عرض/ حسين عبد العزيز

تستهدف المخططات الإسرائيلية تهويد مدينة القدس من خلال مؤامرات عديدة لتزوير هوية العاصمة الدينية والتاريخية والسياسية والاقتصادية لعرب فلسطين. وتهدف هذه الدراسة إلى تقديم وصف واقعي يستند إلى أوثق المصادر الإحصائية المتوافرة وتفنيد بعض الروايات المضللة.

وقد عني الفصل الأول بالتشديد على عروبة القدس من خلال النصوص اليهودية والتوراتية قبل العربية والإسلامية، وجاء الفصل الثاني ليبين الأساليب الإسرائيلية في التحريف والتزييف، عبر سياسة ممنهجة لطمس الهوية العربية الإسلامية للمدينة المقدسة.

إقرار النصوص وكلمة التاريخ
لا يجد مؤلف الكتاب صعوبة في البرهان على عروبة القدس ودحض الادعاءات الصهيونية في أن اليهود هم من أسسوا مدينة أورشليم (القدس).

-الكتاب: تهويد القدس (محاولات التهويد والتصدي لها من واقع النصوص والوثائق والإحصاءات)
-المؤلف: أنور محمود زناتي
-عدد الصفحات: 144
-الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت
-الطبعة: الأولى/2010
يقول المؤلف استنادا إلى مصادر علمية متنوعة إن اسم المدينة مأخوذ من لغة الكنعانيين، وهو مركب من لفظين "يوري" ومعناها مدينة و"شليم " وهو اسم إله كان الكنعانيون يعبدونه ومعناه السلام.

ويبين المؤلف أن أول إشارة إلى أقدم أسماء فلسطين هي أرض كنعان توجد في حفريات تل العمارنة التي ترجع إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد، والاسم الذي تذكره هذه الحفريات هو كيناهي وأصله كنعان الذي يشير إلى البلاد الواقعة غربي نهر الأردن ومنها سوريا.

كما أن كنعان هو الاسم الذي تذكر به التوراة هذه البلاد، وتعترف التوراة بأن فلسطين ليست بلادهم وأنهم أتوا إليها نتيجة الغزو الذي قام به يوشع بن نون إلى هذه البلاد.

ويستشهد المؤلف هنا ببعض الشهادات العلمية، فيعرض رأي الدكتور ليون كارنييف الذي يقول إن الفلسطينيين هم أصحاب الحق والكنعانيين هم سكان فلسطين عبر التاريخ، وإسرائيل بالأصل قبيلة صغيرة قامت بالغزو طمعا في أرض كنعان التي سميت بعد ذلك بفلسطين.

أما المؤرخ اليهودي يوسيفوس فلافيوس فلم يذكر شيئا عن الهيكل حين وصف القدس، وهذا يعني أن الهيكل الذي بناه النبي سليمان وهدم على يد تيتس عام 70 م لم يبق منه شيء.

ويستشهد الكتاب هنا بكاتب يهودي آخر هو ألفريد ليلنتال حيث قال إن الكنعانيين هم أول من جاء إلى فلسطين ثم تتالت بعدها القبائل العربية ثم القبائل العبرية.

وحتى المؤرخ العالمي أرنولد توينبي يقول إن إسرائيل كانت وما تزال وستبقى من الوجهة القانونية ملكا للعرب الفلسطينيين الذين أخرجوا من ديارهم بالقوة.

ويوضح المؤلف أن وجود اليهود في المدينة كان عبر فترة ضئيلة امتدت سبعين عاما أو سبعة وتسعين عاما على عهدي داود وسليمان، وأن أكبر رقعة جغرافية سيطرت عليها دولة داود هي من "دان" (تل القاضي) شمال فلسطين إلى بئر السبع جنوبا، ولم يكن لبني إسرائيل أي وجود على البحر ولا في الجليل شمالا باستثناء هذا الموقع الصغير عند تل القاضي.

أساليب وخطوات منهجية
سار الفكر الصهيوني نحو نفي الشعب الفلسطيني واستبداله باليهود، وكانت الخطة ترتكز على الاستيلاء على أكبر قدر ممكن من الأراضي وإجبار الفلسطينيين على الرحيل.

"
سار الفكر الصهيوني نحو نفي الشعب الفلسطيني واستبداله باليهود، وكانت الخطة ترتكز على الاستيلاء على أكبر قدر ممكن من الأراضي وإجبار الفلسطينيين على الرحيل
"
وبعد احتلال القدس عام 67 اتخذت خطوات مباشرة وسريعة من أجل تهويد المدينة، حيث تم الإعلان عن توسيع حدود بلدية القدس وتوحيد المدينة إثر احتلال الجزء الشرقي، وقامت إسرائيل بإنشاء حي يهودي على أنقاض جزء من حي المغاربة، وقامت بعزل أحياء عربية كاملة على إثر إعادة ترسيم حدود المدينة، وفي 27 يونيو/ حزيران 67 أقر الكنيست ثلاثة قوانين أثرت في مكانة القدس والأماكن المقدسة، وهذه القوانين هي:
ـ تطبيق القانون الإسرائيلي على القدس بكاملها.
ـ توسيع حدود بلدية القدس ودمج منطقة القدس الموحدة من شمال قلنديا وحتى صور باهر جنوبا ضمن بلدية القدس، وحل المجلس العربي للبلدية.
ـ إصدار قانون حماية الأماكن المقدسة الذي يقر بحرية الوصول إلى هذه الأماكن لكل الأديان، لكنه لم يطبق على أرض الواقع.

وفي عام 68 بدأت الخطوات خارج سور المدينة القديمة بمصادرة الأراضي لإنشاء المستوطنات، وفي عام 69 ظهرت تفاصيل مشروع القدس الكبرى وفي إطاره تم تنفيذ نحو 18 مستعمرة شكلت الحزام الاستيطاني الثاني حول القدس.

وفي عام 74 تم إقرار إبقاء القدس موحدة تحت السيادة اليهودية، وتوسيع حدود المدينة وتقسيمها إلى ثمانية أحياء، وإعطاء الأحياء اليهودية نوعا من الحكم الذاتي، ومنع إعطاء تراخيص بناء أو ترميم للعرب المقدسيين.

وفي عام 76 أقيمت مستوطنة معاليه أدوميم، وكان الهدف إقامة تجمع استيطاني كبير يجمع المستوطنات الصغيرة التي أقيمت بين البحر الميت وشمال أريحا، بحيث تصبح معاليه أدوميم مدينة كبيرة مهمتها السيطرة على القدس الشرقية.

وفي عام 1980 أعلنت إسرائيل ضم القدس إداريا وسياسيا بقرار من الكنيست، وجعلها عاصمة للدولة الإسرائيلية، واستخدمت السلطات عام 87 كافة الأساليب لإجبار العرب على بيع منازلهم في البلدة القديمة أو مصادرتها، كما فعل أرييل شارون حين سكن منزلا في شارع الواد في الحي الإسلامي بعد طرد سكانه.

ونتيجة لهذه السياسة بلغ عدد المستوطنين في القدس عام 2001 أكثر من 180 ألفا.

بيانات حركة السلام الآن الإسرائيلية
كشفت حركة السلام الآن في تقرير لها عام 2008 أن أكثر من مائة مستوطنة تشهد عمليات توسيع في خمسمائة مبنى، يشمل كل مبنى إنشاء عشرات الشقق السكنية.

وأكدت الحركة أنه تم بناء 220 منزلا في 37 مستوطنة أخرى في إطار مشاريع قديمة صودق عليها مؤخرا، وأكدت أيضا أن المستوطنين بدؤوا ببناء 150 مستوطنة معزولة شرقي الجدار، منها عالي ودوليب وبسجوت وعوفرة وكوخاب هشاحر ويتسهار.

وذكر تقرير الحركة أن الحكومة الإسرائيلية أعلنت بعد مؤتمر أنابوليس نهاية 2007 عن طرح عطاءات لبناء 750 شقة سكنية في القدس الشرقية.

"
تنحصر أهداف الاستيطان في ثلاثة أهداف هي: تقطيع أوصال الأراضي المحتلة, خلق أمر واقع يمكن فرضه على الفلسطينيين في أية مفاوضات مستقبلية, الالتفاف على مشروع إقامة دولة فلسطينية عن طريق منع التواصل الجغرافي 
"
كما ذكر التقرير أن لجنة التخطيط والبناء الإسرائيلية صادقت على إيداع خرائط لبناء 3600 وحدة سكنية في القدس، والبدء ببناء منازل في 58 نقطة استيطانية عشوائية في الضفة الغربية، إضافة إلى 38 منزلا متنقلا.

وبعد هذه الإحصاءات يعرض مؤلف الكتاب لأهداف الاستيطان، فيحددها بثلاثة أهداف، هي:

- تقطيع أوصال الأراضي المحتلة عن طريق الكتل الاستيطانية والطرق الالتفافية.

- خلق أمر واقع يمكن فرضه على الفلسطينيين في أية مفاوضات مستقبلية.

- الالتفاف على مشروع إقامة دولة فلسطينية عن طريق منع التواصل الجغرافي بين الأراضي التي يفترض أن تقام عليها الدولة.

آليات التهويد
يكشف المؤلف عن الاعتداءات وعمليات التهويد التي تمارسها السلطات الإسرائيلية بحق الأراضي والأماكن المقدسة الفلسطينية.

البحث عن حائط البراق: ويبدأ المؤلف بالاعتداءات على حائط البراق، الذي يشكل الجزء الجنوبي الغربي من جدار الحرم القدسي بطول نحو 47 م وارتفاع 17 م، وتقوم وزارة الأديان بعمليات حفر كبيرة للبحث عن هذا الحائط الذي يسمونه بحائط المبكى.

ويؤكد المؤلف أن حائط البراق ليس مكانا مقدسا لليهود، معتمدا في ذلك على مصادر يهودية، منها ما قاله عالم الآثار الإسرائيلي إسرائيل فلنكشتاين لصحيفة جيروزاليم ريبورت في أغسطس/ آب 2000 من عدم وجود صلة لليهود بالقدس.

ويتابع المؤلف عرض البراهين بالقول إن اليهود الأرثوذكس وجماعة ناتوري كارتا لا يعتبرون الحائط مكانا مقدسا، كما أن الحائط لا يمكن إدراجه ضمن مباني العبادة اليهودية الأربعة، وهي:

-المذبح: أول مكان للعبادة أمر الله بإنشائه في التيه، كما ورد في سفر الخروج في التوراة.

- خيمة الاجتماع: مكان العبادة اليهودي الثاني، وتمت بناء على أوامر الله لموسى بأن يكلم بني إسرائيل، كما ورد في سفر الخروج.
- الهيكل المزعوم.
- الكنيس.

الأماكن الثلاثة الأولى انتهى دورها منذ عام 70 م، وأما الرابع فهو النمط المتبقي كبناء تمارس فيه طقوس العبادة.

والجدير بالذكر أن الحجاج والرحالة اليهود والمسيحيين الذين زاروا القدس قبل نهاية القرن الخامس عشر لم يشيروا إلى أي وجود يهودي أمام حائط البراق، فالحاخام اليهودي موشي أوف باسولا الذي زار القدس 1520 م لم يشر إلى وجود أي تجمع يهودي أمام الحائط، لكنه أشار إلى وجود كنيس واحد في القدس.

الحفريات في القدس
بعد احتلال القدس مباشرة عام 67 باشر الإسرائيليون الحفر بصورة غير قانونية، ومن هذه الحفريات:

1- حفريات جنوب المسجد الأقصى: تمت هذه الحفريات على امتداد سبعين مترا في أسفل الحائط الجنوبي للحرم القدسي، وقد اكتشف في هذه الحفريات آثار أموية ورومانية وأخرى بيزنطية.

2- حفريات جنوب غرب الأقصى: وتم هذا الجزء من الحفريات عام 69 على امتداد ثمانين مترا من الحائط الجنوبي للحرم وحتى باب المغاربة، مرورا بمجموعة من الأبنية الإسلامية التابعة للزاوية الفخرية.

وعلى امتداد الأنفاق تحت المسجد المبارك أقامت السلطات الإسرائيلية معابد يهودية وكنسا ومجسمات للهيكل المزعوم.

3- حفريات جنوب شرق الأقصى: أجريت هذه الحفريات عام 73 وامتدت على مسافة ثمانين مترا إلى الشرق، واخترقت الحائط الجنوبي للحرم.

4- حفريات النفق الغربي: بدأت عام 70 وانتهت عام 96 نجح الإسرائيليون خلالها بفتح باب للنفق من جهة مدرسة الروضة.

5- حفريات باب الأسود (الأسباط): أجريت عام 82 واستمرت أربع سنوات لم يجد فيها الإسرائيليون أي أثر إسرائيلي.

ويؤكد الكتاب أن الحفريات ما تزال مستمرة حتى اليوم، بهدف إنشاء مدينة داود تحت الأرض على مختلف جهات المسجد الأقصى، وأعلنت صحف الإسرائيلية في 13 أبريل/ نيسان 2008 أن أحجار حائط البراق بدأت بالتفتت، ويرى المؤلف أن هذا التطور يؤشر إلى إغلاق مسجد البراق.

طمس الهوية والثقافة الوطنية

"
من أجل تهويد الإنسان الفلسطيني قامت إسرائيل بإلغاء مناهج التعليم العربية في المدارس الحكومية وتطبيق منهاج التعليم الإسرائيلي، والاستيلاء على متحف الآثار الفلسطيني، وحظر تداول الكتب الثقافية والعلمية العربية الإسلامية
"
لم تقتصر عمليات التهويد على الأرض الديموغرافية، بل طالت أيضا الجوانب الثقافية والدينية، وكان التعليم من أهم المجالات التي عمل الإسرائيليون على تهويدها، حيث قامت إسرائيل بإلغاء مناهج التعليم العربية في المدارس الحكومية وتطبيق منهاج التعليم الإسرائيلي، والاستيلاء على متحف الآثار الفلسطيني، وحظر تداول الآلاف من الكتب الثقافية والعلمية العربية الإسلامية.

كما سنت الحكومة الإسرائيلية قانونا يسمح لها بالإشراف على المدارس الأهلية في القدس، ويعدد مؤلف الكتاب أسباب هذه الإجراءات:

1- تطبيق المنهاج الإسرائيلي المعمول به في المدارس العربية، وخاصة المتعلقة بالعلوم الإنسانية، كالتاريخ والجغرافية والاجتماع.

2- السيطرة الكاملة على المدينة، وإضعاف ارتباط المدينة بالمدن الفلسطينية الأخرى.

3- تعميم العدمية القومية في مجالات الانتماء للقيم التراثية والوطنية والحضارية العربية.

تزعزعت العملية التعليمية نتيجة لهذه الإجراءات، الأمر الذي دفع آلاف الطلبة لعدم الذهاب إلى المدارس، وأربكت هذه التطورات السلطات الإسرائيلية، والمسؤولين التربويين، مما دفعهم إلى البحث عن وسيلة أخرى غير تطبيق المناهج الإسرائيلية، ووافقت السلطات على تطبيق المنهاج الأردني الذي كان معمول به سابقا، على شرط تطبيق المنهاج الإسرائيلي وتعديل كتب أدبيات العلوم الإنسانية من خلال بعض الإجراءات:

1- طمس اسم فلسطين، وإحلال اسم إسرائيل مكانه من المواد والخرائط.

2- إحلال كلمة أورشليم مكان مدينة القدس والتركيز على كونها العاصمة الموحدة.

3- اعتماد الأسماء العبرية بدلا من العربية للمواقع الجغرافية والأثرية مثل يهودا والسامرة بدل الضفة الغربية.

4- إبراز الآثار اليهودية في البلاد، وطمس الآثار العربية والإسلامية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك