عرض/ ياسر باعامر

توصل مؤلف الكتاب الدكتور محمد عبد الله السلومي، في كتابه الذي يعد مرجعية علمية في محور الدراسات الاجتماعية، إلى أن القطاع الثالث - المنظمات غير الحكومية، وغير الربحية، ومؤسسات المجتمع الأهلي والمدني- يعد شريكا أساسياً في جميع عمليات التنمية ومكملاً نقص خدمات القطاع العام (الأول)، والقطاع الخاص (الثاني) للدول الحديثة.

ولا يتوقف عند ذلك بل يعد هذا القطاع بمؤسساته المذكوره ركنا من أركان الدولة الحديثة يُقوِّي الفكرة الرئيسة التي تقوم عليها تلك الدولة سواء كانت فكرة دينية أم مدنية، والقطاع بهذا الواقع الإداري يزرع مشاعر الولاء الوطني، ويزيد من الانتماء الحقيقي للوطن، كما يحافظ على وحدته التي قام عليها، وبالتالي تتعزز السيادة الوطنية بكل صورها الداخلية والخارجية.

 

-الكتاب: القطاع الثالث والفرص السانحة "رؤية مستقبلية"
-المؤلف: د. محمد عبد الله السلومي
-تقديم: البروفيسور أكمل الدين إحسان أوغلو الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي
-عدد الصفحات: 320 
-الناشر: مركز القطاع الثالث, السعودية
-الطبعة: الأولى/ 2010

ويتناول الكتاب -الذي يعد أول مؤلف في المكتبة العربية يصف العمل الخيري والاجتماعي بـ"القطاع الثالث" في لمحة تاريخية وإحصائية- دور القطاع الثالث في التنمية ويخلص إلى نتائج مهمة تعالج عددا من القضايا الخاصة بالتنمية.

الكتاب بحسب بعض المراقبين يعد من أهم الدراسات الحديثة في مسار تفعيل دور القطاع الثالث في التنمية ورقي المجتمعات لما يحمله من رؤى وأفكار جديدة.

ووفقاً للمؤلف فإن القطاع الثالث، يستطيع أن يقوم بدور النفوذ والتمدد السياسي، لخدمة الأجندة الوطنية، وذلك من خلال أذرعته المؤسساتية العاملة في الداخل أو الخارج، حيث تشكل تلك المؤسسات، قوة إدارية وسياسية لأية دولة، حيث تعد الأذرع الخارجية (المراكز الثقافية والدينية الخارجية)، من أهم أدوات القوة الخارجية لدولها، وتنعكس إيجابياً على القوة الداخلية لها، كما تستطيع الدول من خلالها تسويق أيديولوجياتها.

وبقدر ما ترتبط مؤسسات ومنظمات القطاع الثالث بالأيديولوجية الرئيسة لدولها وتكون جزءاً من إستراتيجيتها -كما هو حال دول الشمال- تكون القوة الداخلية والخارجية، وبقدر ما تضعف تلك الرابطة أو تغيب تصبح مؤسسات القطاع الثالث معول هدم لإضعاف الحكومة والدولة، ومدخلاً خارجياً أو داخلياً لإضعاف الفكر والثقافة واللغة وأنماط الحياة الاجتماعية، ليكون الإجهاز على الوحدة الوطنية هو الخطوة التالية.

ويعتبر كل ما سبق مؤكداً لفلسفة التقوِّي الوطني بمؤسسات القطاع الثالث بأذرعتها الخارجية، ويدعم المؤلف نتائجه هذه بواقع مؤسسات القطاع الثالث الغربي وما حققته من إنجازات داخلية وخارجية.

الشراكة والاستقلالية
يحث المؤلف صناع القرار على محوري الخارطتين العربية والإسلامية، على العمل بسياسة القطاعات الثلاثة للدولة، والتي يبرزها في عدد من المحددات:

* أن يكون قطاعاً من حيث القوة والشمول والعدد بمرجعية مستقلة (مفوضية، أوهيئة عليا أهلية).

* أن يكون قطاعاً ثالثاً كموقع إداري شريك في جميع عمليات التنمية للقطاعين العام والخاص (مستشفيات، جامعات..).

* أن يكون مستقلاً عن القطاع الحكومي والأحزاب السياسية (مرتبط بدستور الدولة وأساسها الديني أو المدني الذي قامت عليه الدولة، أية دولة).

* أن يتمتع بجميع حقوقه المادية (أوقاف، زكاة، فعاليات التبرعات، ضرائب) باختلاف بين الدول.

* خدماته مجانية أو غير ربحية حسب نوع النشاط وقيمته.

بين الغرب والشرق

"
ستزيد المخاطر على الاقتصاديات المحلية والطبقة الوسطى تحديداً، حينما تستورد دول العالم العربي الليبرالية الاقتصادية (الأسواق الحرة) ولا تستورد أو تعمل بالمنظومة الإدارية المرتبطة بتلك الرأسمالية
"
إلا أن المؤلف وفي ثنايا سطور كتابه يحاول الاستدلال في لمحة مقارنة تكررت في أكثر من محور بالكتاب إلى ضرورة استدعاء تجربة القطاع الثالث الغربية، ويأتي ذلك في سياق التحذير من ازدياد المخاطر على الاقتصاديات المحلية والطبقة الوسطى تحديداً، حينما تستورد دول العالم العربي الليبرالية الاقتصادية (الأسواق الحرة) ولا تستورد أو تعمل بالمنظومة الإدارية المرتبطة بتلك الرأسمالية، حيث القطاع الثالث في الغرب كقطاع خدمي خيري أو غير ربحي يوطن الموارد الاقتصادية المحلية، ويحولها في قطاع الخدمات، فالغرب الرأسمالي يعمل بالقطاع الثالث كمضاد حيوي لتلك الرأسمالية الاقتصادية المتوحشة التي تجاوز تقديسها الاقتصاد إلى شراء واستثمار قطاع الخدمات العامة من القطاع العام (الحكومة) مما أضعف الدور السيادي للحكومات والولاء الشعبي لها.

مكونات القطاع
يشير المؤلف إلى عدد من مكونات القطاع الثالث، إلا أنه يركز على أهم مكون مراكز الأبحاث والدراسات المستقلة عن الحكومات والتابعة للقطاع الثالث. وهذه المراكز لها جهود عظيمة في مسيرة الإصلاح في جميع قطاعات الدولة. مثل: ( مؤسسة راند البحثية الأميركية)، النشطة في التوجيه العلمي السديد للحكومة الأميركية، بالنقد البناء ودراسات الإصلاح، ولذا تنفق الدول الغربية مليارات الدولارات على مراكز الأبحاث. ( تنفق الولايات المتحدة ما يقرب من 180 مليار دولار على البحث العلمي سنوياً).

العولمة الأدوار العالمية
يتطرق المؤلف في الفصل الثاني -الذي جاء تحت عنوان (القطاع الثالث والأهمية الإستراتيجية للعالم العربي والإسلامي)- إلى أن العولمة بما تحمله من نظم تجارة حرة، وانفتاح اقتصادي واجتماعي ووسائل تقنية متنوعة، تحمل في طياتها إيجابيات ضخمة، كما تحمل جوانب سلبية تُمرر عبر أجندات مبرمجة ومعدٍ لها خاصة الأدوار العالمية للمنظمات الدولية من خلال التدخل في الشؤون الداخلية للدول تحت مزاعم التمويل الأجنبي بالمساعدات والمنح، أو نشر ثقافة الحرية الفكرية الغربية، مما يترتب عليه التمرد على القيم الأخلاقية، وما يتبعه من ضياع للأسرة أو تفكيك لها، وغير ذلك مما أصبح الآن واقعاً ملموساً.

وبالتالي كان لزاما –كما يري المؤلف- أن تعمل الأمة باستثمار إيجابيات العولمة من خلال دعم مؤسسات القطاع الثالث الوطنية لتضطلع الشعوب بالمسؤولية، وتستثمر تقنيات العولمة في دفع الفقر والظلم، واقتناص الفرص الإيجابية، قبل أن تسبقها المؤسسات أو المنظمات عابرة الحدود، تنشر الثقافة المستوردة وتدعمها وتتدخل في شؤون الدول الداخلية، ولا يخفى ما ستجره تلك الثقافة والتدخلات من ويلات وفساد في شتى الميادين، والوقاية خير من العلاج.

وفي سياق متصل بمحور العولمة يطرح المؤلف بعض إفرازات العولمة وما عمله العالم الغربي على توجيه سهامه نحو الإسلام، بالطعن تارة، وتشويه تعاليمه ورموزه تارة أخرى، بل وصل الأمر إلى الإساءة إلى خير البشر عليه الصلاة والسلام.

"
الانفجار الضخم من التحديات المتنوعة والشاملة دينياً وسياسياً وعسكرياً واقتصادياً من الغرب يضع على عاتق جميع الحكومات العربية والإسلامية مسؤولية دعم مؤسسات القطاع الثالث معنوياً وإدارياً ومادياً
"
وكان هذا التعصب الديني نابعاً من قبل النخب الدينية ( فرانكلين/ جيري فالويل... (نماذج) أو السياسية ( دبليو بوش،.. )، متحججين بنشر ثقافة الحرية والديمقراطية، وأن تعاليم الإسلام تشكل خطرا على مبادئ الديمقراطية، وديمقراطية السوق، فكان لا بد من دعم العمل الجاد بإستراتيجيات مستقلة عن مؤسسات القطاع الحكومي في دراسة هذه الظواهر، بل وإنشاء المراكز المتخصصة بدراسة الغرب، ومد الجسور مع أنصار الحقيقة والعدل منهم.

وهذا يؤكد ضرورة تنمية برامج وأعمال مؤسسات القطاع الثالث الإسلامي المرشحة لمواجهة هذا العدوان بكل أنواع المقاومة العلمية والإعلامية والدعوية، لأن هذا الانفجار الضخم من التحديات المتنوعة والشاملة دينياً وسياسياً وعسكرياً واقتصادياً، يضع على عاتق جميع الحكومات العربية والإسلامية مسؤولية دعم مؤسسات القطاع الثالث معنوياً وإدارياً ومادياً.

الآفاق المستقبلية
يؤكد المؤلف في الفصل الخامس "مستقبل القطاع الثالث" نمو ظاهرة الرجوع إلى الأديان عالمياً -الإسلامية وغيرها- على مستوى العالم، والتي تعتبر محركاً سياسياً قوياً لبعض الدول، ولا شك أن الدين عامل تنمية وتقوية لمؤسسات القطاع الثالث على مستوى العالم.

والمؤلف يشير إلى أن بعض القوى السياسية والحكومية تنظر إلى القطاع الثالث نظرة (المصارع الجديد)، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، وبالتالي ستسعى هذه القوى إلى تقليص جهود مؤسسات هذا القطاع، والحد من نشاطها وبرامجها، وإضعافها وتهميشها، لكن المؤلف يؤكد أن هذه النظرة ستولد رد فعل عند معظم الحكومات الوطنية، إضافة إلى رد فعل منسوبي هذا القطاع ومؤسساته وهذا ما يقود إلى نجاحه.

ويرى الباحث في هذه الرؤية أنه لكي تتوازن المدخلات والمخرجات عند أصحاب رؤوس الأموال الضخمة، فإنه لا بد من وعاء استيعابي للمخرجات من خلال البذل والعطاء لصالح العمل الخيري، كأوقاف وتبرعات وإعانات -باختلاف في الدوافع الدينية والإنسانية لدى البشرية- وهذا ما ينمو عند الأثرياء والشركات بشكل واضح، حيث عمد الأثرياء إلى افتتاح مؤسسات مانحة متخصصة بالأعمال الخيرية والإنسانية كمُخْرج رئيسي للمدخلات الضخمة (مؤسسة بيل غيتس وزوجته ميلندا، وارن بافت، مؤسسة سليمان الراجحي الخيرية).

"
لكي تتوازن المدخلات والمخرجات عند أصحاب رؤوس الأموال الضخمة، فإنه لا بد من وعاء استيعابي للمخرجات من خلال البذل والعطاء لصالح العمل الخيري، حيث عمد الأثرياء إلى افتتاح مؤسسات مانحة متخصصة بالأعمال الخيرية والإنسانية كمُخْرج رئيسي للمدخلات الضخمة
"

كما أن الشركات والبنوك أصبحت تسعى عالميا نحو تحسين السلوك بتحملها بعض المسؤوليات الاجتماعية تجاه مجتمعاتها، (منتدى المسؤولية الاجتماعية للشركات/ الأردن).

ويضيف المؤلف حزمة مشكلات ستساهم في مستقبل القطاع الثالث وهي أن الحروب الاستباقية أضافت مشكلات أخرى في زيادة أعداد اللاجئين والمهاجرين، إضافة إلى عدم التزام كثير من الدول بمسؤولياتها تجاه الفقر والبطالة والكوارث، وعدم وفاء بعضها الآخر بالالتزامات الإغاثية للكوارث والحروب، وعجزها عن معالجة الحالات المرضية المتزايدة على المستوى العالمي، وازدياد الفجوات في دخل الفرد بين دول الشمال والجنوب، وضعف مستوى العدالة الدولية، وغيرها من التجاوزات، كل ذلك يعتبر عوامل دافعة للشعوب للبحث عن وسائل لتحقيق العدالة والسلام وحقوق الإنسان والبيئة، والملاحظ أن الشعوب العالمية تجد بغيتها لتحقيق ما سبق من خلال إنشاء المنظمات والمؤسسات المستقلة التي تأخذ على عاتقها بعض جوانب العلاج والتنمية.

المصدر : الجزيرة

التعليقات