عرض/ الحسن سرات

هذا الكتاب هام جدا وخطير بالنظر إلى الحقائق الكبرى التي يكشف عنها في بلد أوروبي صغير ارتبط اسمه بمنظمات المافيا. فكثير من الأحداث التي تقع في إيطاليا ليست بعيدة عن أي بلد آخر من العالم، خاصة في زمن العولمة الذي انهارت فيه الحدود وتضاءلت المسافات.

-الكتاب: لماذا انتصرت المافيا
-المؤلف: نيكولا ترانفاليا
-عدد الصفحات 238
-الناشر: دار النشر تالاندييه, باريس, فرنسا
-الطبعة: الأولى/ 2010
خطورة الكتاب تكمن في تنبيه الغافلين ليقرؤوا الأحداث بعين لاقطة وكاشفة، فحتى الدول نفسها لا تنجو من خطط المنظمات الإجرامية فتخترق تنظيماتها ومؤسساتها، وتعقد الصفقات الكبرى بين الأطراف، ويتفق الجميع على حبك سيناريو مزيف وتقديمه للمجتمع على أنه الحقيقة، في حين أن ما يجري وراء الحجب سمسرة خفية لمصالح الشعوب وحقوقها، وسعي دؤوب لتربيتها على التطبيع مع المافيات وقبول التعايش معها.

وزاد في قيمة الكتاب وأهميته أن قدم له رجل من سلك القضاء هو كارلو كازيللي، سبق أن شغل منصب المدعي العام للجمهورية في مدينة باليرمو بين 1993 و1999، وهو حاليا ممثل إيطاليا في المنظمة الأوروبية "أوروجاست" المكلفة بمحاربة الجريمة المنظمة.

أما المؤلف فهو قانوني ومؤرخ وكاتب رأي في صحيفة لاريبوبليكا، له عدة مؤلفات حول مرحلة ما بعد الفاشية وإيطاليا في العهد الجمهوري، وهو أستاذ مبرز في التاريخ الأوروبي بجامعة طورينو، كان نائبا بالبرلمان الإيطالي من سنة 2006 إلى 2008.

لماذا الكتابة عن المافيا
بحث نيكولا ترانفاليا عن تعريف جامع مانع للمافيا، فلم يعثر عليه إلا عند الكاتب الإيطالي ليوناردو شاشا الذي قال "منذ سنوات حاولت أن أقدم تعريفا موجزا للمافيا، وقلت إن الأمر يتعلق بمنظمة من المجرمين الذين يسعون للاغتناء بطرق غير قانونية لصالح أعضاء المنظمة عن طريق العنف، وتفرض نفسها وسيطا بين الإنتاج والاستهلاك والمواطن والدولة".

وفي مستهل كتابه تساءل ترانفاليا عن جدوى ما يفعله قائلا "لماذا أكتب دراسة جديدة عن المافيا بعد أكثر من خمسة عشر عاما على العمليات الدموية الموجهة ضد جيوفاني فالكوني وباولو بورسيللينو ومرافقيهم. ضد قاضيين جسدا المحاولة الفريدة لثورة الإيطاليين على التعايش الحاصل بين المافيا والسياسة".

ثم يجيب المؤلف على تساؤله مؤكدا أن الكتابة مجددا حول الموضوع لها معنى إذا فهمنا لماذا انهزمت الدولة أمام تلك العصابات الخطيرة. وحسب المؤلف، فإن القاضي فالكوني كان مقتنعا تمام الاقتناع بأنه يمكن القضاء على المافيا، إذ ما دامت ظاهرة إنسانية لها بداية فحتما لها نهاية.

ويشهد المدعي العام منذ البداية أن هذا الكتاب ليس كباقي الكتب التي ألفت عن المافيا، ولم تكن سوى فرقعات إعلامية تتشح بالخيال التلفزيوني حسب الموضة. ويؤكد أن هذا الكتاب يقدم قاعدة صلبة لكل من يريد أن يعرف المافيا على حقيقتها.

ويقر المؤلف بأن العنوان يحمل دلالة قطعية ويظهر تشاؤما زائدا، لا يترك للأمل إلا بريقا باهتا. والواقع لا يرتفع في رأيه، إذ منذ أكثر من 150 عاما والمافيا تفعل فعلها فينا على حد قوله، مضيفا أنه ربما كان لوجودها جذور قبل ذلك حسب دراسات جادة، فكيف تجاوزت هذه المافيا ثلاث مراحل وثلاثة أنظمة سياسية متمايزة في تاريخ إيطاليا الحالية، الليبرالية والفاشية والجمهورية.

"
المؤلف يحمل المجتمع الإيطالي جزءا من المسؤولية في فشل مواجهة المافيا قائلا: يمكننا أن نتحدث عن انتصار المافيا في مجتمع يقبل أن يتعايش معها ويهيئ لها شروط النمو لتكون أكثر نشاطا وأشد خطورة
"
ويصعب أن ينكر المرء غلبة المافيا في كل مرة تسعى فيها الدولة لوضع حد لها. ثم ما يلبث المؤلف أن يحمل المجتمع الإيطالي جزءا من المسؤولية قائلا "يمكننا إذن أن نتحدث عن انتصار المافيا في مجتمع يقبل أن يتعايش معها ويهيئ لها شروط النمو لتكون أكثر نشاطا وأشد خطورة".

ولا يتناول الكتاب المافيا على أنها شيء واحد، ولكنه يتحدث عن مافيات، منها المافيا الإيطالية التقليدية، والمافيا العالمية المستوردة، روسية وألبانية، وصينية، ونيجيرية، وغيرها. مافيات رسخت أقدامها في التربة الإيطالية ونسجت علاقات وثيقة مع أقدم المنظمات الإجرامية.

ويلفت المدعي العام النظر إلى مسلسل العولمة المالية الذي بدت آثاره سريعة على الاقتصاد الإجرامي، فتشابكت فيها المعطيات والعلاقات بين مختلف المنظمات المافويوية للكرة الأرضية، والتي تنشط مصالحها ورؤوس أموالها غير الشرعية في السوق العالمية بتبييض الأموال.

ولذلك فإن نقطة البداية الضرورية في كل حديث عن المافيا والمنظمات الإجرامية مهما كانت محلية، هو النظر في شبكة علاقاتها الدولية وقدرتها على التسلل إلى كل مكان في هذا العالم لدرجة أنها أصبحت مقاولة متعددة الجنسيات تنتج الثروة عن طريق آلاف من عمليات التزوير والتحايل على القانون وتغلف أعمالها بمنظمات قانونية تشكل مظلات لأنشطتها.

"الحرب" و"الهدنة"
برصد علاقات المافيا الصقلية "كوزا نوسترا" بالطبقات السياسية الإيطالية، تمكن المؤلف من تتبع خيط أحمر قاده إلى كشف تفاصيل مثيرة حول طريقة عمل المافيا. وقد صارت هذه المنظمة الإجرامية قادرة أكثر من أي وقت مضى على التستر والتواري عن الأنظار.

فبعد مواجهة الدولة بعمليات دموية خطيرة في 1992 وتعرضها لرد شديد باعتقال المتهمين الفارين الذين ارتكبوا تلك المجازر وتوسيع عمليات المتابعة ومصادرة ممتلكات للمنظمة القوية بلغت عشرات المليارات، وصدور أحكام قاسية على المتهمين.. بعد كل هذا، اختارت المافيا اتباع سياسة "الهدنة" لينسى الرأي العام والخاص خطورتها الرهيبة، فلا مجازر ولا عمليات مثيرة.

"
سياسة المافيا في زمن "الهدنة" أخطر بكثير من سياستها في زمن "الحرب"، إذ إنها تظهر قدرتها الفائقة في اختراق الهيئات السياسية والمالية الحكومية والحرة، وفي ربط علاقات متينة ضمن النسيج الموجود بين السكان الفقراء والسلطات العليا
"
وركز بروفينزانزو زعيم المافيا كل نشاط المنظمة في الصفقات الاقتصادية والمالية الكبرى حتى تظهر على أنها العامل المنشط لاقتصاد إيطالي ضعيف وغير منتج، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، لتقترح المنظمة نفسها قوة سياسية واجتماعية قادرة على التحكم في الاقتصاد والقيام بعملية تنمية تنوب فيها عن السلطات العمومية أو تتعاون معها فيها.

غير أن سياسة المافيا في زمن "الهدنة" أخطر بكثير من سياستها في زمن "الحرب"، إذ إنها تظهر قدرتها الفائقة في اختراق الهيئات السياسية والمالية الحكومية والحرة، وفي ربط علاقات متينة ضمن النسيج الموجود بين السكان الفقراء والسلطات العليا، وبذلك تتمكن من توسيع مجال تدخلها والقدرة على التأثير في المواقف السياسية بالمناطق الخاضعة لنفوذها.

تحرك المجتمع
وينوه كازيللي بقانون "لاطوري" المعروف بقانون 109 الذي مكن من متابعة ورصد أنشطة زعماء المافيا، وهو قانون يرغمهم على التصريح بالممتلكات ويخول القضاة مصادرة ثرواتهم إذا تبين أن مصدرها غير قانوني.

كما ينوه بحركة المجتمع الأهلي الإيطالي ضد المافيا. وتزعمت هذا التحول حركة "ليبيرا" التي جمعت أكثر من مليون توقيع داعية إلى نزع الأراضي التي اغتصبتها المافيا، ومنحها لتعاونيات فتية سواء في الشمال الإيطالي أو في الجنوب. واستطاعت هذه الحركة إنشاء شبكة بها أكثر من 1500 مجموعة توحدها رغبة جامحة لتحقيق المساواة والعدالة، فأعطت المثال على أن أنجع طريقة لمقاومة المافيا هي إشراك المجتمع المدني في هذه المعركة، بدل ترك قوات الأمن وجهاز القضاء وحيدين في الميدان وفي وضع ضعيف. ولم تعد حركة ليبيرا وحدها في الساحة بل تبعتها حركات أخرى مثل حركة "توبيزو" و"أمازاتيتشي توتي" أو اقتلونا جميعا.

شجاعة القضاء وجبن السياسة
ويلاحظ المدعي العام أن المجال الذي لا يتغير، أو يتغير ببطء، في هذه المعركة، هو المجال السياسي، وأن استمرار الحملة الأمنية ضد الجناح العسكري للمافيا بتعاون إيطاليا والولايات المتحدة الأميركية، خاصة العملية الكبرى في فبراير/شباط 2008، أمر جيد، لكن الحرب ينبغي أن تركز على العمود الفقري للمافيا، ألا وهو علاقاتها الخارجية، أي روابطها وعقودها الخفية مع الذين ينشطون ضمن القانون سياسيا وماليا واقتصاديا ومؤسساتيا.

ويؤكد أن اتباع سياسة التصفيق عندما يلقى القبض على رأس من رؤوس المافيا، ثم الاحتجاج لاحقا بعد ذلك عندما يبدأ تعميق البحث وإلقاء مزيد من الضوء على الجوانب المظلمة من القضية، سياسة لا تجدي فتيلا في مكافحة الإجرام المنظم، بل تفسح المجال أمام التنظيم المغلق لالتقاط الأنفاس ومتابعة الأنشطة الهدامة.

"
رجال السياسة يحرصون كل الحرص على أن يكون التدخل السياسي أولى من التدخل القضائي ويضغطون على القضاة ليتراجعوا قليلا إلى الوراء بدل مزيد من العدالة
"
وهذا ما وقع للقاضيين فالكوني وبورسيللينو اللذين لاحقا المافيا أمام القضاء واستطاعا تضييق الخناق على المنظمة الخطيرة، حتى إذا كانا قاب قوسين أو أدنى من توجيه الضربة القاضية إليها، قامت ضدهما حملة منظمة اتهم فيها فالكون بالانحياز السياسي وخدمة أجندة حزبية أقرب ما تكون إلى اليسار، فأوقفت الملاحقات القضائية. وتعرضا بعد ذلك للاغتيال.

ولم يعد خافيا أن رجال السياسة يحرصون كل الحرص على أن يكون التدخل السياسي أولى من التدخل القضائي ويضغطون على القضاة ليتراجعوا قليلا إلى الوراء بدل مزيد من العدالة، وهذا ما يفسر وجود شعور بالتهديد لبعض المصالح السياسية وتحرك أصحابها ضد الإجراءات القضائية.

دولة داخل الدولة
وفضلا عن شهادة بعض أعضاء المافيا التائبين التي تنتقد التعاطي السياسي مع ملف المافيا، يورد المؤلف حججا وبراهين على تورط معظم الهيئات السياسية والدينية في هذا الملف الممتلئ بالألغاز والأساطير، وعلى رأس المتورطين سيلفيو برلوسكوني رئيس الوزراء الحالي والفاتيكان وأكثر من 290 شخصية سياسية من مختلف الأحزاب ورجال صحافة وإعلام وعسكريين وأمنيين.

وهذا معناه وجود "دولة داخل الدولة" على حد تعبير اللجنة الإدارية للحكماء الثلاثة ألدو ساندوللي الرئيس السابق للمحكمة الدستورية، وفيزيو كريزافوللي القاضي السابق بالمحكمة الدستورية، وليونيللو ليفي ساندري الرئيس السابق لمجلس الدولة.

خسائر اقتصادية
ويكشف الكتاب عن الآثار الاقتصادية الخطيرة لنشاط المافيا بالمناطق التي تحتكرها بناء على تقارير مختصة: فالمافيا هي أهم مقاولة إيطالية إذ حققت في سنة 2007 رقما ماليا قدره 90 مليار يورو. ويؤدي نشاطها الاقتصادي إلى ضياع 180 ألف منصب شغل كل عام، وخسارة 7.5 مليارات يورو كل سنة من الثروات المنتجة.

وتضيف التقارير أن قوة المافيا تصير يوما بعد يوم قوة اقتصادية، لدرجة أنها بصدد تغيير جذري لمعطيات السوق والتنافسية في مجالات صناعة التعليب. فرجل أعمال المافيا، مقارنة مع رجل الأعمال النزيه، يتمتع بعدة مزايا كرؤوس الأموال غير المشروعة المكدسة في جيبه، وتخفيض الأسعار مادام لا يسعى إلى الربح السريع قدر ما يسعى لاحتكار السوق، بالإضافة إلى قدرته على تجاوز كل العراقيل والعقبات بأساليب الترغيب والترهيب التي دأب عليها.

والمأساة الإيطالية الحالية في قدرة المافيا على بناء اقتصاد مواز يمتص بدأب وهدوء تجارات ومقاولات اقتصادية نظيفة تجد صعوبات كبيرة في بناء وجودها ومستقبلها باحترام القواعد القانونية، وبذلك يتضخم جسم المافيا ووزنها لتتحول إلى تيار مائي يغمر مناطق جديدة ويكتسح الجميع، لينتصر على دولة تعطي الانطباع بأنها غير راغبة في خوض معركة لديها الوسائل الكافية لحسمها.

"
يجمل المؤلف أسباب انتصار المافيا في شيئين، الأول النقص الكبير في التربية المدنية والأخلاقية لدى معظم الإيطاليين، والثاني مسؤولية الكنيسة الكاثوليكية في تربية الجمهور الإيطالي
"

"خاتمة مؤقتة"
أنهى المؤلف كتابه بـ"خاتمة مؤقتة"، لأنه يعلم أن فصولا أخرى ستعرفها السنوات القادمات، وحقائق إضافية ستكشفها الأيام والليالي المقبلة. ويقدم خلاصة عن أسباب انتصار المافيا، ولا يفوته أن ينتقد الصمت المطبق لوسائل الإعلام، لأن هذا الصمت هو الذي منع النقاش العام أن يتطور، والرأي العام أن يتحرك ضد الجهاز التنفيذي وضد البرلمان.

ويختم كتابه بالقول "عندما ندرك مقدار الفراغ في المجالين التربوي والثقافي لمواجهة المافيا وأخطبوطها القوي، فإننا نفهم بسهولة لماذا تجذرت المافيا دائما في المجتمع الإيطالي، ولماذا خسرت الدولة، التي تمثل جميع الإيطاليين، المعركة ضد تلك المنظمة الخطيرة".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك