عرض/ نبيل السهلي

يسلط الكتاب الضوء على حوارات فاروق القدومي مع وسائل إعلام مرئية ومقروءة ومسموعة، ناهيك عن كلمات ألقيت في الجمعية العامة للأمم المتحدة، في إطار زمني ينحصر بين عامي 1976 و2009. ويلحظ المتابع لمحطات الكتاب المختلفة إضاءات واضحة على تاريخ القضية الوطنية الفلسطينية بمساراتها المعقدة.

وقد زاد من أهمية الكتاب شواهد القائد التاريخية، حيث كان من صانعي الثورة الفلسطينية المعاصرة التي كانت رداً على ليل النكبة الطويل. كما وصف الحاضرَ السياسي بدراية فائقة لما له من باع كبير في نضالات حركة فتح وفي أداء منظمة التحرير الفلسطينية التي ما زال يرأس دائرتها السياسية.

ورغم اختلاف البعض مع القدومي فإن الخلاف لم يتعد دائرة الوحدة التي بقيت الحصن الحصين للشعب الفلسطيني في كافة مراحل الكفاح الوطني الفلسطيني. واللافت أن قراءة القدومي لمنحنيات ومسارات تطور القضية الفلسطينية بمفاصلها المختلفة، كانت من موقعه كصانع رئيسي للحدث الفلسطيني منذ تأسيس ائتلاف منظمة التحرير الفلسطينية عام 1968 بقيادة حركة فتح وفصائل العمل الوطني الفلسطيني الأخرى.

السيرة النضالية

- الكتاب: فاروق القدومي.. حوار الحقيقة الفلسطينية
(في منعطفات المسار)
-
مراجعة وتقديم: علي بدوان
-
عدد الصفحات: 383
-
الناشر: دار الأهالي, دمشق
-
الطبعة: الأولى 2010

 
 
نشرت صحيفة "الصباح" التونسية في لقاء مع القدومي في أغسطس/آب 2006 سيرته النضالية، حيث ولد عام 1932 في مدينة نابلس بالضفة الغربية، وتدرج في الدراسة وترعرع في مدينة يافا مع أخيه الأكبر شوكت الذي رعى عائلة القدومي بعد وفاة الأب، وقد شهد مع عائلته مأساة النكبة الكبرى عام 1948 ومحاولات الشعب الفلسطيني الصمود رغم قلة العدة والعتاد مقارنة مع اليهود المدعومين من الجيش البريطاني المحتل لفلسطين. وكانت وجهة القدومي وعائلته إلى نابلس بعد النكبة، حيث أقام فيها لمدة عامين ثم انطلق إلى السعودية للعمل هناك. وبعد أربع سنوات توجه القدومي إلى مصر للدراسة في جامعاتها، وهناك التقى الشهيدين أبو عمار وأبو إياد في إطار النضال الطلابي الفلسطيني عبر رابطة طلاب فلسطين المدعومة من الرئيس المصري محمد نجيب وبعد ذلك من الرئيس جمال عبد الناصر.

ويشير القدومي إلى أنه انتقل إلى الكويت عام 1960 والتقى هناك أيضا أبو عمار وإخوة آخرين معه، فكان الانضمام وبدء العمل مع باقي الإخوة حتى تم إنشاء حركة فتح التي امتدت داخل فلسطين وخارجها، وقامت بعمليات -كما يؤكد القدومي- إلى أن انطلقت بعد موافقة اللجنة المركزية التي اجتمعت ووافقت على الانطلاقة في الفاتح من يناير/كانون الثاني 1965.

وشرح القدومي في شهادته لصحيفة "الصباح" التونسية بإسهاب المراحل التي مرت بها حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية حتى عام 1973، لكنه أشار إلى أهمية معركة الكرامة في تاريخ القضية الفلسطينية والثورة، حيث كان من بين أربعة أعضاء في اللجنة المركزية لحركة فتح يشرفون على هذه المعركة، وأعضاء اللجنة المركزية الآخرون هم: أبو عمار وأبو إياد وأبو صبري.

القدومي وأفكاره السياسية
قد يكون اللقاء الذي أجرته مجلة "فلسطين الثورة" عام 1976 مع القدومي بمناسبة الذكرى الحادية عشرة لانطلاقة الثورة الفلسطينية من أهم الحوارات واللقاءات على الإطلاق، نظراً لأنه شرح وضع الثورة الفلسطينية آنذاك وحدد موقعها، خاصة أنها -كما يؤكد القدومي- استطاعت بناء شخصيتها النضالية وقطعت شوطاً بعيداً في تحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية ضمن إطار منظمة التحرير.

"
القدومي: 
أول أصدقاء الشعب الفلسطيني هو البندقية والوعي والممارسة الثورية الفعلية اليومية، وتاليا حركات التحرر العربية من المحيط إلى الخليج، ودول عدم الانحياز، فضلاً عن حركات التحرر في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية
"

وأكد في ذات الوقت أن الشعب الفلسطيني استعاد وحدته وثقته بنفسه ووسع نشاطاته لتمتد إلى مشارق الأرض ومغاربها. وعند توصيفه لأعداء الشعب الفلسطيني ودائرة الأصدقاء، أكد أن أول أصدقاء الشعب الفلسطيني هو البندقية والوعي والممارسة الثورية الفعلية اليومية. أما الأصدقاء فكثيرون، وهم حركات التحرر العربية من المحيط إلى الخليج، ودول عدم الانحياز، وحركات التحرر في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، فضلا عن الشعوب الإسلامية التي تساند الشعب الفلسطيني وكفاحه الوطني. أما جبهة الأعداء فتتمثل في الكيان الصهيوني والاستعمار والإمبريالية العالمية وعملائها المحليين والعنصرية بكافة أشكالها.

ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن القدومي في لقائه مع مجلة "فلسطين الثورة" أكد أن أهداف الثورة الفلسطينية هي التي حددت أشكالا معينة من النضال، ولكن ذلك يتحدد بطبيعة المرحلة والقوى المتصارعة والظروف الموضوعية المحيطة بالشعب الفلسطيني.

وبالنسبة لمسألة التحالفات الدولية والعربية، أشار القدومي إلى أن كل التحالفات التي تقام لا بد أن تكون عبر منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، أي أن جميع المنظمات مدعوة بلا استثناء إلى عدم بناء تحالفات لها خارج الساحة الفلسطينية إلا عبر منظمة التحرير.

رفض اتفاقيات أوسلو
في أكثر من مقابلة أكد رئيس الدائرة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية معارضته لاتفاقيات أوسلو وتبعاتها السياسية على القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني. وفي حوار مع دورية "أبيض أسود" السورية يوم 12/4/2003 أشار القدومي إلى أن خريطة الطريق خريطة وهمية وبديلة لاتفاقيات أوسلو لا يراد بطرحها من الجانب الأميركي أن تنفذ، بل على العكس من ذلك، إنها محاولة خداع للرأي العام العربي والدولي. وقال "لقد وافقنا في السابق على المبادرة الأميركية عام 1991 وكانت كارثة، لذلك هذه الخريطة -معدلة أو غير معدلة- تطال الفلسطينيين بإصلاحات وإصدار بيانات قبل أن يكون هناك انسحاب للجيش الإسرائيلي من الأراضي الفلسطينية.. إنهم يردون التسليم".

ورغم رفضه لاتفاقيات أوسلو الموقعة في سبتمبر/أيلول 1993 بين منظمة التحرير وإسرائيل واعتبارها انحرافاً عن جادة الصواب، بقي القدومي مسؤولاً عن الدائرة السياسية في المنظمة، وكانت تربطه بالرئيس ياسر عرفات علاقة وطيدة حميمة حتى استشهاده. غير أنه منذ تسلم محمود عباس رئاسة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ورئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية وقيادة حركة فتح، طفت إلى السطح خلافات حادة بين الرجلين.

وفي حوار مع صحيفة "الراية" القطرية يوم 21/3/2009، أكد القدومي أن الحل العادل للقضية الفلسطينية لا يكمن في إقامة دولة فلسطينية واحدة أو دولة كرتونية على أشلاء الضفة الغربية، بل في استمرار المقاومة المسلحة، مؤكداً في الوقت نفسه أن العصر الحالي عصر الانتصارات، وأن إسرائيل إلى زوال بشهادة المؤرخين الإسرائيليين الجدد.

"
القدومي:
الحل العادل للقضية الفلسطينية لا يكمن في إقامة دولة فلسطينية واحدة أو دولة كرتونية على أشلاء الضفة الغربية، بل في استمرار المقاومة المسلحة، فنحن في عصر الانتصارات, وإسرائيل إلى زوال بشهادة المؤرخين الإسرائيليين الجدد
"
وأشار إلى أن السلطة الفلسطينية بدأت تتلاشى وتنخرها الخلافات منذ زمن بعيد، لأنها رهينة الأموال التي تدفعها أميركا وأوروبا بعدما دمرت إسرائيل الاقتصاد الفلسطيني وزرعت الحواجز المسلحة في الضفة الغربية. وذهب القدومي إلى أبعد من ذلك عندما وصف السلطة الفلسطينية بقوله إنها "لا تملك صلاحيات في الواقع الخارجي والدبلوماسي". لكن السلطة أصبحت تدير السفارات، وهذا أمر مختلف في نظر القدومي، وتساءل: "كيف تكون هناك حركة تحرير تحت ظل الاحتلال؟ أليس ذلك عجباً؟".

ورغم الخلاف الشاسع مع السلطة الفلسطينية طالب القدومي بإنهاء الانقسام الفلسطيني، حيث شدد في مقابلة مع صحيفة "الغد" الأردنية يوم 21/9/2009 على ضرورة إعادة اللحمة الفلسطينية وإنهاء الانقسام الفلسطيني لأن الجميع مستهدف من قبل حكومة نتنياهو المتطرفة.

أهمية الكتاب
تكمن أهمية الكتاب في احتوائه على شهادات وحوارات حول تاريخ القضية الفلسطينية باتجاهاتها المختلفة على لسان قائد شارك وساهم بفعالية عالية في كافة المراحل التي مرت بها حركة فتح والثورة الفلسطينية المعاصرة.

لهذا فالكتاب جدير بالقراءة والمتابعة والتمحيص من قبل الباحثين والإعلاميين والمهتمين بالقضية الفلسطينية، خاصة أنه يعد وثيقة فلسطينية للأجيال القادمة ورافدا هاما للمكتبة العربية بشكل عام.

المصدر : الجزيرة