عرض/عبده الأسدي

يشكل الكتاب الصادر عن معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، المعنون بـ «تعاظم تحدي المقاومة وأثره على نظرية الأمن القومي الإسرائيلي»، إضافة هامة لجهة إدراك العقل السياسي والعسكري الإسرائيلي، للتطورات والتغييرات الدراماتيكية، التي أحدثتها المقاومات في فلسطين ولبنان، في نظرية الأمن القومي الإسرائيلي.

وإذ يسعى مؤلفه، ميخائيل ميلشتاين، إلى تشريح للفلسفة السياسية والعسكرية لحالات المقاومة، فإنه لا يتوقف عند حدود التوصيف والتحليل، بل يسعى لبلورة ما أسماه بـ «الرد المناسب في إطار العقيدة الأمنية الإسرائيلية»، وذلك في أعقاب تحول المقاومة إلى واحد من « التهديدات الأخطر التي تواجهها إسرائيل حاليا »، كما يقول المؤلف.

وينقسم الكتاب إلى أربعة فصول، هي على التوالي: النضال كقيمة عليا؛ أسطورة في اختبار الواقع؛ تغييرات في المنطقة؛ تحدي المقاومة لإسرائيل. هذا فضلا عن تقديم الكتاب رؤية استشرافية تحت عنوان: نظرة إلى المستقبل، جاءت بمثابة خاتمة للكتاب.

جذور مصطلح المقاومة

-الكتاب: تعاظم تحدّي المقاومة وأثره على نظرية الأمن القومي الإسرائيلي
-المؤلف: ميخائيل ميلشتاين
-
عدد الصفحات: 122
-
الناشر: معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، جامعة تل أبيب
-
الطبعة: الأولى/ فبراير 2010

على الرغم من أن ميلشتاين، سعى في الفصل الأول، لتغريب مصطلح المقاومة عن المنطقة، باعتبار أن هذا المصطلح ظهر خلال الحرب العالمية الثانية كاسم لمجموعات المنظمات السرية التي عملت في أنحاء أوروبا ضد القوات النازية، إلا أنه أقرًّ، فيما بعد، بأن الفلسطينيين سعوا لتبيئته حينما أعطوا هذا المصطلح تفسيراً عملياً عبر «التمسك بالنضال العنيف كإستراتيجية وكطريقة حياة».

وفي إطار متابعته ورصده للتغييرات التي طرأت على مصطلح المقاومة، يشير إلى أن تغييراً جوهرياً قد طرأ على جوهر المقاومة، تمثل في أن الحامل السياسي لهذا الفكر بات الأحزاب والحركات الإسلامية بعدما كانت الأحزاب القومية والعلمانية، ويعزو ذلك إلى أن العقد المنصرم قد شهد تحولات كبيرة (الانسحاب الإسرائيلي من لبنان 2000، اندلاع انتفاضة الأقصى، الانسحاب من قطاع غزة، حرب لبنان الثانية، عملية الرصاص المسكوب).

ويبدو أن هذه التغييرات، هي التي أعطت بالفعل مضمون المقاومة معنى ومبنى مختلفين تماما عما سبق في مشهد الصراع العربي الإسرائيلي، فلم يعد الأمر يتعلق بفكرة سياسية، وإنما بـ «ثقافة بديلة» تسعى هذه المقاومات لإحلالها.

ولعل نحت المؤلف لهذا المصطلح «المقاومة الجديدة» لا يخلو بكل تأكيد من بُعد استشراقي عنصري واضح من خلال تأكيده على أنه يحمل مضموناً عدائياً للآخر، أياً كان هذا الآخر، وذلك بخلاف مصطلح المقاومة الوافد من الغرب، والذي حاول إعطاءه بعداً إيجابياً ومشروعية تاريخية وسياسية ضمن إطار ممارسته في الحيز المكاني الأوروبي فقط.

وفي هذا الصدد يمضي ميلشتاين في قراءته الاستشراقية لميزات فكرة المقاومة الجديدة، فيرى أن أهم ما يميزها أنها حركات مقاتلة مدفوعة «بقوة أوامر دينية إلهية ملزمة تستند إلى الوعد بنصر أكيد في المستقبل، وعلى رفض مطلق للخصم وبشكل خاص إسرائيل».

ويرى، أيضاً، أن عقيدة حركات المقاومة تستند إلى إستراتيجية النفس الطويل، مما يتطلب منها العمل على استنزاف معنويات الخصم، فما دام نضالها هو نضال تاريخي أبدي فإن نهايته منوطة بالقضاء على إسرائيل، وليس فقط بإحراز نصر عسكري.

من هنا يرى ميلشتاين أن المقاومة الجديدة ترفض رفضاً مطلقاً أفكار التسوية والتطبيع مع إسرائيل طالما أنها لا تؤول إلى القضاء على الخصم (إسرائيل)، وعليه فإنها وباستنادها إلى مفهوم «الصراع الأزلي» فهي تستمد مقولاتها وأطروحاتها الفكرية من البناء الثقافي الديني لما أسماه بالإسلام الأصولي المتطرف.

«المقاومة القديمة» و«المقاومة الجديدة»
سعى ميلشتاين لبناء مقاربات أبانت خطوط الاختلاف بين ما سماه «المقاومة القديمة» مع «المقاومة الجديدة»، فاعتبر أن «المقاومة القديمة» نشأت منذ نهاية الخمسينات واستمرت حتى بداية التسعينات، في حين أن ظهور «المقاومة الجديدة» بدأ منذ منتصف التسعينات فصاعداً. مقابل ذلك ضمت المقاومة القديمة بين جناحيها فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وتحديداً فتح، في حين ضمت «المقاومة الجديدة» حزب الله وحماس تحديداً.

"
يعتبر المؤلف «المقاومة القديمة» نشأت منذ نهاية الخمسينات واستمرت حتى بداية التسعينات، في حين أن ظهور «المقاومة الجديدة» بدأ منذ منتصف التسعينات فصاعداً
"
أما من حيث الأيديولوجية فكانت وطنية فلسطينية وقومية عربية في «المقاومة القديمة»، بينما اتسمت بإسلام أصولي في الحالة الثانية، وفي حين كانت ساحات الاشتباك في مصر والأردن ولبنان لدى «المقاومة القديمة»، فإنها تبدت في لبنان والضفة والقطاع في «المقاومة الجديدة».

وفيما يتعلق بالرئة الخارجية للمقاومتين، تلقت «المقاومة القديمة» دعماً من سوريا وليبيا والعراق، وباتت إيران وسوريا الدولتين الداعمتين لحزب الله وحماس في «المقاومة الجديدة».

أما فيما يتعلق بالأهداف، اعتبر ميلشتاين، أن «المقاومة القديمة» طرحت شعار تحرير فلسطين والقضاء على إسرائيل وإنجاز الوحدة العربية، في حين أن «المقاومة الجديدة» لم تكتفِ بطرح شعار تدمير إسرائيل، بل بالقضاء على النفوذ الغربي في الشرق الأوسط، والسعي لإقامة نظام إسلامي في المنطقة، وأخيرا اعتبر ميلشتاين أن «المقاومة القديمة» طورت سياسيا من أدواتها وآلياتها سعيا لزعامة ذات دلالات دولة تحظى باعتراف دولي، بينما تقوم حماس بتطوير بُعد الدولة في قطاع غزة، أو شبه دولة (حزب الله في لبنان) أو مقاومة دون مشروع سلطوي (الجهاد الإسلامي) أو دول مقاومة (سوريا وإيران).

صعود «المقاومة الجديدة»
شكلت حرب لبنان الثانية (صيف 2006) أحد أكبر الأحداث التي اعتبرها ميلشتاين ذروة صعود خصم إسلامي أصولي يمثل « المقاومة الجديدة»، وأثبتت هذه الحرب، وفقاً للمنظور الإسرائيلي، خرافة الاعتقاد أن العرب قد تخلوا عن أفكارهم بشأن تدمير إسرائيل، بل أعطت هذه الحرب حافزاً جديداً لحركات المقاومة بأن القضاء على إسرائيل قابل للتحقق.

بالمقابل فإن تجربة حماس في المقاومة والحكم معاً تمتلك فرادة خاصة، فهي، وفي سياق تشريح ميلشتاين، لصعود «المقاومة الجديدة»، وعلى الرغم من أنها « لم تتراجع عن مبادئها الفكرية ومازالت تستعد للمواجهة العسكرية مع إسرائيل » إلا أنها باتت «مطالبة حالياً بتوظيف جهود كبيرة للحفاظ على سلطتها... لذلك فإن حماس تُظهر في خطوطها ولا سيما على الصعيد العسكري، حذرا شديدا للامتناع عن مواجهات واسعة وطويلة تؤدي إلى توجيه ضربة قاسية لتشكيلها السلطوي وللنسيج المدني الذي تشرف عليه».

التحدي التقليدي والتحدي «تحت التقليدي»
في سياق تشريحه للتغييرات التي أحدثتها «المقاومة الجديدة» على العقيدة الأمنية الإسرائيلية، ابتكر ميلشتاين مصطلحين جديدين أولهما التحدي العسكري التقليدي، والآخر التحدي العسكري «تحت التقليدي»، ومن خلال المقارنة بينها في عدة قضايا هامة، دخل إلى التداعيات التي تركها تعاظم تحدي المقاومة على عقيدة إسرائيل الأمنية.

فما قصده ميلشتاين بالتحدي العسكري التقليدي تلك المواجهات العسكرية التي خاضتها إسرائيل مع دول ذات سيادة (دول الطوق والعراق)، في حين أن التحدي «تحت التقليدي» هو ما واجهته إسرائيل من عمليات الفدائيين عبر الحدود، وفي الضفة الغربية وقطاع غزة، ومازالت عبر «المقاومة الجديدة».

"
التحدي العسكري التقليدي هو تلك المواجهات العسكرية التي خاضتها إسرائيل مع دول ذات سيادة(دول الطوق والعراق)، في حين أن التحدي «تحت التقليدي» هو ما واجهته إسرائيل من عمليات الفدائيين عبر الحدود، وفي الضفة الغربية وقطاع غزة، ومازالت عبر «المقاومة الجديدة»
"
واعتبر ميلشتاين، أن تغيير مكانة الخصم (المقاومة الجديدة) أدى إلى تعزيز مكانته سواء بالنسبة إلى حزب الله أو حماس، معتبراً أن المواجهة في التحدي التقليدي قد طرأ عليها تغيير، فبعد أن كان الهدف القضاء على إسرائيل، تغلبت الاعتبارات المؤسساتية الوطنية للدولة، مما أدى إلى تليين الأهداف الأساسية، وحتى التوقيع على اتفاقيات سلام (مصر تحديداً)، كما أن التحدي العسكري «تحت التقليدي» قد طرأ عليه تغيير أدى في نهاية المطاف إلى الدخول في مسار أوسلو، بينما المقاومة الجديدة بلورت إستراتيجية جديدة تقوم على أيديولوجية أن القضاء على إسرائيل هو «واجب ديني شرعي ملزم»، مما اقتضى من إسرائيل إعادة صياغة مقولاتها الأمنية.

في التحدي العسكري التقليدي جرى القتال والحسم، بشكل عام، في المناطق الجغرافية المفتوحة، بينما في المواجهات غير التقليدية بات الداخل الإسرائيلي بمثابة جبهة و«هدف شرعي» «للمقاومة الجديدة».

وفي حين أن نطاق الفترة الزمنية في التحدي التقليدي، كان دائماً قصيرا جداً، فإن الزمن في التحدي العسكري «تحت التقليدي» يستند إلى «استنزاف دائم وليس على مشاهد قصيرة لمواجهات واسعة» وعلى «استمرار العمليات العسكرية وعرقلة رسم تسويات سياسية».

بيد أن ميلشتاين يعاود تحليل هذه المشاهد فيرى أن إستراتيجية الاستنزاف باتت بحد ذاتها سيفا ذا حدين، حيث إنها تستنزف حركات المقاومة نفسها، ولا سيما تلك التي تحولت إلى ما يشبه السلطة، وربما أكثر مما هي تستنزف إسرائيل، ويعتبر ميلشتاين أن عدم إقدام حزب الله على القيام بعمليات عسكرية، بعد حرب 2006، وكذا حماس التي تطبق سياسة مشابهة في قطاع غزة، يدلل على أن هناك «صعوبة كبيرة في الاستمرار في تطبيق إستراتيجية الاستنزاف».

تحدي «المقاومة الجديدة» في المنظور الإسرائيلي
هنا يصل ميلشتاين إلى حدود تقديم مقاربات إستراتيجية تفيد صانع القرار السياسي والعسكري الإسرائيلي، إزاء صياغة أساليب المواجهة مع «المقاومة الجديدة».

بداية يدعو ميلشتاين القيادة الإسرائيلية إلى دراسة وفهم عميقين للواقع الجيوإستراتيجي القائم في المنطقة في إطار تحديها للمقاومة الجديدة، وعليه فعلى القيادة الإسرائيلية التخلي عن عدة فرضيات أساسية كانت سارية بشأن المواجهات مع دول(التحدي التقليدي)، ولكنها لا تتلاءم في معظم المواجهات مع حركات المقاومة (التحدي تحت التقليدي).

أولى هذه الفرضيات أنه بالإمكان تحقيق الحسم الواضح أو المطلق مع «العدو» وهي ليست صالحة لتطبيقها في المواجهة والتحدي مع «المقاومة الجديدة»، وثانية هذه الفرضيات، أن انتقال «العدو» إلى السلطة يؤدي إلى مرونة عملية وأيديولوجية، فما حدث بالنسبة لحماس أن عدم تسلمها للسلطة في قطاع غزة لم يغير من جوهر أيديولوجيتها. أما في الفرضية الثالثة فيرى ميلشتاين أن سياسة إسرائيل باءت بالفشل إزاء تقويضها صورة حركات المقاومة جماهيرياً، وتحميلها تبعات الدمار والضائقة التي تحدث للمواجهات العنيفة.

تبعاً لذلك يوصي ميلشتاين القيادة الإسرائيلية بالتزود بنفس طويل، وهي السياسة التي تستند إليها حركات المقاومة، ويوصي، أيضاً، بعدم احتلال كامل وطويل الأجل لمنطقة تعمل فيها حركات مقاومة، ويعتبر أن تنفيذ عملية عسكرية واسعة نسبياً بوتيرة معركة كل عدة سنوات، يمكن أن يلحق ضرراً كبيرا بحركة المقاومة، إلا أن ذلك يتطلب من القيادة الإسرائيلية إدارة عملية إعلامية دقيقة ووفق خطة منهجية واضحة، وعلى المستويين الداخلي والخارجي.

فداخلياً يتطلب الأمر توجيه رسائل إعلامية تفيد بأنه لا يمكن الوصول إلى حسم وانتصار سريع للجيش الإسرائيلي على خصم كالمقاومة، تخوض حرباًً من نمط مختلف تماماً عما تخوضه الجيوش النظامية.

وخارجياً تستدعي الدعاية الإسرائيلية بث رسائل مفادها أن الخصم «العدو» يعتبر الداخل الإسرائيلي جبهة حرب غير محرمة، الأمر الذي يستدعي الرد عليه من مكان وجوده بين جماهيره، مما يعني تسويغاً إسرائيلياً لسقوط مئات القتلى من المدنيين ويكون المذنب هنا هو «المقاومة الجديدة»، فهي وفقاً لهذا المنطق تحدث خدشاً في «أخلاقيات» الجيش الإسرائيلي.

ويعتقد ميلشتاين أن أياً من هذه الخطوات لا يمكن أن تؤدي بحال من الأحوال إلى إخضاع حركات المقاومة بشكل مطلق، أو إلى إقناعها بفتح حوار مباشر مع إسرائيل، أو الاعتراف بها، لكنها «قد تخلق ردعاً إسرائيلياً يستمر على مدى سنوات طويلة في مجال تنفيذ عمليات عنيفة ضد إسرائيل، وفي مجال إدارة معركة استنزاف طويلة ضدها».

"
يشدد المؤلف على أن تعاظم تحدي المقاومة أوجد تحدياً أمنياً جديداً، وتعاظماً كبيراً في التهديدات التي تواجه العقيدة الأمنية الإسرائيلية التقليدية، الأمر الذي استدعى دق ناقوس الخطر الإسرائيلي بأن خطراً زاحفاً يقترب من الكيان الإسرائيلي، بهدوء وحذر شديدين
"
في رؤيته الاستشرافية، يشدد ميلشتاين على أن تعاظم تحدي المقاومة أوجد تحدياً أمنياً جديداً، وتعاظماً كبيراً في التهديدات التي تواجه العقيدة الأمنية الإسرائيلية التقليدية، الأمر الذي استدعى دق ناقوس الخطر الإسرائيلي بأن خطراً زاحفاً يقترب من الكيان الإسرائيلي، بهدوء وحذر شديدين.

الكتاب بكل تأكيد ليس كتاباً عادياً، يقرأه القارئ ويمضي، بل هو تحليل عميق وفريد من نوعه لحالة المقاومة من وجهة النظر الإسرائيلية، وليس ذلك فحسب، بل إنه يقدم توصيات لكيفية التعامل الإسرائيلي إزاء تحدي المقاومة.

وبعد، هل يمكن أن يشكل هذا الكتاب دافعاً للمقاومات في فلسطين ولبنان لصياغة إستراتيجيات مضادة، عبر العمل على تشكيل مركز بحثي يعنى بالشؤون الإسرائيلية، وتستفيد منه كل المقاومات، بدل أن تقوم بعض مراكز الترجمة الخاصة بالشؤون الإسرائيلية بترجمة الأدبيات الإسرائيلية من سياسة واقتصاد واجتماع، ظناً منها أنها تقوم بدورها في محاولة صياغة أوراق مشورة وبحث لقادة المقاومة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك