عرض/ حافظ الصاوي
يسعى هذا الكتاب لقراءة الأزمة المالية العالمية من خلال التعرف علي مظاهرها وأسبابها، وتحديد تداعياتها على العالم العربي، وما تفرضه من تحديات على اقتصادات العالم العربي، وكذلك التعرف على النموذج العربي المعولم من خلال تجربة دبي. وينتهى الكتاب بطرح آليات على الصعيدين القطري والإقليمي لمكافحة الأزمة المالية العالمية.

الأسباب والتداعيات
استصحب المؤلف البعد التاريخي للمقارنة بين الأزمة المالية الحالية وأزمة الكساد العظيم التي شهدها العالم في عشرينيات القرن العشرين، مبيناً الفوارق في أثر الأزمة وكيفية التعامل معها، من خلال تعقد التشابكات الاقتصادية في الأزمة المالية الحالية مقارنة بأزمة القرن الماضي، وكذلك سرعة التعامل معها والوقوف على أسبابها، والتي عددها الكتاب في دور الاقتصاد الأميركي كصانع للأزمة عبر ممارسات الرهن العقاري والقروض الرديئة التي وصل حجمها في أميركا إلى نحو 10% من الناتج المحلي الأميركي.

- الكتاب: العرب وتحديات ما بعد الأزمة المالية العالمية
-المؤلف: د. علي عبد العزيز سليمان
-عدد الصفحات: 183
الناشر: المكتبة الأكاديمية, القاهرة
-
الطبعة: الأولى/ 2010

وتضمنت أسباب الأزمة أيضاً تفشي ثقافة الاقتراض والمضاربة -خاصة في المجتمع الأميركي- وغياب الرقابة المالية الفعالة، وانتشار الفساد والاحتيال المالي. أما آخر الأسباب فكان استخدام المشتقات المالية في أسواق الأوراق المالية وغيرها، وقد استعار الكتاب تعبير المحلل المالي "بوفي" (Buffet) في وصف المشتقات بأنها أسلحة الدمار المالي الشامل لما تحتوي عليه من غرر ومقامرة. وقدر الكتاب حجم سوق المشتقات قبل الأزمة بنحو 500 تريليون دولار، أي عشرة أمثال الناتج الإجمالي العالمي.

أما تداعيات الأزمة على الصعيد العالمي فقد بينها الكتاب في الانهيار المالي الكبير في كل من البنوك والبورصات، ومؤسسات التمويل العقاري ومؤسسات التأمين، والتقويم الائتماني، وتوقع المؤلف أن تكون خسائر البنوك عام 2010 ما بين 3 و31% من حجم ديونها المستحقة.

كما ظهرت تداعيات الأزمة بوضوح في البورصات العالمية التي لم تشهد بداية التعافي إلا في مارس/آذار 2009، ولم يغب التأثير عن قطاع الإنتاج الحقيقي بسبب تعثر البنوك في تقديم الائتمان اللازم لهذا القطاع، مما نتج عنه ارتفاع معدلات البطالة في كل من أميركا وأوروبا بمعدلات غير مسبوقة.

كما امتدت هذه التداعيات إلى مناطق وأقاليم أخرى اختلفت درجة تأثيرها بحجم ومقدار اندماج هذه الاقتصادات في حلبة العولمة الاقتصادية، إلا أن معظم البلدان النامية كان تأثرها بهذه الأزمة أقل إلى حد ما من أميركا وأوروبا.

تداعيات الأزمة على العالم العربي
رصد الكتاب خمسة تداعيات للأزمة المالية العالمية على الاقتصاد العربي، في مقدمتها انتقال الأزمة إلى أسواق الأوراق المالية العربية، وبخاصة تلك التي فتحت أبوابها لمشاركة الأجانب، ولم تضع ضوابط مناسبة للجم الأموال الساخنة، وكان منها بورصات دول الخليج ومصر والأردن، بينما كانت بورصات تونس والمغرب أخف وطأة بسبب عدم تحريرها بالكامل ووجود قيود على تعاملات الأجانب بها.

كما تأثرت الاقتصادات العربية عبر أسواق السلع والخدمات، فمن خلال تراجع أسعار النفط من 147 دولارا قبل الأزمة إلى ما دون 40 دولارا بعد الأزمة، تراجعت الفوائض النفطية، والفوائض في موازين المدفوعات، وحركة الخدمات في النقل والسياحة.

وكذلك تأثرت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر للدول العربية، ففي عام 2007 حصلت البلدان العربية على حصة 5% من تدفقات هذه الاستثمارات على مستوى العالم، وكان من بين هذه الاستثمارات مشاركة البنوك الأجنبية في الأجهزة المصرفية العربية التي تأثرت دون شك بالأزمة. وقد سمح الاستثمار الأجنبي المباشر في الدول العربية بوجود نشاط اقتصادي خلال فترة الرواج (2003–2008) أدى إلى خلق فرص عمل وتحسين متوسط دخول الأفراد. وبلا شك فإن تراجع هذه التدفقات سيكون له أثره السلبي على الاقتصادات العربية.

"
من أهم تداعيات الأزمة المالية على الدول العربية انتقالها إلى أسواق الأوراق المالية العربية كما في دول الخليج ومصر والأردن، بينما كانت وطأتها أخف على أسواق تونس والمغرب
"
وثمة أمر مهم أثر على الاقتصادات العربية وهو تحويلات العاملين بالخارج، سواء من العاملين بدول الخليج أو في دول الاتحاد الأوروبي، ويقدر البنك الدولي حجم هذه التحويلات في العالم العربي بنحو 25 مليار دولار سنوياً، فضلاً عن التحويلات العينية المتمثلة في سيارات وأجهزة كهربائية وإلكترونية وغيرها.

ويرى المؤلف تأثر هذه التحويلات في ظل اتجاه العديد من المشروعات في دول الخليج لتقليص أعمالها، وكذلك الأمر في الاتحاد الأوروبي، حيث المبدأ السائد هناك في تشغيل العمالة العربية هو أن العامل العربي آخر من يستخدم وأول من يسرح.

أما آخر تداعيات الأزمة المالية العالمية على الاقتصادات العربية فأجملها الكتاب في التأثير السلبي لارتباط العملات بالدولار الأميركي المتهاوي، حيث ترتبط عملات تسع دول عربية بالدولار (دول الخليح ما عدا الكويت، والأردن، والعراق، وجيبوتي، ولبنان). وبالإضافة إلى علاقة ربط قريبة من الدولار (ليبيا، ومصر، وموريتانيا، واليمن) -وحسبما ذهب المؤلف- فإن بلدان الخليج كانت بصدد فك ارتباط عملاتها بالدولار بناء على نصيحة صندوق النقد الدولي، إلا أن هذه الخطة وئدت في مهدها بعد زيارة وزير الخزانة الأميركي وإقناع المسؤولين المحليين بأن هذه الخطوة لا تخدم مصالحه.

تأثير الأزمة على سوق العمل العربي
يذكر المؤلف أن المنطقة العربية قبل وقوع الأزمة المالية كانت بحاجة إلى توفير 100 مليون فرصة عمل حتى عام 2020، لكي تقضي على مشكلة البطالة وتوفر فرص عمل للداخلين الجدد إلى سوق العمل. وتصل نسبة البطالة حالياً في المنطقة العربية إلى 14% من حجم القوى العاملة، وهو ما يزيد عن المعدل العالمي الذي يقدر بنحو 6.5%. إلا أن سوق العمل العربي يحمل تناقضاً واضحاً، إذ في الوقت الذي تشكل فيه البطالة معدلاً هو الأعلى في العالم، فإن استخدام العمالة غير العربية فيه هي أيضاً الأعلى في العالم.

ويتوقع الكتاب أن يزيد عدد العاطلين في المنطقة العربية بسبب الأزمة المالية العالمية في عام 2010 بنحو 3.5 ملايين عاطل مقارنة بعام 2008، ليصل عدد العاطلين العرب إلى نحو 20.4 مليوناً.

وفي ضوء هذه التقديرات يتوقع المؤلف أن تتراجع تحويلات العاملين العرب بنحو أربعة مليارات دولار سنوياً أي ما يعادل نحو 15%، وهو ما سينتج عنه أيضاً تراجعاً في النمو الاقتصادي للبلدان المصدرة للعمالة بنحو 1%.

"
بورصة دبي فقدت نحو 80% من قيمة أسهمها بعد خروج رؤوس الأموال وتعثر شركات العقار، وتم تسريح أعداد كبيرة من العاملين الأجانب، وتوقفت مشروعات في مجال البناء قدرت بنحو 582 مليار دولار
"
دبي النموذج والأزمة
أشار المؤلف إلى أن دبي استطاعت على مدار الأعوام الثلاثين الماضية أن تكون نموذجاً مبهراً إقليمياً وعالمياً، وأن تجربتها في التنمية اعتمدت على خمسة محاور (تجارة الترانزيت، اجتذاب الأموال والمنظمين من دول الجوار، التنمية العقارية، تدشين مركز دبي المالي العالمي، تصدير اسم وسمعة دبي). واستطاعت الإمارة أن تصهر جنسيات متعددة في بوتقتها، وأن تقدم كل ما هو خيالي وممتع للاقتصاد العالمي، من خلال تحدي البيئة الصحراوية، وقلة الموارد، وتحويل دبي إلى مركز عقاري سياحي ترفيهي وخدمي.

غير أن وقع الأزمة المالية العالمية على تجربة دبي كان شديداً، ويرصده الكتاب من خلال ما تعرضت له بورصة دبي، حيث فقدت نحو 80% من قيمة أسهمها بعد خروج رؤوس الأموال وتعثر شركات العقار، وتم تسريح أعداد كبيرة من العاملين الأجانب، وتوقفت مشروعات في مجال البناء قدرت بنحو 582 مليار دولار، فضلاً عن توقف العديد من المشروعات السياحية والعقارية.

وينتقد المؤلف ممارسات دبي في مجال العقارات من حيث استخدام نماذج معمارية خيالي لا تتفق وطبيعة البيئة الصحراوية، أدت إلى ارتفاع تكلفة الحصول على الماء والطاقة، وتخلي الإمارة عن طابعها العربي والإسلامي، مما ساعد على تكبدها إنفاقا عالي التكلفة لتوفير بنية أساسية تواكب هذه النماذج المعمارية الخيالية.

ولم تغب دبي عن التجربة العالمية، حيث مني قطاعها المالي بوجود فساد من بعض مسؤولي البنوك الأجانب بما لا يتناسب مع أولويات التنمية في دبي أو المنطقة العربية، مثل شراء أسهم في نوادي قمار في "لاس فيغاس" الأميركية، أو متحف الشمع في لندن. وفي الوقت الذي اعتمدت فيه التجربة على الأجانب، فإنها لم تسمح لهم بالاندماج في المجتمع المحلي.

والدرس الذي يخلص إليه الكتاب في شأن تجربة دبي، أن نجاح التجربة خلال الفترة الماضية كان عالي التكلفة، ولم يراع طبيعة الإمارة وملابسات التراث والبيئة الطبيعية والاجتماعية، وأن ما يجب استيعابه في وضع خطط التنمية هو المواطن أولاً وليس ما نحققه من زيادة في الناتج المحلي الإجمالي، وعلينا أن نسأل دائماً: من المستفيد؟ وما التكلفة الاجتماعية لهذا النمو؟ وهل يمكن الحفاظ على استدامة هذه التنمية؟

ويذهب المؤلف إلى أن هذا الأسئلة لا ينبغي لها أن تطرح أو نجد لها إجابة دون تطوير مؤسسات التمثيل الديمقراطي والشعبي.

"
آن الأوان للرجوع إلى الأسس التاريخية للعمل الاقتصادي في الحضارة العربية والإسلامية، والتأكيد على قيم العمل المنتج وتشجيع الإنتاج المسؤول والاستهلاك المعتدل والتوزيع العادل
"

آليات مكافحة الأزمة
في الفصل الأخير من الكتاب، وضع المؤلف مجموعة من الآليات على الصعيدين القطري والإقليمي لمواجهة تداعيات الأزمة، فعلى الصعيد القطري أشار إلى أهمية زيادة الإنتاج وتنافسية الإنتاج الحقيقي، وزيادة حجم الإنفاق الكلي من أجل خلق فرص عمل للعاطلين، وكذلك زيادة الاستثمارات وتشجيع الادخار العائلي، وزيادة الرقابة الحكومية والمجتمعية، خاصة في القطاع المالي وسوق الأوراق المالية.

أما على الصعيد الإقليمي فتمت الإشارة إلى أهمية التخفيف من حجم الفجوة الغذائية في العالم العربي، وعدم الانكشاف على الخارج، ورفع كفاءة القدرات الإنتاجية، وتحسين قدرات البنية الأساسية في مجالات الطرق والنقل، وتحسين أوضاع التعليم والتدريب، وأن تتم الاستفادة من صناديق التمويل الإقليمية، وأن يكون للعرب رأي موحد في المؤسسات الاقتصادية العالمية.

وعلى الرغم من أن المؤلف قد ألمح غير مرة إلى الأدبيات الاقتصادية الإسلامية في معرض نقده للنموذج الاقتصادي الرأسمالي الذي أنتج الأزمة، فإنه أشار في خاتمة الكتاب غلى أنه آن الأوان للرجوع إلى الأسس التاريخية للعمل الاقتصادي في الحضارة العربية والإسلامية، والتأكيد على قيم العمل المنتج وتشجيع الإنتاج المسؤول والاستهلاك المعتدل والتوزيع العادل.

المصدر : الجزيرة

التعليقات