عرض/ ثائر دوري

صدر ضمن احتفالية الدوحة عاصمة للثقافة العربية 2010 عن وزارة الثقافة والفنون والتراث في قطر ترجمة لكتاب "عروق القدس النازفة"، وهو كتاب شارك فيه عدد كبير من الكتاب (منير العكش, إسرائيل شاحاك, كارين آرمسترونغ, نصير عاروري, رشيد خالدي, سارة روجرز, فؤاد مغربي, عيسى بلاطة,  جبرا إبراهيم جبرا , لين روجرز, هذر سيبرز).

صناعة القيامة
يُصدر منير العكش هذا الجزء من الكتاب باستشهادات محملة بالفكر القيامي الأميركي فعضو الكونغرس سام جونسون يصرخ في 19 فبراير/شباط 2005 وسط تصفيق حاد "كم أتمنى أن أحمل طائرة مقاتلة من نوع أف 15 برأسين نوويين وأقودها طلعة واحدة نتخلص بعدها نهائيًّا من كل ما اسمه سوريا".

-الكتاب: عروق القدس النازفة
– المؤلف: منير العكش وآخرون
-ترجمه: منير العكش, شارك في تحرير النسخة الإنجليزية فؤاد مغربي
- الناشر: وزارة الثقافة والفنون والتراث، قطر
-الطبعة: الأولى/2010
يعرض العكش العقيدة القيامية الأميركية التي تهدد بإفناء العالم أجمع وخاصة نحن العرب فيُشرّح فكرة أميركا، التي نهضت على خمسة مبادئ أساسية سبق أن فصّلها الكاتب في أعماله السابقة، وهي:

1- المعنى الإسرائيلي لأميركا.
2- عقيدة الاختيار الإلهي والتفوق العرقي والثقافي.
3- الدور الخلاصي للعالم.
4- قدرية التوسع اللانهائي.
5- حق التضحية بالآخر.

ظلت هذه المبادئ تتناسل وتتناسخ من جيل إلى جيل، ومن عصر إلى عصر مبدلة أشكالها دون أن تبدل جوهرها، ففكرة أميركا كما تزعم هذه العقيدة تجسد مشيئة الله في أرض كنعان الجديدة (أميركا) كما جسدت إسرائيل مشيئة الله في أرض كنعان القديمة (فلسطين). وإن الله قد منح المستوطنين الإنجليز والصهاينة حق الاضطلاع بتنفيذ إرادة الله ويحق لهم معاملة السكان الأصليين بعيدًا عن القوانين الأخلاقية والإنسانية بل انطلاقًا من عقائد عبرية نسجوها من تجربتهم مع الكنعانيين.

إن كل بلاغيات العنف الأميركي تستمد لغتها واستعاراتها من "فكرة إسرائيل"، فرمز "مدينة على جبل: أورشليم، يعتبر من أقدس الرموز فهو يماثل بين أميركا وبين أورشليم الجديدة عاصمة مملكة الله التي ستبنى فوق أنقاض مدينة القدس في آخر الزمان كما بنيت مدينة واشنطن فوق المدينة الهندية نكن شتنكه". يقول العكش: "إن أورشليم هي حجر رشيد كل اللغة الهيروغليفية التي كتبت بها النصوص والخطب والإستراتيجيات الجيو/ قيامية حيثما رست سفن شعب الله المختار الإنجليزي".

ونشاهد صورة بين صفحات الكتاب لناخبين متحمسين لجورج بوش الابن يحملون لافتة تقول "انتخبوا بوش لأن انتظاركم للقيامة لم يعد محتملاً". وذلك يعني أن وجوب صناعة القيامة، بيد الرؤساء وبواسطة القنابل الذرية المحمولة بطائرات الجيش الأميركي، عقيدة مسيطرة على غالبية الشعب الأميركي، وهي تتمحور على وجوب تدمير القدس من أجل بناء مملكة الرب أورشليم الجديدة، وهنا مكمن الخطورة على العرب، فهم الكنعانيون الذين تجب إبادتهم كي تنهض مملكة الرب.

ووسط هذا الهذيان القيامي هناك مصالح الشركات الاحتكارية التي تريد السيطرة على نفط العرب، وعلى أرضهم، وتريد قصفهم كي تقبض ثمن القنابل التي تلقيها عليهم. إن امتزاج عقيدة صناعة القيامة مع مصالح الشركات الاحتكارية يهدد بإفناء العرب والعالم.

والحمى القيامية حسب العكش تتبدى في خطاب الرئيس بوش عن "محور الشر"، فهذه اللغة التي تعمم صفات الخير والشر على أمم بأكملها لا تقبل بأقل من محق الخصم. وهذه الحمى القيامية الطافحة مصدرها سفر الرؤيا "الذي اعتمدته الصهيونية الأنجلوساكسونية على مدى قرون طويلة في رسم مشروعات دمار بابل ومشروع" إعادة يهود العالم إلى أرض آبائهم وإنزال القدس الجديدة من السماء.

"
عقيدة صناعة القيامة بيد الرؤساء وبواسطة القنابل الذرية المحمولة بطائرات الجيش الأميركي، عقيدة مسيطرة على غالبية الشعب الأميركي، وهي تتمحور على وجوب تدمير القدس من أجل بناء مملكة الرب أورشليم الجديدة
"

إن الرؤيا المتجذرة داخل الأنجلوساكسون الذين يحكمون أميركا هي أنهم إسرائيليون قاموا بغزو العالم الجديد (أرض كنعان) وتطهيره من أهله (الكنعانيين الهنود)، ومن هنا التطابق بين أميركا وإسرائيل الذي لا يفهمه كثير من العرب حتى اليوم، فالأمر أكبر من مجرد مصالح اقتصادية، رغم أهمية المصالح الاقتصادية.

إن العلاقة بين الكيان الصهيوني في فلسطين وبين أميركا هي مزيج من تداخل الأساطير الدينية مع العقائد القيامية مع مصالح الاحتكارات. فالرئيس ريغان كان ينام ويصحو على اعتقاد أنه من الجيل الذي سيشهد حدوث حرب مجدو القيامية.

يقول العكش: "هذا الخطر المعلق على رقبة كل فلسطيني وعربي لا ينبثق من فكرة إسرائيل نفسها وحسب، أو من التزامها الحتمي بطقس العنف المميت. بل أيضا من تناصها مع فكرة أميركا، وولوعها في البنية الثقافية والدينية والتاريخية وفي النزعة الرأسمالية المتوحشة للأنجلوساكسون على طرفي المحيط، ومن انضوائها تحت جناح قوة استعمارية عظمى وإغوائها بدور "الدولة الأم" التي توفر العنف اللازم لاحتلال الأرض واستبدال شعب بشعب وثقافة بثقافة".

عقدة الزواحف
الفصل الثاني من الجزء الذي كتبه العكش وسماه "عقدة الزواحف" هو محاولة للإجابة عن أسئلة من نوع: لم كل هذا العنف؟ لم كل هذا التعطش للدم والقتل؟ لماذا يجب أن تكون القيامة ماحقة، مرعبة، مدمرة؟

يشرح الكاتب أن دماغ كل واحد منا مكون من ثلاث طبقات نشأت تباعًا في مراحل مختلفة من التطور آخرها قشر الدماغ الذي نشأ مع نشوء الحضارة. في البداية كان وجود الإنسان مهددًا بالزواحف الكبيرة، أما بعد نشوء الحضارة على ضفاف نهري النيل والفرات، فقد صار مهددًا بالزواحف البشرية.

وصاحب هذه النظرية هو بول مكلين الذي يميز بين ثلاثة أنواع من الحوافز لدى الإنسان أقدمها مشترك بين الإنسان والزواحف والثدييات، وهذا الحافز يتحكم في سلوك العنف والوحشية وصناعة القيامات. كما يوقظ في بعضنا في لحظة العدوان والغضب غرائز الزواحف.

يقول العكش: "بهذا التقسيم التطوري للدماغ يفسر مكلين كيف تنهار كل إنسانية الإنسان أمام دم الضحية، وتعلن عن إخفاقها وزيفها. إن معظم الزواحف ذات دم بارد يجعلها تنام في النهار، وتسعى إلى فريستها في الظلام. فهي ترى لكنها لا ترى بشاعتها في المرآة، وهي تبصر لكن مسرح البصر لديها "أشياء متشابهة" من الألوان... إنها مثل كمبيوترات الصواريخ الموجهة وغرف العمليات الحربية الحديثة وقاذفات القنابل، ومثل تجار الموت والحروب والقيامات، لا تملك قلبًا يخفق ولا ضميرًا يتعذب".

"
كانت الهزائم المتلاحقة أمام مدنياتنا الإنسانية تزيد المتسيبين تراصًّا وتقوقعًا وافتراسًا للمنطق وولوغًا في عقدة الزواحف، كما كانت تزيدهم إيمانًا وتعلقًا بمجيء المسيا الذي سيبتلع المتبقي من لحم المنطق، ويقيم لهم مملكة الزواحف
"
إن كل نصوص التوراة تدل على أنهم قوم أجلاف قساة عنيفون مسكونون بعقدة الزواحف وتتلخص كل نصوصهم في عقائد لعن الحضارة والحياة الحضرية بدءًا من رموزها الزراعية، وتمجيد الذكورة والتشنيع على الأنوثة، لذلك كان حقدهم عظيمًا على بابل التي استطاعت أن تُحضر البشر وتحررهم من عقدة الزواحف. فإلههم (كما تظهره أعمالهم) "كان يغار من الحياة ومن نعيم الحضارة، ويغار ممن يحب الحياة ونعيم الحضارة، ولهذا ترك لنا أول كتاب عملي في الحروب المقدسة وأول أيديولوجية حربية تنسب أطماع الناس وعاهاتهم الخلاقية إلى إرادة الله".

إن حقد هؤلاء الرحل الأجلاف على الحضارة لا نهاية له. يقول العكش: "كانت الهزائم المتلاحقة أمام مدنياتنا الإنسانية تزيد المتسيبين تراصًّا وتقوقعًا وافتراسًا للمنطق وولوغًا في عقدة الزواحف، كما كانت تزيدهم إيمانًا وتعلقًا بمجيء المسيا الذي سيبتلع المتبقي من لحم المنطق، ويقيم لهم "مملكة الزواحف" التي يطردها كاهن إلى السماء ويردها محارب إلى الأرض".

إسرائيل دولة دينية أم علمانية
إسرائيل شاحاك يكتب عن "القدس، الهيكل، اليهود". وكتابته تُركز على الطابع اللاديني لليهود المعاصرين، وتحللهم من ميراثهم اليهودي حيث إن 19% فقط من اليهود الإسرائيليين يؤدون الصلاة يوميًّا، و19% يرفضون دخول الكنيس نهائيًّا احتجاجًا على الديانة اليهودية الأرثوذكسية. ثم يفكك الخطاب الصهيوني العلماني الذي يستخدم الدين اليهودي غطاء لتمرير برامجه.

يناقش كارن آرمسترونغ فكرة قداسة القدس ويتساءل: هل هي مزية أم بلية؟

ويناقش نصير حسن عاروري التشويه الذي تتعرض له حقيقة القدس في أميركا. فكل مرشح طامح إلى مجلس الشيوخ عليه أن يركب موجة الإيباك ويدلي بآراء صهيونية حول القدس، فالسناتور السابق بوب دول على سبيل المثال لا الحصر، يعلن عام 1995 أنه "ليس هناك مدينة على وجه الأرض ظلت كما ظلت قبل ثلاثة آلاف سنة عاصمة لنفس البلد، ويسكنها نفس الشعب، وتتحدث نفس اللغة، تعبد نفس الرب، كالقدس".

يقول عاروري: "مثل هذا الكلام المتهور والاستنتاجات المتعجرفة حول القدس غير مقبولة... وادعاء أن القدس ومعها سبعون كيلومترًا من الضفة الغربية مهد اليهودية، ومركز الثقافة العبرية، والعاصمة الوحيدة الممكنة لإسرائيل، هو مثل على هذه الهستريا...".

ويشير الكاتب إلى أن كثيرًا من مؤسسي الصهيونية مثل بن غوريون وحاييم وايزمن كانوا في الثلاثينيات والأربعينيات لا يكنون للقدس كثيرًا من الاحترام والتقدير. فقد كانوا يكرهون السكن في القدس. تقول المؤرخة أنيتا شابيرا إن بن غوريون وزعماء آخرين من ذلك الجيل كانوا يعتبرون "العواطف تجاه القدس ضربًا من الرجعية".

فحاييم بياليك فضل العيش في تل أبيب لأنها بنيت كليًّا بأيد يهودية. وحتى موضوع اتخاذ القدس عاصمة لدولة إسرائيل لم يكن محسومًا. فاليهود لم يكن لهم وجود يُذكر في القدس، فإحصائيات عام 1945 البريطانية تكشف أن اليهود لا يملكون أكثر من 2% من القدس، بينما يملك العرب 84%، والباقي 14% أملاك عامة.

ونتوقف قليلاً عند حقيقة المبعوث الأميركي الحالي إلى المنطقة جورج ميتشل، الذي كان في التسعينيات زعيم الأكثرية الديمقراطية في الكونغرس، يقول نصير عاروري إنه "لعب دورًا رياديًّا في المعركة التي شنتها إسرائيل وإيباك حول قضية القدس. ومن المعروف أن ميتشل من أبرز الشيوخ الذين تلقوا دعمًا ماليًّا من أنصار إسرائيل".

تتحدث سارة روجرز عن رمزية قبة الصخرة في الفن الفلسطيني المعاصر فهي دائمًا في مركز اللوحة "إنهم يرسمون القدس ممثلة بقبة الصخرة المتجذرة في تاريخ العرب...". فالقدس منذ هزيمة العرب عام 1948، ثم عام 1967 تشكل جوهر الصراع.

"
القدس محور الصراع، فهي عنوان العرب، واستردادها يعني استرداد العرب لعافيتهم ولدورهم المركزي في الحضارة الإنسانية، وعلى الطرف الآخر هي مستهدفة من قبل أعدائهم بسبب مركزيتها في عقائدهم القيامية الممتزجة بمصالح الشركات الاحتكارية
"
تحمل نصوص فؤاد مغربي، وجبرا إبراهيم جبرا، وعيسى بلاطة طابع الذكريات الشخصية عن القدس. ففؤاد مغربي يُسهب في الحديث عن ذكرياته في عين كارم التي ولد فيها، والتي ظلت عربية خالصة حتى عام 1948 حيث هجّر الصهاينة أهلها واغتصبوها. وهو بهذا يؤكد على عروبة ما يسمى بالقدس الغربية، التي سلم المنخرطون بالتسوية بيهوديتها!

ويتحدث عيسى بلاطة عن أن أوراقه الرسمية المكتوب فيها أنه مولود في القدس –فلسطين، جعلت موظف الجمارك على الحدود الكندية يوقفه لأنه لم يفهم كيف تكون القدس خارج إسرائيل. ويصف جبرا الاحتفالات الدينية الإسلامية والمسيحية التي كانت تجري في القدس خلال تاريخها.

ويُختتم الكتاب بمقالتين إحداهما "ذكريات الأمس، حقائق اليوم" بقلم لين روجرز عن مذكرات هالة سكاكيني، وهي عبارة عن شهادة أسرة عاشت في القدس حياة مثالية، ثم اضطرت إلى الهجرة إلى القاهرة طلبًا للسلامة وعادت بعد ذلك وسكنت رام الله. والمقالة الثانية بقلم هذر سيبرز بعنوان "المذبحة: رسوم من القدس" حيث تنقل الكاتبة بعض الصور من المذابح الصهيونية التي تجري في  القدس.

القدس محور الصراع، فهي عنوان العرب، واستردادها يعني استرداد العرب لعافيتهم ولدورهم المركزي في الحضارة الإنسانية، وعلى الطرف الآخر هي مستهدفة من قبل أعدائهم بسبب مركزيتها في عقائدهم القيامية الممتزجة بمصالح الشركات الاحتكارية. وما يفعله هذا الكتاب القيم أنه يذكرنا بهذه الحقائق. 

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك