عرض/ حسين عبد العزيز

ينقسم الكتاب الذي يتمركز حول سؤال رئيسي: كيف يحكم المواطن العربي؟ هل بالقانون أم بحالة الاستثناء؟ إلى قسمين: يتضمن الأول بحوثا حول بعض أشكال الحاكمية عبر استكشاف الأطر المختلفة لحالة الاستثناء، أما القسم الثاني فيناقش كيفية مقاومة أفراد المجتمع العربي لتقنيات سلطة الدولة، من خلال تنظيم أنفسهم بمنظمات مدنية أحيانا وعبر حركات احتجاج أحيانا أخرى.

ومع أن الكتاب قد تعرض بشكل مختصر لبعض الحالات العربية، فإنه ركز بشكل مكثف على الواقع الفلسطيني تحت الاحتلال.

الحاكمية وحالة الاستثناء
ساد المشهد الفلسطيني خلال الفترة من يناير/كانون الثاني وحتى مارس/آذار من عام 2002 ظاهرة تعاظم العمليات الاستشهادية بين أفراد الشعب الفلسطيني.

-الكتاب: حالة الاستثناء والمقاومة في الوطن العربي
-المؤلف: مجموعة باحثين
-عدد الصفحات: 312
-الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت
-الطبعة: الأولى/2010
ويرى الكتاب أن انتشار تلك العمليات يشير إلى نشوء أشكال جديدة من الذاتية السياسية التي لا يمكن فهمها ضمن المجال الخطابي للفعالية الإسلامية فقط، بل بالنسبة إلى كيفية تشكل تلك الذوات، بحيث تكون مقاومة لأشكال السلطة التي تصوغها وتحدها.

يحاول الكتاب فهم هذه الظاهرة من خلال سبر الأطر المتباينة لعملية الإقصاء أو الضم التي تميز الوضع الاستعماري في فلسطين.

إن علاقة الاستثناء تظهر بشكل واضح في العلاقة بين الدولة الإسرائيلية والسكان الفلسطينيين الذين ما زالوا من الوجهة العملية ضمن مجال ممارسة إسرائيل لسلطتها السيادية.

ويرى الكتاب أن اتفاق أوسلو جاء بعدما أصبح ضروريا الإتيان بأشكال أكثر مأسسة لعملية إقصاء الفلسطينيين ضمن ترتيبات مكانية جديدة، يسلم فيها ضبط الأمن والعناية الرعوية إلى سلطة لا يمكن أن تكون سيادية.

وقد أدى إنشاء اتفاق أوسلو إلى تعقيد قاعدة الاستثناء، حيث تضاعف فعل هذه القاعدة من خلال مجموعة من التصنيفات المتباينة التي أعادت إدراج خطوط الإقصاء أو الضم ضمن الجماعات الفلسطينية التي قسمت إلى المناطق A , B , C ، وهذا يعني بحسب الكتاب أن نظام أوسلو قد شطر عنصري السكان والمناطقية، اللذين يعتبران المتطلبين الأساسيين للسيادة.

إن هذا الوضع الجديد جلب معه أيضا منظومة حواجز التفتيش والطرق الالتفافية التي فصلت الجماعة السياسية الإسرائيلية عن الشعب الفلسطيني.

لكن نظام أوسلو بحسب الكتاب حقق ما هو غير متوقع، وهو ازدهار متخيل للحرية الذي وجد لنفسه تعبيرا في نشوء المقاومة العنيفة في الانتفاضة.

بعد حرب عام 67 جرت مراجعة فكرية لدى النخب السياسية والفكرية، وبدأت محاولات فكرية خارج إطار الفكرة القومية عبر إعادة صياغة الإسلام كمشروع سياسي، وهي المهمة التي تصدى لها في الساحة السياسية الفلسطينية كل من فتحي الشقاقي وأحمد ياسين، غير أن هذه المحاولات احتاجت عشرين سنة لكي تنتقل من القوة إلى الفعل.

لكن في حين ركزت حركة الجهاد الإسلامي بقيادة الشقاقي على الجهاد المسلح فقط، عملت حماس تحت زعامة أحمد ياسين إلى إضافة فكرة بعث قيم وأساليب الحياة الإسلامية التي تتركز على الفرد، بحيث لا تقتصر فكرة الإيمان على المعتقدات الداخلية للفرد فحسب، بل تشمل الفعل الممارس وكعامل في بعث الإيمان وإعادة تكوين الجماعة.

يميز الباحثون هنا بين خطاب الحركة الوطنية الفلسطينية والحركات الإسلامية الفلسطينية:

عملت الحركة الوطنية على صياغة خطاب الحق وتحويله إلى خطاب للحقوق كما هو متمثل في حل الدولتين، لكن عدم اعتراف إسرائيل بهذا الخطاب لم تستطع الهوية الواهية للمواطنة الفلسطينية مقاومة ما يصفه فوكو بعنصر الثورة والذي أعاد الخطاب الإسلامي طرحه مجذرا إياه في الهوية الإسلامية.

وهنا عمل الخطاب الإسلامي كما يرى الكتاب على استحضار خطاب الحق مقابل خطاب الحقوق للسلطة، وهي بهذا الخطاب تكون قد وضعت أسس النهج الأخلاقي لتكوين الذات.

"
عملت الحركة الوطنية على صياغة خطاب الحق وتحويله إلى خطاب للحقوق كما هو متمثل في حل الدولتين، بينما عمل الخطاب الإسلامي على استحضار خطاب الحق مقابل خطاب الحقوق للسلطة
"
وعلى أساس مفهوم أوسع للهوية الثقافية والتاريخية، وضع الخطاب الإسلامي إطارا مرجعيا أكثر شمولا من نطاق خطاب الحقوق الذي جرت ضمنه إعادة صياغة المطالب الفلسطينية، والذي يحتل الحيز الخطابي نفسه للآخر الاستعماري، فغالبا ما أشارات كتابات الشقاقي وبعض قادة حماس إلى أن نجاح الإسرائيليين يكمن في التزامهم بالإيمان بدينهم وبهويتهم الحضارية.

لكن الكتاب يقف هنا على نقطة في غاية الأهمية، وهي أنه على الرغم من أهمية الخطاب الإسلامي في إعادة صياغة خطاب الجهاد، إلا أن الواقع الفلسطيني كان بحد ذاته عاملا رئيسيا في تزايد العمليات الاستشهادية، ذلك أن تطور العنف بحسب حنا أرندت يحمل منطقه الخاص الذي ينطلق من التجربة لا من تطور الأفكار، فقد كان لزعزعة استقرار السلطة الفلسطينية من جهة وللطبيعة الطارئة للحياة والموت من جهة ثانية، دورا هاما في عملية استرجاع يوتوبي للفاعلية الفردية التي عبرت عن نفسها في التكاثر المتسارع للعمليات الاستشهادية.

حالات الاستثناء في الفضاءات الفسطينية
يحاول هذا الفصل فهم الشروط المكانية الفلسطينية وتجارب ممارسة الاستثناء على الفلسطينيين ضمن خصوصية التدمير الممنهج للمكان والحصار.

إن القراءة عن فلسطين والفلسطينيين بحسب المؤلفين يطرحان للتساؤل الوثائق والتصاوير التي لا تحصى، والتي ترسم فلسطين باستمرار، وتخلق صورا ذهنية لا حصر لها عن المكان والأشخاص، لكن هذه الصور ليست كافية بحسب المؤلفين لأنها تتمحور حول مسألة السيادة.

يرى المؤلفون أن مناقشة فلسطين والفلسطينيين تقتضي تعريف شرطهم بلغة الموقع والتجربة بالفضاء الفلسطيني، وذلك لتمييزه عن التعبير الجغرافي فلسطين، فالفضاء الفلسطيني يشير إلى الفضاء الذي يضم جميع المواقع التي تستضيف التجربة الفلسطينية وتنتجها، وفي هذا الفضاء فإن الحدود تظهر كعامل متغير يقرأ في الانهيارات والإزاحات والتغيرات التي يمر بها وإعادة تشكله وظهوره في مواقع أخرى.

يحاول مؤلفو الكتاب تقديم رؤية مختلفة للتاريخ الفلسطيني من خلال قراءة الشرط المكاني الفلسطيني، والتحول الذي طرأ عليه بمرور الزمن من حيث تجارب الاستثناء والمراقبة.

1) حالات فضاءات المفارقة: الفلسطينيون الذين تمكنوا من البقاء في موطنهم عام 1948 اكتسبوا الجنسية الإسرائيلية، وهم يعيشون مفارقة كونهم إسرائيليين وفلسطينيين.

مفارقة الهوية هذه تهيمن على التجربة الفلسطينية داخل إسرائيل الدولة التي تعلن نفسها كيانا يهوديا، فالفلسطينيون كمواطنين إسرائيليين مطالبون بتنفيذ التزاماتهم أمام الدولة، كدفعهم الضرائب مثلا، إلا أنهم لا يتلقون معاملة مماثلة لما يتلقاه اليهودي، وهذا الأمر ينعكس مباشرة على التمويل غير المتكافئ للمجالس المحلية العربية والتعليم ومشاريع التنمية.

2) حالات فضاءات الاحتلال والحصار: هذه الحالة يعيشها الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهي تقصي الفلسطينيين عن محيطهم الجغرافي.

تتبدى الآليات والديناميات المتولدة عن حالة الحصار هذه بأجلى صورها في التجاوز / التشظي وفي الجيوب / المعازل التي نشأت بعد اتفاقية أوسلو وعقب إعادة احتلال المناطق الفلسطينية المحتلة عام 2002 بعد انتفاضة الأقصى عام 2000 .

"
بعد انتفاضة الأقصى عام 2000 ضرب الإسرائيليون طوقا عسكريا محكما حول المناطق الفلسطينية المحتلة، مع بروز صيرورة متسارعة لعزل مناطق العمران الفلسطينية
"
في هذه الفترة ضرب الإسرائيليون طوقا عسكريا محكما حول المناطق الفلسطينية المحتلة، مع بروز صيرورة متسارعة لعزل مناطق العمران الفلسطينية، ويتجلى هذا العزل في الطرق الالتفافية اليهودية وفي حواجز التفتيش العسكرية الإسرائيلية، وفي العوائق المقامة على الطرق، وفي جدار الفصل العنصري.

وبلغة المكان، تحدد المستوطنات، أو الجيوب والجزر شكل صيرورة تشكيل ودعم قطع الأرض اليهودية في قلب الأرض الفلسطينية.

3) حالات فضاءات التدمير الممنهج للمكان: وهذه الحالة تمثل الشرط الأقصى لحالة الحصار، حالة التدمير الممنهج للمكان هي الحالة الدائمة من الغزو ومن الخنق في أقصى درجاته.

ويؤكد الكتاب أن الغزو الإسرائيلي الذي بدأ عام 2002 للمناطق الفلسطينية، كان لتحقيق أربعة أهداف: الأول الرموز الفلسطينية للسلطة عن طريق استهداف مدينة رام الله التي تقوم بدور العاصمة المؤقتة للدولة الفلسطينية، والثاني الرموز الفلسطينية للمقاومة، وتشكل المدينة القديمة في نابلس ومخيم جنين ومخيما رفح وبلاطة أمثلة معروفة، والثالث استهداف الرموز الفلسطينية للهوية، كالمدن التاريخية ومواقع التراث الثقافي، أما الهدف الرابع، فكان استهداف الرموز الفلسطينية لحق العودة كما تمثل في مخيمات اللاجئين.

تتجلى الحالتان الثانية والثالثة بشكل واضح في مدينة نابلس التي تعتبر مثالا صارخا على التدمير الممنهج للمكان عبر حالة الاغتراب واللجوء في مخيماتها الثلاثة (بلاطة، وعسكر، وبيت إلما)، كما تمثل المدينة في الوقت نفسه باعتبارها معقل المقاومة الفلسطينية، حالة الاحتلال والحصار، فهي تعد ضمن حدود المناطق الفلسطينية المحتلة وتخضع لحصار عسكري خانق، وكونها أيضا مكانا يطبق فيه نظام المراقبة العسكرية الإسرائيلية.

إن مدينة نابلس تعد بالنسبة لمؤلفي الكتاب، مثالا حيا لفهم فضاءات استثنائية فلسطينة.

لقد تعرضت المدينة خلال السنوات الست الماضية لأشرس الهجمات العسكرية الإسرائيلية، ومن خلال ترسيم شرط الاستثناء الفلسطيني تبرز صيغ مختلفة لهذا الاستثناء، بدءا بالقوانين وصولا إلى الجانب الجغرافي المكاني للسيطرة الإسرائيلية الذي يخترق التجربة الجماعية للذات والمكان والفضاء والآخر.

ـ شروط قانونية:
فرض العديد من القوانين منذ الاحتلال الإسرائيلي عام 67 لدعم آلة الاحتلال، ومن هذه القوانين، قانون الطوارئ البريطاني الذي أقر عام 1945 والقانون رقم 124 الذي يعطي الحاكم العسكري الحق بتعليق جميع حقوق المواطنين.

ولقد استخدمت إسرائيل هذين القانونين بعد قيام الدولة ضد الفلسطينيين والسكان العرب في الداخل.

وإضافة إلى هذين القانونين تم وضع قوانين أخرى، مثل قوانين تنظيم المدن والقرى، والقوانين العسكرية وقوانين حظر التجوال... إلخ.

ويرى المؤلفون أن هذه القوانين قد أدت إلى مفارقات ترتبط بالتجارب الحياتية اليومية، فقد دفعت قوانين الحصار والحركة مثلا العديد من الفلسطينيين إلى انتهاك القانون في نضالهم اليومي للحفاظ على الطابع الاعتيادي لحياتهم.

ـ السيطرة والمراقبة المكانية:
هناك منظومة مراقبة إسرائيلية كاملة تحيط بالمناطق المحتلة، حيث طورت إسرائيل إستراتيجية تحكم بالنقاط المفصلية في البنى المكانية الفلسطينية، وتجلى ذلك بالمستوطنات المتفرقة وحواجز التفتيش والقواعد العسكرية والباحات الصناعية.

وتتصل هذه النقاط بعضها ببعض عبر منظومة هائلة من الطرق العامة والالتفافية، وهنا يعتبر جدار الفصل العنصري بمثابة الخط الحدودي.

ـ إعادة التشكيل الثقافي الاجتماعي الاقتصادي:
يرى المؤلفون أن الحصار والغزوات الإسرائيلية لنابلس قد أديا إلى إعادة تشكيل الأنماط الثقافية الاجتماعية والاقتصادية النابلسية، فضمن إحصائية أجريت في المدينة أكد 60% من أفراد العينة التي أجريت معهم المقابلات أن شبكتهم الاجتماعية تأثرت إلى حد كبير، فالوضع الاقتصادي المتدهور يجعل من المستحيل عليهم الوفاء ببعض متطلبات الأنشطة الاجتماعية.

فعلى سبيل المثال، ألغيت احتفالات اجتماعية مهمة في العديد من البيوت النابلسية، كما تأثرت البنية الاجتماعية بحالة انعدام الأمن، فالزيارات العائلية وزيارة الجيران بدأت تختفي من النسيج الاجتماعي، وقد أدى ذلك بطبيعة الحال إلى فقدان الهوية الثقافية الفلسطينية إلى جوانب مهمة من جوهرها.

"
الفلسطينيون عناصر فاعلة في الصراع، وليسوا مجرد متلقين سلبيين للاحتلال الإسرائيلي، فمن خلال معرفة الفلسطينيين لمنظومة المراقبة الإسرائيلية، أصبحوا قادرين على كسر هذه المنظومة والنفاذ منها لتسيير شؤونهم الحياتية
"
ـ ديناميات التكيف الخلاق الفلسطينية:
يؤكد المؤلفون على أن الفلسطينيين عناصر فاعلة في الصراع، وليسوا مجرد متلقين سلبيين للاحتلال الإسرائيلي، فمن خلال معرفة الفلسطينيين لمنظومة المراقبة الإسرائيلية، أصبحوا قادرين على كسر هذه المنظومة والنفاذ منها لتسيير شؤونهم الحياتية.

إن اختراق شبكة المقاومة الإسرائيلية تجلى من خلال حفاظ الفلسطيني على احترام النفس، وعلى فرض هويته الذاتية في إحياء الذكرى، وفي أنشطة إعادة الإعمار عقب الغزو والتدمير الممنهج للمكان.

ويرى المؤلفون أن الفلسطينيين من خلال مواجهتهم لممارسات القوة الإسرائيلية طوروا -دون وعي منهم على المستوى النفسي- الأنماط والتوترات التي ولدتها شبكة المراقبة، وأدى ذلك إلى صوغ إستراتيجية التسلل عبر منظومة التحكم حسب نوع المنظومة التي يواجهها الفرد.

وعلى سبيل المثال عرض الفيلم الوثائقي "الحائط" الذي أعدته سيمون بيتون شرح الضابط الإسرائيلي لتفاصيل تكوين الجدار (سلك شائك + خندق + حاجز وأساسات خرسانية مزودة بحساسات + غرفة تحكم + دوريات للجيش + ممر ترابي + سلك شائك).

وفي فيلم آخر لآفي مغربي نجد أن الفلسطينيين الذين يعيشون بقرب الجدار طوروا معرفة مماثلة لأسلوب عمل الجدار، بحيث أصبحوا قادرين على عبور الجدار دون أن تكتشفهم منظومة الإنذار أو سيارة الدورية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك