يعود لأتباعها دون غيرهم من البشر، إلا أنها تقر أن مالك الملك الحقيقي هو الله، وهو ما نجده في نظام الإسلام السياسي والديني الذي يجعل الله المالك الوحيد.

وأشار المؤلف هنا إلى أن المالك لم يكتف بالاستحواذ على ما خلق وإنما هو صاحب الحق في التشريع ووضع القوانين أيضا، وهو ما نجده في وصايا الرب لموسى فيما عرف بالوصايا العشر أو في أسفار الشريعة المختلفة، ونلاحظه في النصوص القرآنية المتعددة التي تدعو صراحة إلى الاحتكام إلى تشريعات الإله والرضا بالقرارات التي يصدرها الرسول، والتي لابد من عدم التمييز فيها بين الجوانب المتعلقة بالسياسة أو تلك المتعلقة بالعقيدة.

وهو ما دفع بعض التيارات في الفكر السياسي الإسلامي واليهودي إلى أن ترجع كل شيء إلى الله. إلا أن الكاتب أظهر التناقض والغموض الذي يحيط بعلاقة اليهود بصورة خاصة بالإله الذي يعبدونه، فشقاؤهم وانتصاراتهم مرتبطة به، حيث في الوقت الذي تدعو فيه اليهودية إلى التوحيد وتؤكد ذلك في مصادرها التقليدية وتبين أن التعدد يغضب الرب، إلا أن هذا لم يمنع أتباعها من التخلي عن إلههم مما جعل هذا الأخير يتخلى عنهم ويسلط عليهم العذاب.

ولعل هذا التمرد يعني الكثير فهو لا يعني أن اليهود تخلوا عن عبادة "يهوه" فقط وإنما يقصد أيضا التمرد على سلطته وأحكامه وشرائعه، ولهذا نجد أتباع هذا الدين في الفترة التي يعبدون فيها آلهة أخرى غير يهوه يكونون في الغالب تحت سيطرة سلطات سياسية غير يهودية أو متحالفين معها.

والملاحظ أيضا أن الإله في أسفار التناخ يسير في اتجاه لا يفرق بين الدين والسياسة، فهو لا يفرق بين خلق الإنسان والكون ووضع الشرائع والقوانين، ولا بين وضعه للقوانين العشرة ليلتزم بها أتباعه أو تحريرهم من الاستعباد والظلم بإخراجهم من مصر مثلا. وتارة يلاحظ على هذا الإله العطف عليهم فيباركهم ويهتم بهم وأخرى يلعنهم ويسلط عليهم عذابه، وكأننا أمام ملك ورعيته يغضب نتيجة تمرد فيعاقب، ويجازي بعد خضوع واستقامة.

أما في نظام الإسلام السياسي فالتوحيد أكثر وضوحا، رغم اختلاف فرق وأحزاب سياسية في قضايا مختلفة، فإننا لم نجد ما يطعن في التوحيد أو يشكك فيه، كما نجد ارتباط التوحيد بالحاكمية: فالله الواحد الذي يمتلك السلطة العليا والقوانين التي يصدرها أو بالأحرى التي أوردها القرآن الكريم تكتسب صفة القداسة والمصدرية، وبهذا لابد من اتباع أحكامه ووصاياه.

كما استخلص المؤلف ارتباطا آخر بين الديني والسياسي، وهذه المرة في مسألة تبدو للوهلة الأولى دينية خالصة، ولكن من خلال الممارسة بل ومن خلال المقدس، نجد أن الأمر ليس كذلك وإنما هناك ارتباط بين الدورين بل تكامل بينهما، فالنبي اليهودي لم يأت ليقيم الذبائح ويقدم القرابين فقط بل وليمسح الملوك ويعينهم، يعارضهم في قضايا السياسة وينتقد تحالفاتهم السياسية ويبرز خطورتها، فهو مستشار للملك في الأحيان التي لا يكون فيها ملكا ومعارضا سياسيا في الوقت الذي لا تمتنع فيه تعاليمه بالقبول، أو في الفترة التي يسمح فيها الحكام بعبادات أخرى.

"
هناك ارتباط بين الديني والسياسي، بين المقدس والمدنس, المعقول باللامعقول، صحيح أن هناك خلافا بين اليهودية والإسلام في صفات الأنبياء ومكانتهم لكن لا خلاف أصلا فيما يتعلق بدورهم
"
أما في الإسلام فالأمر لا يختلف كثيرا، فمحمد صلى الله عليه وسلم تولى سلطته السياسية بعد أن يبايعه الناس على السمع والطاعة وتولى سلطته الدينية بعد أن جاءه الوحي، ولم يدر بخلد أحد من المسلمين أو من المفكرين للقول بضرورة تعيين حاكم ليشرف على شؤون الناس السياسية ويكتفي "محمد" بالأمور المتعلقة بالعبادات والعقيدة. ثم إن القرآن يؤكد على ضرورة فصل الرسول في قضايا الناس الخاصة ولهذا نجده يقوم بوظائف رجل الدولة كاملة. كما نجد مفكري الإسلام وعلماءه يستمدون نظرياتهم وحججهم من سنة النبي الفعلية أو التقريرية أو القولية، ولا يختلف في هذا سنة أو شيعة، خوارج أو مرجئة، سلطة أو معارضة، حكام أو محكومون.

وهكذا يتحقق ارتباط الديني بالسياسي، المقدس بالمدنس المعقول باللامعقول، صحيح أن هناك خلافا بين اليهودية والإسلام في صفات الأنبياء ومكانتهم لكن لا خلاف أصلا فيما يتعلق بدورهم.

ومما سبق يمكن القول إن اليهودية والإسلام ارتبط فيهما الديني بالسياسي وبالتالي المقدس بالمدنس لدرجة لا يمكن الفصل فيها بل انتفى مجرد الحديث عن الفصل بينها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك