عرض/ زياد منى
لا شك في أن غزو القوات الأميركية والبريطانية للعراق في عام 2003 شكل نقلة نوعية في سياسة القوى الاستعمارية مع الدول الضعيفة. ففي الماضي كان هدف الاستعمار نهب الأراضي المستعمَرة وتحويل سكانها إلى خدم للحاكم الجديد (باستثناء حالة فلسطين، حيث كان الهدف منذ البدايات -أي منذ طرح الموضوع في القرون الماضية- هو استبدال غزاة أوروبيين يهود بالسكان العرب أهل البلد)، حيث كان هدفه منذ البداية تفكيك الدولة العراقية على نحو كامل ومن ثم إعادة تركيبها وفق مخطط معد مسبقًا.

ومع أنه صدرت كتب كثيرة عن غزو العراق وخطط الغزاة المحتلين وأكاذيبهم، إلا أن أهمية هذا المؤلف الجديد تكمن في تعامله الموثق، في عشرة فصول وعدد من الملاحق المهمة، مع موضوع محدد هو القضاء على العراق دولة وشعبًا، وتوضيح أن ما حصل من نهب وحرق وتدمير للمؤسسات الثقافية والعلمية تم قصديًا، وليس نتيجة إهمال، كما ادعت قوى الغزو والاحتلال الأميركية والبريطانية.

المدخل

-الكتاب: التطهير الثقافي في العراق (أسباب نهب المتاحف وحرق المكتبات واغتيال الأكاديميين)
-المؤلف: مجموعة من المؤلفين، وتحرير: رمُند بيكر، شيرين إسماعيل، طارق إسماعيل
-عدد الصفحات: 300 
-الناشر: : بلوتو برس - لندن، نيويورك
-الطبعة: الأولى/2010

مقدمة المحررين تقول إن الإدارة الأميركية خططت لتدمير الدولة العراقية، ونفذت ذلك بوعي لأن وجود عراق قوي كان عقبة معطلة لمخططاتها الاستعمارية ومن ذلك إبقاء "إسرائيل" القوة المهيمنة الوحيدة على المنطقة.

ومن هذا المنطلق، كان مخططو الحرب يدركون على نحو كامل وشامل أن تدمير الإرث الثقافي للعراق سيؤدي إلى تدمير الدولة، ومن ثم إلى تحلل شعبها إلى جماعات وطوائف. فقط النفط كان يهمها، لذا أرسلت قواتها للسيطرة على وزارة النفط وغيرها من المؤسسات ذات الأهمية الإستراتيجية، ومنها على سبيل المثال وزارة الداخلية.

ولذا فإن هدف الكتاب هو إثبات -وبأكبر قدر ممكن من الدقة- أن الظروف التي خلقها الاحتلال فتحت الطريق أمام تدمير العراق ثقافيًا، وأن مسؤولية ذلك العمل «المخزي وعديم الأخلاق» تقع على الإدارتين الأميركية والبريطانية.

البدايات
في القسم الأول "صياغة سياسة التطهير الثقافي وتنفيذها" المخصص للخلفية النظرية والمرجعية النظرية، والذي ضم فصلين هما "إنهاء الدولة العراقية" و"التطهير الثقافي ضمن منظور مقارن"، يعود المؤلفون إلى المحفوظات المتوافرة لإثبات أن الإدارة الأميركية وضعت ضمن خطة غزو العراق واحتلاله تدميره كدولة وتحلل شعبه، ثم بدأت باستجلاب ذرائع لنفي أن الأمر كان مخططًا له، وأن "ما جرى" تم عن سبق إصرار وتصميم.

ومن تلك الإثباتات قول نائب وزير الدفاع الأميركي الأسبق بول فولفويتز بعد هجمات 11/09 أن الهدف الرئيسي للسياسة الخارجية الأميركية يكمن في «القضاء على» الدول التي تدعم الإرهاب، ومن ثم وصف العراق بأنه دولة إرهابية يجب القضاء عليها.

تدمير الدولة سياسة ثابتة
يربط المؤلفون بين مصير العراق على أيدي قوات الغزو الأميركية والبريطانية وما حدث في أمكنة أخرى في العالم، ومن ذلك أميركا اللاتينية على أيدي "فيالق الموت"، وممارسات الحركة الصهيونية في فلسطين قبل اغتصابها عام 1948 وبعد ذلك، وكذلك في البوسنة على أيدي القوات الصربية والكرواتية.

ومن الأدلة التي يجلبها المؤلفون على الارتباط بين مختلف المشاريع الأميركية ظهور جيمس ستيل -الذي خطط لعمليات القوات الخاصة في السلفادور خلال الحرب الأهلية التي راح ضحيتها نحو 70000 روح، قضى 85% منهم على أيدي قوات تدعمها الولايات المتحدة، وذلك وفق تقارير لجنة خاصة للأمم المتحدة– في العراق المحتل مستشارًا لوزير داخلية حكومة الاحتلال التي ارتبط اسمها بفيالق الموت العراقية، كما أن المذكور خدم مستشارًا لـ"قوات مكافحة الإرهاب" وقوات "الشرطة الخاصة" التي أسسها وزير الداخلية حينذاك فلاح النقيب في وزارة إياد علاوي.

ولذا ليس ثمة من شك في أن قوات وزارة الداخلية ومنظمة بدر التابعة لـ"المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق" و"فيلق الذئب" التابع للوزارة، تقف وراء اغتيال العلماء العراقيين، وانضم إليها عام 2007 ما يسمى "قوات الصحوة" لتعميق الانشقاق المذهبي والطائفي في البلاد. وهدف هذا كله تدمير البنى التحتية للبلاد، تمامًا كما تفعل "إسرائيل" بحق الشعب الفلسطينـي في "الضفة" وغزو "القطاع" في نهاية عام 2008 حيث أسست الأخيرة، بالتنسيق والدعم الكامل للولايات المتحدة، قوات خاصة بقيادة محمد دحلان.

المشاركة الإسرائيلية/"الكردية"

"
العلاقة بين إسرائيل والأكراد في العراق تعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي، أسسها روبين شيلوه من "الوكالة اليهودية" عندما التقى ممثلي عشيرة البارزاني وأسس لعلاقات مع مختلف القوى الكردية
"
المؤلفون يقدمون معلومات مهمة عن مشاركة "إسرائيل" في عملية القضاء على العراق، حيث ساهمت مساهمة مباشرة في تدريب قوات البشمركة بدءًا من عام 2003، وأمدت مختلف القوى الكردية/العراقية -باستثناء حزب العمال الكردستاني المتعاطف مع القضية الفلسطينية- بالمعونة بهدف اختراق القوى السنية والشيعية المناهضة للاحتلال، ولوضع أجهزة تجسس ومراقبة المؤسسات النووية الإيرانية.

لكن الكتاب حسم أن العلاقة بين الطرفين تعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي، وأسسها روبين شيلوه من "الوكالة اليهودية" عندما التقى ممثلي عشيرة البارزاني وأسس لعلاقات مع مختلف القوى الكردية.

ويضيف المؤلفون أن الموساد أسهم في تأسيس وكالة الاستخبارات الكردية (باريستان) بالتعاون مع مسعود البارزاني، وفق اعتراف ابنه عبيد الله، ومن قبله مناحيم بيغن في عام 1980.

التدمير المبرمج
مع أن الأرقام باردة برود الموت، إلا أنه يمكن -بقليل من الخيال- توظيفها لتصور مدى الدمار الذي ألحقه الغزو الأميركي/البريطاني لهذا البلد العربي المنكوب.

- سرقة 15000 قطعة أثرية من المتحف الوطني العراقي، تحت سمع قوات الغزو والاحتلال وبصرها.

- سرقة كثير من القطع الأثرية من الاثني عشر ألف موقع أثري في العراق.

- إحراق وتدمير ونهب 84% من المؤسسات التعليمية العليا العراقية.

- ثمة حاجة إلى إعادة تأثيث ألفي معمل، وثمة نقص في الحواسيب مقداره 30000 جهاز.

- بين يناير/كانون الثاني وأكتوبر/تشرين الأول 2007، تم تهجير مليون عراقي إلى سورية، إضافة إلى نصف مليون نسمة هجروا إليها في عام 2006. ويضاف إلى ذلك 750000 إلى الأردن، 70000 إلى مصر، 60000 إلى إيران، 30000 إلى لبنان، 200000 في الخليج، 100000 إلى أوروبا و(463) إلى الولايات المتحدة!، عدا عن التهجير الداخلي الذي بلغ مقداره نحو خمسة ملايين عراقي.

- عدد القتلى أكثر من مليون روح.

- معظم المهجرين من الطبقة الوسطى التي شكلت جوهر التعاضد الوطني العراقي.

"
تحت سيطرة الاحتلال الأميركي على العراق، تم اغتيال أكثر من أربعمائة أكاديمي بمرتبة أستاذ على أيدي قوات اغتيال متخصصة، ولم يلق القبض على أي قاتل منهم، بينما وصل عدد الأكاديميين العراقيين المعتقلين أو الذين أجبروا على مغادرة وطنهم إلى نحو 2500 عالم
"
- اغتيال أكثر من أربعمائة أكاديمي بمرتبة أستاذ على أيدي قوات اغتيال متخصصة، ولم يلق القبض على أي قاتل منهم، بينما وصل عدد الأكاديميين العراقيين المعتقلين أو الذين أجبروا على مغادرة وطنهم إلى نحو 2500 عالم.

- قانون "اجتثاث البعث" أدى إلى جعل نحو نصف مليون عسكري محترف عاطلين عن العمل.

- المدعو عدنان مكية استولى على أرشيف حزب البعث من مقر الحزب في عام 2003، ونقله إلى بيته الواقع في "المنطقة الخضراء" ومن ثم نقله إلى الولايات المتحدة.

- سرقة نسخة توراة عمرها نحو أربعمائة سنة من الموصل وتفكيكها إلى أوراق ومن ثم عرضها للبيع في الغرب.

- فرضت قوات الاحتلال مناهج دراسية تخلو من أي نقد لسياساتها ومن أي إشارة إلى عدوان إسرائيل.

- نقل أرشيف اليهود العراقيين بأكمله إلى الولايات المتحدة.

- تدمير نحو 60% من الأرشيف العثماني/الهاشمي الخاص بالعراق.

- أول ألف مطرود من العمل بموجب قانون "اجتثاث البعث" عام 2004 كانوا أساتذة ومعلمين. هذا "القانون" أدى بداية إلى طرد 120000 موظف من مختلف المستويات.

- عدد الأساتذة الذين اغتيلوا فقط في جامعتي البصرة وبغداد وصل إلى 500 عالم. والاغتيالات لم تكن طائفية وإنما قومية (أغلب الضحايا عرب).

- قناة الجزيرة تحدثت عن مقتل ألف عالم حتى أبريل/نيسان 2004.

الاغتيالات ونتائجها وتأثيرها في نفوس الأكاديميين
بعض نتائجها النفسية في الوسط العلمي يلخصه المؤلفون فيما يلي:

- كل الأساتذة يعانون الخوف من القتل/الموت.
- 91% منهم يعانون الخوف من موت مؤلم.
- 81% منهم يعانون الخوف على مصير الأحبة والأقارب.
- 72% يخشون التحلل الجسدي المرافق للموت البطيء.
- 69% يخشون من موت مؤلم للغاية.
- 66% يرون أن الموت موجود في كل الأمكنة.
- 66% يشعرون بالرعب من رؤية جثمان قتيل.
- 66% يعانون هوس القتل في أي لحظة.
- 53% يفكرون في مصيرهم.
- 53% يفضلون عدم زيارة صديق يحتضر.
- 50% يعملون على تفادي الموت أيًا كان الثمن.
- 47% يفكرون في الموت قبل الذهاب إلى النوم.
- 38% يرون أن الموت أفضل من حياة مؤلمة.
- 31% خائفون جدًا من الموت.

خاتمة وملاحظة لا بد منها
ألحق المؤلفون بكتابهم -الذي أهدوه إلى أستاذ الجيولوجيا في جامعة بغداد ورئيس رابطة المعلمين الجامعيين عصام الراوي، الذي أسس تسجيلاً بأسماء الأساتذة وأهل الاختصاص الذين اغتيلوا منذ احتلال قوات الغزو الأميركية والبريطانية العراق، والذي اغتيل هو بدوره يوم 30/10/2006- فصلا عن وضع الأقليات القومية والدينية العراقية تحت الاحتلال.

كما ألحق المؤلفون به قائمة بأسماء نحو أربعمائة أكاديمي عراقي سقطوا على أيدي مختلف العصابات في بغداد والمستنصرية والبصرة والأنبار والموصل وكربلاء وديالا والنهرين والقادسية وتكريت وبعقوبة والفلوجة والكوفة والرمادي وكركوك والمثنى.

"
الكتاب مهم ليدرك العرب مدى الكارثة التي لحقت بذلك القسم من وطننا وشعبه الذي لم يتوان يومًا عن المشاركة الصادقة في معارك أمتنا
"
لكن لابد هنا من إيراد الملاحظة الآتية التي رأينا أنه من غير الممكن السكوت عنها. ورد في الفصل الخامس بقلم السيد نبيل التكريتي الاقتباسان «1191 لبنانيا قضوا بسبب أعمال عنف في صيف عام 2006»، و«الفلسطينيون والإسرائيليون الذين قضوا في أعمال عنف محلية منذ اندلاع الأزمة الطائفية في عام 2001». لقد أثارت هاتين المقولتين استنكارنا واستغرابنا لورودها في هذا الكتاب المخصص أصلاً لإدانة العدوان الأميركي/البريطاني بمشاركة "إسرائيل" على العراق.

الشهداء اللبنانيون لم يسقطوا بسبب أعمال عنف اندلعت هناك وإنما كانوا ضحايا عدوان صهيوني مدعوم أميركيًا، على الأقل. كما أن الشهداء الفلسطينيين لم يسقطوا في أعمال عنف محلية مرافقة لأزمة طائفية. وعيب أن يصدر هكذا كلام في هذا الكتاب.

وإذا كنا نعبر عن عميق سرورنا لابتياع دار نشر مصرية حقوق ترجمته ونشره بالعربية، فإننا نأمل أن يفرض الناشر العربي إزالة تلك المقاطع المعيبة والمضرة بالكتاب وبقضايانا العادلة.

مع ذلك، الكتاب مهم ليدرك العرب مدى الكارثة التي لحقت بذلك القسم من وطننا وشعبه الذي لم يتوان يومًا عن المشاركة الصادقة في معارك أمتنا.

كما أننا افتقدنا في الكتاب أي إشارة إلى دور حكومات عربية في دعم غزو العراق واحتلاله وتدميره وتفكيك شعبه، ومسؤولياتها عما يجري في ذلك البلد المنكوب, ولا حول ولا قوة إلا بالله.

المصدر : الجزيرة

التعليقات