عرض / نبيل شبيب

روبريخت بولنس من قيادات حزب المسيحيين الديمقراطيين، الذي ترأسه حاليا المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وهو في الوقت الحاضر رئيس لجنة الشؤون الخارجية في المجلس النيابي الاتحادي، وعضو في أكثر من لجنة حزبية، كلجنة الشؤون الإعلامية، ويعتبر من خبراء الحزب في شؤون تركيا وإيران، بالإضافة إلى البعد السياسي للإسلام، ويرأس مؤسسة السلام المسيحية الإسلامية، فلا يستهان بموقفه السياسي بشأن عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي، متجاوزا بذلك الموقف الرسمي المعارض من جانب الحزب الذي ينتمي إليه، وهي معارضة قديمة، ولم يعد خافيا أن السبب الحاسم هو انتماء غالبية السكان الأتراك إلى الإسلام.

وكانت الرابطة الأوروبية للأحزاب المسيحية اليمينية المحافظة قد أعلنت ذلك صراحة قبل زهاء ربع قرن، ولا تزال ألمانيا بالذات في مقدّمة معارضي عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي، وأهم ما يؤكده بولنس في كتابه أن هذه العضوية إذا تحققت تعطي إشارة واضحة لتركيا وللبلدان الإسلامية أن ما يتبناه الاتحاد على صعيد الديمقراطية ودولة القانون وحقوق الإنسان يتوافق مع الإسلام.

لغة المخاوف ولغة المصالح

-الكتاب: أفضل للطرفين.. ضرورة عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي
-الكاتب: روبريخت بولنس
-عدد الصفحات: 110
-الناشر: روجر دي فيك, وقفية كوربر-كولونيا
-الطبعة: الأولى مايو2010م

يكتسب هذا الكتاب على صغر حجمه أهمية خاصة دفعت وسائل الإعلام إلى متابعته ونشر عدد من المقابلات الإعلامية مع كاتبه حول مضمونه، وزاد من تلك الأهمية صدور الكتاب مواكبا لأحداث وضعت تركيا في صدارة الاهتمام أوروبيا وإسلاميا، فقد حملت مقدمة المؤلف تاريخ أبريل/ نيسان 2010م، إذ صدر كتابه قبل أيام معدودة من حادثة العدوان الإسرائيلي على "أسطول الحرية"، فنزل إلى المكتبات أثناء التداعيات الكبيرة التالية للهجوم، وازدياد المخاوف الغربية عموما من استكمال طريق تركيا في اتجاه العالم العربي والإسلامي بديلا عن الغربي وليس في موازاة علاقاتها الوثيقة معه فحسب.

وينوه الناشر روجر دي فيك في تقديمه للكتاب إلى الحجة الأساسية في موقف بولنس، وهي وجوب أن يعمل الاتحاد الأوروبي على صياغة الوضع الدولي في القرن الميلادي الحادي والعشرين، ومن ذلك تأكيد "عالمية" القيم التي ينطلق منها منذ الثورة الفرنسية، بدلا من حصرها في نطاق "أوروبا".

ويضم العنوان عبارتين، أولاهما: "أفضل للطرفين" التي جعلها المؤلف عنوانا لمقدمته أيضا، والثانية: "ضرورة عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي" وقد جعلها عنوانا للخاتمة، وأورد بينهما حججه في الفصول القصيرة الثمانية للكتاب، منطلقا من استشهاداته بحجج معارضي انضمام تركيا إلى الاتحاد، فناقش في الفصل الأول الأثر التاريخي للتخوف الأوروبي من الأتراك عندما وصلوا إلى أبواب فيينا في العهد العثماني، وفي الفصل الثاني إشكالية ربط العضوية في الاتحاد بمسألة "الاندماج" المطروحة أوروبيا بقوة على صعيد المسلمين المتزايد عددهم في بلدان الاتحاد، ولا سيما الأتراك منهم، لينتقل في الفصل الثالث إلى المخاوف الشعبية التي تعبر عنها (أو تضاعفها) وسائل الإعلام، ثم تناول في الفصل الرابع حجة الخوف من التوسع الجغرافي الأوروبي، وهي المشكلة المطروحة منذ نشأته، وقد توسع باستمرار رغم ذلك.

أما الفصول الأربعة التالية فتطرح تعليل موقف المؤلف، بادئا بما حققته تركيا من تغييرات داخلية على ضوء التقرير الرسمي لتقدم مفاوضات الانضمام من عام 2009م، ومتحدثا عن إشكالية العلاقة بين الدين والدولة، ليؤكد الصياغة الجديدة التي يتبناها بشأن الانسجام ما بين الديمقراطية بصبغتها الغربية وبين الإسلام، ثم يطرح الزاوية المصلحية الكامنة في تنامي حجم السوق الاقتصادي التركي بقوة ملموسة، وليعتبر أخيرا أن وصول الحدود الأوروبية إلى حدود تركيا مع جيرانها يعني ازدياد نفوذ الاتحاد الأوروبي نفسه.

يسعى بولنس بذلك لدحض حجج المعارضين على محورين اثنين، أحدهما القائل بوجود اختلاف ثقافي على أساس ديني، وثانيهما الحرص على فعالية الاتحاد الأوروبي في صناعة قراراته، مبينا أن المعارضين ينطلقون من مواقف مبدئية، وليس من تحليل سياسي قويم للإيجابيات والسلبيات، فانضمام تركيا يحقق لها استقرارا أكبر للديمقراطية فيها، ويدعم وضعها الاقتصادي، ودورها الإقليمي، وبالمقابل يكتسب الاتحاد الأوروبي من وراء الانضمام استقرارا أكبر على صعيد تأمين طرق إمداداته بالطاقة إليه، مع توسيع نطاق تأثيره على الأوضاع في المنطقة العربية والإسلامية المجاورة، كما أن تركيا نفسها تتحول إلى نموذج للبلدان الإسلامية بتثبيت دولة القانون والنظام الديمقراطي.

الجذور الإسلامية الأوروبية

"
يتناقض رفض تركيا بسبب "إسلامها" كما يقول المؤلف مع حديث الاتحاد الأوروبي عن "عالمية" قيمه، ثم لا ينبغي تجاهل أن الجذور الثقافية الأوروبية تعود إلى المسيحية واليهودية والإسلام
"
ينكر بولنس سلامة استمرار اعتبار التاريخ العثماني كابوسا يؤثر على الموقف من تركيا حاليا، فمع مرور الزمن يعي الأوروبيون أن المسيحيين لم يتمتعوا بالمساواة تماما مع المسلمين في العهد العثماني، ولكن لم يفقدوا كثيرا من حقوقهم وحرياتهم.

كما يعتبر رفض الانضمام بحجة الاختلاف الثقافي "إدانة" للاتحاد الأوروبي نفسه، مشيرا إلى وجود اختلاف ثقافي بين عدد من دول الاتحاد مثل السويد وبلغاريا أو ألمانيا وبولندا، فضلا عن تعدد اللغات فيه، ومن المفروض تجاوز عقلية تجزئة الأسرة البشرية على أسس قومية ودينية، فهذا ما يسبب النزاعات بدلا من التغلب عليها، رغم دعوة سائر الأديان إلى السلام على صعيد الجنس البشري.

ويتناقض رفض تركيا بسبب "إسلامها" –كما يقول- مع حديث الاتحاد الأوروبي عن "عالمية" قيمه، ثم لا ينبغي تجاهل أن الجذور المسيحية الأوروبية تعود إلى أرض تركيا نفسها في العهد البيزنطي، إضافة إلى الجذور الإسلامية في أوروبا نفسها، وليس في إسبانيا فقط، وهنا يؤكد المؤلف أن من يتحدث عن جذور ثقافية أوروبية من منطلق ديني ينبغي عليه بيان أنها جذور مسيحية ويهودية وإسلامية.

على أن الكاتب يميز بين أصولية إسلامية يعتبر طالبان نموذجا لها ويعرفها على محور الربط بين الدين والدولة وبين غالبية المسلمين الذين لا يرون ذلك بالضرورة، وإن اعتمد في قول ذلك على مصادر غربية في تحليل أوضاع العالم الإسلامي اليوم، ويضيف أنه لا ينبغي ابتداءً اعتبار الدين سببا في الموقف من انضمام تركيا، ما دام غير مذكور أصلا في "شروط كوبنهاغن" المفصلة حول ذلك.

مستقبل الخارطة السكانية
من منطلق الموقف من الإسلام أيضا تؤثر المخاوف من غلبة الوجود الإسلامي في أوروبا على التميز الأوروبي وقد أصبحت عقبة في طريق "الاندماج"، إنما ينفي الكاتب احتمال تدفق الأتراك المسلمين على البلدان الأوروبية إذا اكتملت المفاوضات وأفضت إلى انضمام تركيا، فآنذاك لن يكون العامل الاقتصادي على نحو ما كان في حقبة الهجرة الأولى بمعنى جلب العمال الأتراك بأعداد كبيرة، علاوة على سقوط حجة التزايد السكاني في تركيا بالمقارنة مع دول الاتحاد الأوروبي، فقد تراجعت الفوارق بصورة ملحوظة، إنما يطالب تركيا بالمقابل بدعم جهود الاندماج الحالية.

ومن شأن الاندماج أن يساعد في تخفيف المخاوف على الصعيد الشعبي، وهنا يطالب الكاتب الساسة الأوروبيين بأداء دورهم، كما يطالب الساسة الأتراك بالعمل في تركيا على دعم تأييد الشعب للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي مشيرا بذلك إلى تراجع نسبة هذا التأييد.

"
يعارض الكاتب بشدة ما تطرحه المستشارة ميركل والرئيس الفرنسي ساركوزي منح تركيا وضعا خاصا بديلا عن الانضمام، مشيرا إلى أن هذا يعطي انطباعا بأن مفاوضات انضمام تركيا غير نزيهة
"
وفي دحضه لحجة العامل السكاني في المخاوف من انضمام تركيا نظرا إلى ارتفاع عدد سكانها، يشير الكاتب إلى الخبرة المكتسبة من توسعة الاتحاد سابقا ليشمل دولا أخرى مثل إسبانيا، علاوة على أن تثبيت مبدأ حرية القرار على مستويات إقليمية ومحلية بالتوازن مع السلطات المركزية الأوروبية يساهم في الحيلولة دون تحقيق تلك المخاوف، وسبق أن ثبتت وثائق الاتحاد أهمية تطوير صناعة القرار فيه جنبا إلى جنب مع توسعته، وهذا ما ساهم في ازدياد قوة أوروبا واستقرارها في وقت واحد أثناء مراحل توسعة الاتحاد على امتداد خمسين عاما مضت.

تبعا لذلك يعارض السياسي الألماني بشدة ما تطرحه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي تخصيصا بشأن علاقة مميزة مع تركيا بديلا عن الانضمام، مشيرا إلى أن هذا بالذات ينشر لدى سكان تركيا الانطباع بأنها الدولة الوحيدة التي تجري مفاوضات الانضمام معها دون فرصة نزيهة لتحقيقه فعلا، كهدف مشترك وليس من جانب طرف واحد.

المصالح والنفوذ
يستفيض الكاتب في مناقشة ما حققته تركيا من تقدم في عهد حزب العدالة والتنمية، مشيرا إلى أن سياسته ما بين الاتجاهين القومي والإسلامي تساهم إيجابيا في حل إشكالية الهوية، وهو ما يمكن أن يساهم أيضا في التعامل مع الأكراد في تركيا، ويتناول الصيغة التركية للعلمانية الكمالية الأتاتوركية تحت عنوان "الإسلام تحت وصاية الدولة" فيعتبرها سببا في الاستقطاب السياسي المتكرر.

ويرى أن الإسلام السني بقي دين الدولة رغم ذلك، مما سبب مشكلات لأقليات دينية كالعلويين والمسيحيين، بينما كانت الضغوط كبيرة على المرأة في تركيا لا سيما مع انتشار الحجاب، ويرى أن تطوير التشريعات القانونية التركية ساهمت في اقتراب الأوضاع الحالية من المستوى السائد في الدول الأوروبية.

"
يرى الكاتب أن تعامل أوروبا مع الإسلام داخل حدودها وخارج تلك الحدود هو أحد التحديات الكبرى في القرن الميلادي الحالي، وهذا مما يجعل انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي عنصرا هاما في بناء مستقبله
"
وبعد طرح التقدم الاقتصادي الكبير المتحقق في تركيا وبيان أهميتها كطريق عبور أنابيب النفط والغاز إلى أوروبا يؤكد أهمية انضمام تركيا من زاوية المصالح الاقتصادية الأوروبية، ويضيف إليها المصالح السياسية، فالانضمام يعني وصول حدود الاتحاد الأوروبي إلى حدود جورجيا وأرمينيا والعراق وإيران وسوريا، وهذا ما يزيد مشكلات العلاقة مع الجوار في الأصل، إلا أنه يفتح الأبواب أمام تأثير سياسي أكبر على المشكلات القائمة في الجوار الأوروبي.

ويستعرض بهذا الصدد السياسات الإقليمية التركية حاليا، لا سيما تجاه أرمينيا والدول العربية القريبة، وربما أقدم المؤلف على تعديل محتوى السطور التي خصصها لما وصفه بالعلاقة "التركية الإسرائيلية الإستراتيجية" لو تأخر نشر الكتاب بضعة أسابيع، فتضمن مراعاة ما تعنيه تداعيات الهجوم على "أسطول الحرية"، إلا أن الكاتب يتمسك بأهمية أن تصبح تركيا بدعم أوروبي نموذجا لدول عربية وإسلامية أخرى، وأن يكون انضمامها إلى الاتحاد بوابة لتأثير أوروبي أكبر على تلك الدول.

وفي خاتمة الكتاب يقول الكاتب إن تعامل أوروبا مع الإسلام داخل حدودها وخارج تلك الحدود هو أحد التحديات الكبرى في القرن الميلادي الحالي، وهذا مما يجعل انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي عنصرا هاما في بناء مستقبله، فمع انتهاء المفاوضات ستكون دولة "أخرى"، وسيكون لها تأثيرها الإيجابي على المنطقة إقليميا، بما يحقق الأهداف الأوروبية أيضا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك