عرض/حسين عبد العزيز

قد تصاب أمة في لحظة من تاريخها بالكبو، فتنتكس حركة التراكم والتقدم فيها، وربما تنقلب على الأعقاب، فتذوي فيها روح الإبداع وتسقط حركتها في الاجترار، بعد أن كانت في قلب الحضارة والمدنية.

ذلك ما حصل للأمة الإسلامية ومشروعها الإسلامي في تواريخها المختلفة، لكن الفكرة العليا التي صنعت الأمة وصنعت لها حضارة وسلطانا في التاريخ لا تزال حية في أذهان قسم من أبنائها.

يبحث الكتاب في القضايا الأساسية التي تشكل مادة للمشروع النهضوي العربي، الوحدة العربية، والديمقراطية، والتنمية المستقلة، والعدالة الاجتماعية... إلخ.

في ضرورة النهضة

-الكتاب: المشروع النهضوي العربي
-إعداد: مركز دراسات الوحدة العربية
-عدد الصفحات : 128
الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت
-الطبعة: الأولى/ 2010

دخل الوطن العربي في العقود الثلاثة الأخيرة طور تراجع عام في كافة الأصعدة، وتفاقمت معطيات هذا التراجع على نحو لا سابق له، ومن مظاهر هذا التراجع كما يرى الكتاب:

ـ مظهر تداعيات الهزائم العسكرية أمام الأعداء الخارجيين في السياسات الرسمية العربية، وبناء هذه السياسات على أساس التسليم بتلك الهزائم كأمر واقع، وإلى تلك التداعيات يعود تفسير ظواهر سلبية سياسية بالغة الخطورة مثل التنازلات عن الثوابت، والتفريط في الحقوق، وإسقاط الخيار الدفاعي.

ـ مظهر التدهور المروع في معدلات النمو الناجم أولا عن فساد السياسات الاقتصادية الرسمية، وعن الانتقال الموجه إلى الاقتصاد الحر دون ضوابط، وما استتبعه ذلك من بيع ممتلكات الدولة والشعب إلى أفراد خرج أكثرهم من رحم فساد القطاع العام.

ويرى الكتاب أن هذا الفساد أدى بشكل مباشر إلى البطالة المتزايدة، والتهميش الاجتماعي، والفقر المتفاقم، وتدهور مركز الطبقة الوسطى، وإفراغ الأرياف من ساكنيها وترييف المدينة.

ـ مظهر تزايد وتائر الاستبداد والتسلط في النظم السياسية العربية، وانعكاسهما إهدارا متعاظما للحريات العامة وحقوق الإنسان، بحيث أصبحت الحياة السياسية العربية تعاني انسدادا خطيرا.

ويرى الكتاب أن العرب أدركوا تأخرهم الحضاري مقارنة بالأمم الأخرى، وعملوا منذ وقت مبكر على إدراك النهضة سواء في تجربة محمد علي أو في تجربة عبد الناصر، لكن هاتين التجربتين النهضويتين قد باءتا بالفشل لأسباب عديدة:

بالنسبة لتجربة محمد علي، هناك ثلاثة أساب رئيسية:
1- فشل فكرة الثورة العربية وتجربتها واصطدامها بزيف الوعود البريطانية بقيام الدولة العربية في حال تحالفت الحركة العربية مع بريطانيا في الحرب ضد تركيا. وبدلا من أن تقوم الدولة العربية سقطت الأقاليم العربية في قبضة الاحتلال.

2- ما حدث بعد ذلك من تمزيق كياني لأوصالها الجغرافية والبشرية على نحو قاد إلى تجزئتها إلى دويلات قطرية.

3- تراجع الفكر الاجتهادي الإصلاحي منذ مطلع القرن العشرين، بعد غياب محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي وانقلاب محمد رشيد رضا على الإصلاحية الإسلامية مع بداية تنظيره للخلافة الإسلامية على حساب الدولة الوطنية، وطال هذا التراجع الفكر الليبرالي ذاته، وتعد محاكمة كتاب طه حسين في الأدب الجاهلي وكتاب الإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرازق مثالا على ذلك الهجوم.

"
المآلات التي آلت إليها تجارب النهضة السابقة لا ينبغي أن تحجب عنا ما راكمته من مكتسبات، فلا أحد يستطيع أن ينفي أن الحقبة الليبرالية نبهتنا إلى أهمية قضايا الحرية والدستور والتمثيل النيابي، وأن الحقبة القومية نبهتنا إلى الوحدة والاستقلال الوطني
"
أما بالنسبة لتجربة عبد الناصر، فيورد الكتاب عدة أسباب:

1- مجابهة القوى الإمبريالية والصهيونية التي نجحت في إلحاق ضربتين موجعتين به الانفصال عام 61 وحرب حزيران عام 67 .

2- تأجيل عبد الناصر مطلب الديمقراطية، واعتبارها دون قضية التنمية أولوية، وبالتالي استبعاده قطاعات واسعة من الشعب عن المشاركة السياسية.

3) قيامه على كاريزما الزعيم وغياب نظام المؤسسات، الأمر الذي ذهب بالمشروع بعد رحيله.

4) الصراع الذي نشب بين المشروع الناصري وقوى الإسلام السياسي.

ويرى الكتاب أن المآلات التي آلت إليها تجارب النهضة السابقة لا ينبغي أن تحجب عنا ما راكمته من مكتسبات، فلا أحد يستطيع أن ينفي أن الحقبة الليبرالية نبهتنا إلى أهمية قضايا الحرية والدستور والتمثيل النيابي، وأن الحقبة القومية نبهتنا إلى الوحدة والاستقلال الوطني، وأن التيار اليساري قدم مساهمة رائدة في بناء رؤية نظرية لمسألة الاشتراكية والتوزيع العادل للثروة.

الوحدة
الوحدة ضرورة حيوية ووجودية للأمة العربية، وليس مصدر هذه الضرورة ما يقوم بين العرب من عوامل الاشتراك في اللغة والقيم الثقافية والموروث التاريخي والحضاري فحسب، بل تفرضها عليهم المصلحة المشتركة: تحديات الحاضر والمستقبل في ميادين التنمية الاقتصادية والعلمية والأمن القومي وضرورات البقاء.

ويوضح الكتاب أن ثمة سببين رئيسيين للوحدة العربية لا سبيل إلى إنكارهما:

أولهما، الفشل الذريع الذي منيت به الدولة القطرية في الجواب عن معضلات التنمية والأمن والتقدم الاجتماعي، وهو فشل ناجم بحسب الكتاب عن تكوينها وعن محدودية مواردها الاقتصادية وقواها البشرية.

وثانيهما، الوطأة الشديدة للتحديات الجديدة التي أطلقها زحف العولمة في العالم، وقلبها تحدي الإطاحة بالحدود وإلحاق اقتصاديات العالم بالمراكز الرأسمالية الغربية، وإفقاد تلك الاقتصاديات دفاعاتها الذاتية ضد الاستباحة الخارجية.

يؤكد الكتاب أن التجربة التاريخية أثبتت أن الدولة القطرية لا يمكن أن تزول من الوجود لمجرد أن معظمها نشأ نشأة غير شرعية نتيجة لفعل التجزئة، ولا لمجرد وجود إرادة وحدوية في زوالها، ذلك أن هذه الدولة نجحت في بناء بعض من شرعيتها (شرعية الأمر الواقع).

كما أن الفكرة القومية التقليدية عن الوحدة العربية الذاهبة إلى استهداف الدولة القطرية، لم تقدم شيئا للمشروع الوحدوي، ولا فتحت أفقا أمام تحقيقه، ولقد آن الأوان بحسب الكتاب لإعادة النظر في ذلك الموقف التقليدي من الدولة القطرية على قاعدة الاعتراف بها والمصالحة معها ككيان واقعي، والانطلاق في العمل الوحدوي منها كمادة وليس على أنقاضها، مثلما آن الأوان للتسليم بقاعدة جديدة في المشروع القومي التوحيدي، مقتضاها أن وحدة الكيان القطري مدخل نحو الوحدة العربية، وليس العكس.

"
كلما أحرزت الدولة القطرية تقدما نحو توحيد كيانها وتحقيق التنمية الاقتصادية والعلمية، وتوزيع الثروة توزيعا عادلا، وبناء أسس حياة ديمقراطية، وحفظ أمنها، توافرت لمشروع الوحدة العربية مقدماته التحتية الضرورية
"
إن المبدأ الذي يؤسس هذه الرؤية بحسب الكتاب، هو أنه كلما أحرزت الدولة القطرية تقدما نحو توحيد كيانها وتحقيق التنمية الاقتصادية والعلمية، وتوزيع الثروة توزيعا عادلا، وبناء أسس حياة ديمقراطية، وحفظ أمنها، توافرت لمشروع الوحدة العربية مقدماته التحتية الضرورية.

ويتوقف الكتاب هنا عند مسألة على غاية من الأهمية، وهي أن الإطار الكياني والدستوري للدولة العربية القومية الموحدة، لا يكون صيغة الدولة القومية الاندماجية، وإنما صيغة الدولة القومية الاتحادية، ذلك أن الدولة الاندماجية قد توحي بأنها تفترض إلغاء كاملا للكيانات القطرية، وهذه حالة لا تبدو شروطها ممكنة في الأفق، وقد لا يقيض لها النجاح، أما الدولة الاتحادية فتقوم من اجتماع الكيانات العربية القائمة وتراضيها على مؤسسات اتحادية تنتقل إليها السلطة الجامعة مع استمرار سلطاتها المحلية.

الديمقراطية
إن ما يميز المشروع النهضوي الجديد الذي يقدمه هذا الكتاب، هو مضمونه الديمقراطي، ذلك أن الديمقراطية ضرورة تاريخية لأسباب ثلاثة:

ـ أولا لكونها حقا عاما للشعب والأمة، فهي ليست ترفا سياسيا يطلبه المواطنون.

ـ وهي ضرورة ثانيا، لأنها الوسيلة المثلى لإطلاق طاقات المجتمع والشعب، وتحريرها من السلبية والتواكل، والزج بها في معركة البناء الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

ـ لأنها القاعدة التي تبنى عليها العلاقة بين الدولة والمجتمع، فحين لا تستقيم العلاقة بين الدولة والمجتمع، يشعر المواطن بأنه محض رعية للسلطان، وتنشأ أسباب الاحتقان والاضطراب.

إن الديمقراطية نظام شامل للحكم لا تقبل تجزئة عناصرها، ولا يوصف نظام سياسي بأنه ديمقراطي إلا متى اجتمعت فيه المبادئ كافة التي تقوم عليها الديمقراطية كنظام سياسي، وهذه المبادئ هي:

ـ الحرية، حرية الرأي والتعبير والنشر والتنظيم... إلخ.

ـ التعددية السياسية والحق في المشاركة، أي إقامة السياسة على مقتضى الحق العام.

ـ النظام التمثيلي المشمول بالضمانات القانونية والدستورية.

"
لا يكفي من منظور المشروع النهضوي، أن ينصرف النضال من أجل الديمقراطية إلى النضال من أجل ديمقراطية الدولة فقط، بل ينبغي أن ينصرف في الوقت نفسه إلى النضال من أجل ديمقراطية المجتمع
"
ـ إقامة النظام السياسي على قاعدة الفصل بين السلطات واحترام استقلالية القضاء.

ـ التداول الديمقراطي للسلطة.

ـ نظام اجتماعي اقتصادي عادل يتمتع فيه المواطنون بحقوق متساوية.

ليست الديمقراطية نظاما سياسيا أو نظاما للدولة فحسب، وإنما هي أيضا نظام اجتماعي، ولا يكفي من منظور المشروع النهضوي، أن ينصرف النضال من أجل الديمقراطية إلى النضال من أجل ديمقراطية الدولة فقط، بل ينبغي أن ينصرف في الوقت نفسه إلى النضال من أجل ديمقراطية المجتمع.

وقد يكون من باب أولى أن يقال في هذا الباب، إنه كلما تقدمت العلاقات الديمقراطية داخل المجتمع، تعاظمت فرص قيام النظام السياسي الديمقراطي.

التنمية المستقلة
التنمية المستقلة التي ينادي بها المشروع النهضوي هنا ليست ضربا نظريا غير عقلاني، ولا نوعا من الحنين إلى الماضي، وهذا الخطأ ناجم عن فرضيتين مغلوطتين عن التنمية الاقتصادية: أولاهما افتراض أن التنمية المستقلة تعني الانقطاع عن العالم، وهو ما لم يطالب به أحد، وثانيتهما افتراض أن إدماج الاقتصادات النامية في السوق العالمية بشكل مطلق يمكن أن يؤدي إلى تنمية حقيقية.

إن الكتاب يؤكد أن استقلالية التنمية لا تعني العزلة أو القطيعة الكاملة مع العالم، فهذه ليست من الأمور الممكنة، فضلا عن أنها تجافي المنطق الاقتصادي، وإنما جوهر استقلالية التنمية هو توفير أكبر قدر من حرية الفعل للإرادة الوطنية المستندة إلى تأييد شعبي حقيقي في مواجهة عوامل الضغط التي تفرزها آليات الرأسمالية.

ويقدم الكتاب مبادئ ناظمة للتنمية المستقلة، هي:

ـ تحرير القرار التنموي القطري والقومي من السيطرة الأجنبية.

ـ اعتماد مفهوم واسع للرفاه الإنساني كغاية تنموية.

ـ إنشاء نسق مؤسسي فعال موجه نحو التكامل القومي وصولا إلى ما يمكن تسميته منطقة مواطنة حرة عربية.

ـ الانفتاح الإيجابي على العالم المعاصر، بغرض الاستفادة من أفضل منجزات البشرية.

ـ إقامة مجتمع المعرفة، ذلك أن المعرفة من العناصر الجوهرية للتنمية الحقيقية، وهي مصدر أساسي للقيمة في العالم المعاصر إلى جانب تراكم الأصول الإنتاجية.

العدالة الاجتماعية
لا يمكن للعدالة الاجتماعية من المنظور النهضوي الذي يقدمه الكتاب أن تتحقق إلا إذا أعيد للدولة اعتبارها في الميدان الاقتصادي والاجتماعي، وتدخلها الحاسم في وضع سقوف لملكية وسائل وأدوات الإنتاج لاتصال ذلك بالعدالة في تلبية الحقوق الاجتماعية.

إن سيطرة الشعب على كل أدوات الإنتاج لا تستلزم تأميم كل وسائل الإنتاج، ولا تلغي الملكية الخاصة، ولا تمس حق الإرث الشرعي المترتب عليها، ويمكن الوصول إلى ذلك بطريقتين:

أولاهما: خلق قطاع عام قوي وقادر يقود التقدم والتحديث في جميع المجالات.

ثانيتهما: وجود قطاع خاص وطني يشارك في عملية التنمية في إطار الخطة الشاملة للدولة دون استغلال العاملين والمستهلكين.

"
لا يمكن للعدالة الاجتماعية أن تتحقق إلا إذا أعيد للدولة اعتبارها في الميدان الاقتصادي والاجتماعي، وتدخلها الحاسم في وضع سقوف لملكية وسائل وأدوات الإنتاج لاتصال ذلك بالعدالة في تلبية الحقوق الاجتماعية
"
كما يجب أن تكون المرافق الرئيسية المساندة لعملية الإنتاج في نطاق الملكية العامة للشعب.

لكن تطبيق هذه الرؤية يستلزم منظومة سياسات، يأتي على رأسها ما يلي:

ـ سياسات الإنتاج السلعي الرأسمالي والاستهلاكي وتسعيرها بهدف إمداد الجمهور بالسلع والخدمات الأساسية.

ـ سياسات الأجور والأسعار التي تقوم على تأمين حق العيش الكريم، ومنه الحق في الحصول على عمل والحق في أجر عادل لقوة العمل.

ـ إعادة توزيع الدخول من خلال السياسات المالية والاجتماعية المناسبة بما يحد من الاستقطاب الطبقي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك