عرض/ قاسم قصير

يعتبر كتاب "الحركات والقوى الإسلامية في المجتمع الفلسطيني في لبنان: النشأة -الأهداف -الإنجازات" أول كتاب يؤرخ ويوثق العمل الإسلامي في المخيمات الفلسطينية في لبنان، فلم يسبق لباحث أو لكتاب أن تناول التجربة الإسلامية في المخيمات الفلسطينية بشكل موثق وشمولي ومفصل كما تناولها هذا الكتاب.

ومع أن بعض الكتب والدراسات التي تحدثت عن الحركات الإسلامية في لبنان، قد تعرضت إلى بعض التجارب الإسلامية الفلسطينية في لبنان نظرًا للتداخل الكبير بين الواقع الإسلامي اللبناني والفلسطيني، فإنه لم يفرد أي باحث دراسة خاصة ومفصلة للواقع الإسلامي في المخيمات الفلسطينية في لبنان.

وستحاول هذه القراءة تناول هذا الكتاب بالبحث من حيث النقاط التي تعرض لها والمميزات التي اختص بها، إضافة إلى الملاحظات والإشكالات حول أسلوبه ومضمونه، وستختم ببعض النقاط المستقبلية حول تأريخ الحركة الإسلامية الفلسطينية في لبنان.

أولا: نقاط الكتاب ومضمونه

-الكتاب: الحركات والقوى الإسلامية في المجتمع الفلسطيني في لبنان (النشأة -الأهداف -الإنجازات)
-المؤلف: رأفت فهد مرة
-عدد الصفحات: 264
-
الناشر: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات, بيروت
-الطبعة: الأولى/ 2010
لقد عمد الكاتب إلى تقسيم الكتاب إلى عدة أقسام: في المقدمة والتمهيد عرض لأهداف الكتاب وأسباب التأليف، والظروف السياسية والاجتماعية والفكرية التي نشأ فيها العمل الإسلامي الفلسطيني في لبنان، منذ النكبة والتهجير إلى لبنان عام 1948 وصولاً للمرحلة الحالية.

أما الفصل الأول فقد تناول فيه المؤلف واقع الحركة الإسلامية في المخيمات الفلسطينية، حيث عرض لكيفية تطور العمل الإسلامي في كل مخيم على حدة.

والمخيمات الفلسطينية في لبنان التي تناولها الكتاب هي: الرشيدية، البص، برج الشمالي، عين الحلوة، المية والمية، برج البراجنة، شاتيلا ومار الياس، البداوي، نهر البارد، الجليل.

أما المخيمات التي لم يتم الحديث عنها فهي مخيم تل الزعتر (لأنه لم يعد موجودًا بعد تدميره سنة 1976 من قبل بعض الأحزاب المسيحية: الكتائب والأحرار والقوات اللبنانية)، وكذلك مخيم النبطية الذي دمرته القوات الإسرائيلية سنة 1982. وأما مخيم ضبيه الذي يقع شمالي مدينة بيروت فتسكنه غالبية مسيحية وليس فيه أي نشاط إسلامي.

وأما الفصول من الثاني حتى السادس فقد خصص الكاتب كل فصل منها لحركة إسلامية فلسطينية، فالثاني لحركة حماس، والثالث لحزب التحرير، والرابع للحركة الإسلامية المجاهدة، والخامس لعصبة الأنصار، والسادس لحركة الجهاد الإسلامي.

والفصل السابع تناول مستقبل القوى الإسلامية: عناصر القوة والضعف والخطوط الإستراتيجية.

وأما ملاحق الكتاب فتضمنت بيانات نعي شهداء الرابطة الإسلامية لأبناء فلسطين (وهي الإطار الإسلامي الذي سبق نشوء حركة حماس في لبنان)، إضافة إلى بعض الشعارات والصور للشهداء والمجلات والبيانات الخاصة بالحركات والقوى الإسلامية الفلسطينية.

فمخيم الرشيدية هو رافعة العمل الإسلامي، وكان مخيم برج البراجنة "السبّاق في حسم الخيارات"، في حين قدّم مخيما نهر البارد والبداوي نماذج نوعية في العمل الإسلامي، وقدّم مخيم الجليل إنجازات إسلامية هامة.

وقد حرص الكاتب على تقديم تفاصيل دقيقة حول تطور العمل الإسلامي في كل مخيم، سواء من حيث العلماء والدعاة والعاملون الذين ساهموا في تأسيس العمل الإسلامي، أو الجهات والمؤسسات التي احتضنت النشاطات الإسلامية، وكل ذلك يشكل ذخيرة معلوماتية كبيرة لم يتم الحديث عنها سابقًا.

"
الكاتب يعود بنا إلى بدايات العمل الإسلامي في مخيم الرشيدية، ويستعيد دور الحاج موسى طعان، الذي يصفه الإسلاميون في المخيم بأنه "الأب الروحي" للعمل الإسلامي و"دينامو" الدعوة الإسلامية
"
فالكاتب يعود بنا إلى بدايات العمل الإسلامي في مخيم الرشيدية، ويستعيد دور الحاج موسى طعان، الذي يصفه الإسلاميون في المخيم بأنه "الأب الروحي" للعمل الإسلامي و"دينامو" الدعوة الإسلامية، وقد كان من المجاهدين مع الشيخ عز الدين القسام. ثم يستعرض تجربة الشيخ كامل غضبان وكيفية انضمام بعض شباب المخيم (فيصل ناصر، فارس الحلبي، تلفاح يونس، ومحمود إبراهيم) إلى الإخوان المسلمين، وبداية النشاط الدعوي للشيخ كامل غضبان وهو في السادسة عشرة من عمره.

ويتناول بعد ذلك تجربة الشيخ رزق (الذي كان يتولى مسؤولية قوات التحرير الشعبية في المخيم)، والذي دمج بين العمل الإسلامي والعمل العسكري، ثم تطورت هذه التجربة نحو بعض المظاهر السلبية والخلاف الذي جرى مع الشيخ حامد ناصر.

كما يعود الكتاب للحديث عن دور البعثات الأزهرية في المخيمات الفلسطينية، وخصوصًا بعض أعضاء هذه البعثات كالشيخ سيد عبد المقصود عسكر والسيد سابق.

وهذه المعلومات لم يتم التطرق إليها سابقًا من قبل مؤرخي الحركة الإسلامية، سواء على الصعيد اللبناني أو الفلسطيني.

ويستعيد الكتاب أيضا الدور الذي لعبته الجماعة الإسلامية في لبنان من خلال بعض قياداتها، وخصوصًا الأمين العام الحالي إبراهيم المصري، في كيفية الربط بين الشباب الإسلامي الفلسطيني وبين قيادة حماس، ويعود بنا إلى تفاصيل تطور العمل الإسلامي في المخيمات الفلسطينية ويحدد دور الشباب والعلماء والمؤسسات المختلفة.

وفي مخيم البص يتحدث الكتاب عن الشيخ محمد راغب النجار، المعروف باسم محمد المصري، وهو مواطن مصري أقام في لبنان وكان مقربًا من حركة فتح وله ميول إسلامية، وتعاون المصري مع بعض شبان المخيم للقيام بعمليات مقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي عام 1982، وإن كانت هذه التجربة لم تستكمل لاحقًا.

كما يستعيد الكاتب بشكل مفصل أوضاع المخيمات خلال المواجهات مع حركة أمل، وما هي الخطط التي تم اللجوء إليها لتعزيز صمود أبناء المخيم، ودور حزب الله والجمهورية الإسلامية الإيرانية في هذا الإطار، وكذلك دور بعض العلماء كالشيخ محرم العارفي والسيد عيسى الطبطبائي، اللذين دخلا مخيم الرشيدية للمشاركة في صمود أبنائه، ويتحدث أيضا بالتفصيل عن دور المبعدين إلى مرج الزهور وتأثيرهم في تعزيز وجود التيار الإسلامي في المخيمات.

"
ممّا اعتمده الكاتب للتعريف بالعمل الإسلامي "القاعدة الحركية"، أي الحديث عن كل حركة أو إطار إسلامي وتطور وجوده ونشاطه في لبنان، مع ربط هذا النشاط بالخلفية الفكرية والسياسية والواقع الاجتماعي والحديث عن موقفه من القضية الفلسطينية
"
أما المنهجية الثانية التي لجأ إليها الكاتب للتعريف بالعمل الإسلامي فاعتمدت "القاعدة الحركية"، أي الحديث عن كل حركة أو إطار إسلامي وتطور وجوده ونشاطه في لبنان، مع ربط هذا النشاط بالخلفية الفكرية والسياسية والواقع الاجتماعي والحديث عن موقفه من القضية الفلسطينية والعمل الجهادي.

وقد استعرض المؤلف بعض الوثائق التي تعرّف بالبعد الفكري لكل حركة إسلامية فلسطينية.

انطلاقًا من هذه المعطيات نؤكد على غنى الكتاب بالمعلومات والتفاصيل الدقيقة حول العمل الإسلامي الفلسطيني في لبنان، إضافة إلى استعراض المتغيرات والظروف السياسية والفكرية والاجتماعية التي أحاطت بتطور العمل الإسلامي، وتقديم مشاهدات حية وواقعية لعمل الإسلاميين في كل المخيمات، إضافة إلى علاقتهم بالبيئة اللبنانية.

كما تضمن الكتاب رؤية نقدية للعمل الإسلامي، إضافة إلى تقديم أفكار لتطوير هذا العمل، مما يعطيه "قيمة مضافة"، فهو لا يعتمد فقط على التأريخ وعرض المعلومات، بل يحاول أن يقدم "مشروعا إسلاميًّا" تطويريًّا بعيدًا عن الحسابات التنظيمية أو الذاتية.

ثانيا: نقاط الضعف والإشكالات
مع الاعتراف بأهمية الكتاب وما تضمنه من معطيات ومعلومات وأفكار، فإن ذلك لا ينفي وجود بعض نقاط الضعف والملاحظات، سواء على صعيد المنهجية التي اعتمدها، أو من ناحية القدرة على اعتماد الموضوعية والدقة في الحديث عن تاريخ العمل الإسلامي الفلسطيني في لبنان.

فكما أشرنا في القسم السابق من هذه القراءة، فالكاتب اعتمد منهجيتين لعرض تطور العمل الإسلامي، الأولى ركزت على اعتبار كل مخيم إطارًا خاصًّا على صعيد النشاط الإسلامي، والثانية ركزت على تطور كل حركة إسلامية.

وهاتان المنهجيتان أدتا إلى وجود بعض نقاط الضعف في أسلوب الكتاب، لأن هذين التقسيمين المكاني والحركي لم يقدما لنا "تطورًا زمنيًّا" على صعيد الواقع الإسلامي العام في المخيمات الفلسطينية في لبنان، أي أننا غرقنا في تفاصيل واقع كل مخيم أو كل حركة، ولم نستطع أن نتعرف على التطور العام للعمل الإسلامي الفلسطيني في لبنان في إطار الظروف السياسية والاجتماعية.

ولم يربط الكاتب بين التطورات المتسارعة في لبنان والمنطقة وبين تطور العمل الإسلامي، وإن كان قدّم بعض الإشارات المحدودة خلال الحديث عن كل مخيم أو كل حركة.

وهناك ملاحظة لا بد من الإشارة إليها، تتعلق بتقديم الكاتب دور "الرابطة الإسلامية لأبناء فلسطين" و"حماس" من لبنان على بقية الحركات الإسلامية، وإعطائهما حيزًا كبيرًا من البحث، وهذا يتنافى مع التطور الزمني لنشوء هذه الحركات سواء في لبنان أو في المنطقة، وإذا كان صحيحًا أن الرابطة وحماس لهما خلفية الإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية في لبنان، فإن العمل الإسلامي الفلسطيني في لبنان بدأ بشكل أكثر وضوحًا مع "الحركة الإسلامية المجاهدة" و"عصبة الأنصار"، كما أن الوجود العملي لحزب التحرير سبق هذه الحركات رغم أنه لم يُعطِ الأولوية للقضية الفلسطينية في نشاطه السياسي.

كما أن الكاتب قدّم تفاصيل دقيقة عن "الرابطة" و"حماس" (وقد يكون ذلك نابعًا من ارتباطه بهما وعمله في إطارهما)، مقارنة بغيرها. وهناك جانب كان يستحق أن يوليه المؤلف اهتمامًا أكبر، وهو ما يتعلق بما يسمى التيار "السلفي الجهادي" في الواقع الفلسطيني، وخصوصًا في السنوات الأخيرة.

فهذا التيار دخل إلى المخيمات وعمل فيها، وأدى دخول بعض المجموعات أو العناصر السلفية والجهادية إلى المخيمات إلى حصول مشاكل داخل المخيمات وبينها وبين الجيش اللبناني.

"
العمل الإسلامي الفلسطيني في لبنان بدأ بشكل أكثر وضوحًا مع "الحركة الإسلامية المجاهدة" و"عصبة الأنصار"، كما أن الوجود العملي لحزب التحرير سبق بعض الحركات رغم أنه لم يُعطِ الأولوية للقضية الفلسطينية في نشاطه السياسي
"
كما أن الحديث عن "عصبة الأنصار" يحتاج تقديم قراءة نقدية لتجربة هذه المجموعة، والإشارة إلى الأخطاء التي ارتكبتها وكيفية تطور أدائها فكريًّا وعمليًّا.

كما أن الكتاب لم يتحدث بشكل مفصل عن علاقة القوى الإسلامية الفلسطينية ببعض القوى اللبنانية، وخصوصا حزب الله، وكذلك بالثورة الإسلامية الإيرانية، سواء قبل انتصار الثورة أو بعدها، وكذلك حول علاقة بعض الشخصيات اللبنانية بالواقع الفلسطيني، وخصوصًا تلك التي عملت في إطار حركة فتح.

هذه الملاحظات لا تعني الانتقاص من الكتاب وأهميته بقدر ما تهدف إلى إغناء هذه التجربة للتأريخ للعمل الإسلامي الفلسطيني.

ملاحظات ختامية
وفي ختام هذه القراءة لهذا الكتاب المهم لا بد من التأكيد على أهمية توثيق الواقع الإسلامي، سواء اللبناني أو الفلسطيني، وأن التجربة التي بدأها مركز الزيتونة من خلال الكتاب الأول عن "الجماعة الإسلامية"، وهذا الكتاب عن "القوى الإسلامية الفلسطينية"، إضافة لبعض الكتب التي تتحدث عن المخيمات الفلسطينية، كل هذه الكتب والدراسات لها إسهام حقيقي في توثيق الواقع الإسلامي والتجربة الإسلامية سواء اللبنانية أو الفلسطينية، وهذا الأمر يجب أن يشمل أيضا بقية الدول في المنطقة، وخصوصًا فلسطين ولبنان والأردن وسوريا والعراق.

إن القوى الإسلامية بحاجة إلى استعادة تاريخها وكيفية تطور أدائها خلال الخمسين سنة الماضية؛ لكي يشكل ذلك مدخلاً للدراسة والتقويم والبحث عن كيفية تطوير العمل الإسلامي مستقبلاً.

وإن الجهد الذي يقوم به "مركز الزيتونة للدراسات" وبقية المؤسسات البحثية أو "المواقع الإلكترونية "، كـ"إسلام أون لاين" و"الجزيرة نت"، أو بعض المراكز البحثية كمركز باحث، والمركز الاستشاري للدراسات والتوثيق في لبنان، ومركز دراسات الشرق الأوسط في الأردن، كل هذه المراكز والمواقع تسهم في إعادة البحث عن دور القوى والحركات الإسلامية وقراءة تاريخها، مع فهم المتغيرات والتطورات المختلفة في العالم، من أجل الربط بين تطور العمل الإسلامي وما يحيط به من متغيرات سياسية وإستراتيجية.

وإن الجهد الذي قام به الباحث والكاتب رأفت مرة يشكل إضافة نوعية لكل عمل فكري وإسلامي، سواء لتوثيق العمل الإسلامي أو لقراءته بصورة نقدية. ونحن بحاجة للمزيد من الدراسات والأبحاث في هذا الإطار.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك