عرض/الحسن سرات

سؤال "هل الإسلام خطر على أوروبا؟" عنوان لكتاب شارك فيه 17 قسيسا ومفكرا كاثوليكيا وأشرف عليه كريستوف جيفروي رئيس تحرير ومدير مجلة لا نيف، وهي مجلة شهرية كاثوليكية مقربة من الفاتيكان ولها وزن وقيمة عند المفكرين والمسؤولين الكاثوليك. وشاركته في الإشراف آني لورون الخبيرة بالشرق الأوسط والقضايا الدينية والتي ألفت كتبا منها "العيش مع الإسلام" و"مسيحيو المشرق هل سينقرضون؟".

-الكتاب: هل الإسلام خطر على أوروبا؟
-المؤلف: كريستوف جيفروي وآني لورون
-عدد الصفحات:160
-الطبعة: الأولى/ 2009
-الناشر: منشورات لا نيف

وأصل هذا الكتاب سجال بين مجلتين كاثوليكيتين فرنسيتين الأولى هي لا نيف، والثانية لا روكونكيت، ويديرها برنار أنتوني، وهو رئيس منظمة أغريف أي "التحالف العام ضد العنصرية ومن أجل احترام الهوية الفرنسية والمسيحية" وهو أيضا رئيس مركز هنري وأندريه شاركييه، كما أنه مؤسس ومدير مجلة لا روكونكيت ونائب برلماني أوروبي عن الجبهة الوطنية لماري لوبان من 1984 إلى 1999.

وبدأ السجال بين الرجلين بمقال افتتاحي لجيفروي حول الإسلام والتهديد الذي يشكله للقارة العجوز، فرد عليه أنتوني لتتوالى السجالات والمناقشات في المجلتين وفي الإذاعات والقنوات.

ثم توسعت المناقشة ليشارك فيها نخبة من الكتاب والرهبان المسيحيين الكاثوليك مجيبين عن ثلاثة أسئلة محددة بعثها لهم جيفروي ولورون، وهي هل الإسلام خطير وشمولي؟ وهل يمثل خطرا عظيما على أوروبا بعد اندحار الشيوعية؟ وهل يمكن التعايش معه ومحاورته؟

الإسلام عدو يتقدم 
اتفقت كلمة جميع المشاركين على أن الإسلام خطر حقيقي يهدد أوروبا، لكنهم اختلفوا في التعبير عن درجة الخطورة وأسبابها، والعلاقة بين الإسلام والإسلاميين الحاليين. وحاول جيفروي التلطيف من درجة الخطورة والعداوة، بينما أفصح أنتوني عن مخاوفه وعداوته بكل صراحة.

ففي نظر جيفروي"الإسلام ليس عدوا واضحا يمكن التعرف عليه وتحديده مثل الشيوعية، ولكنه والحق يقال عدو لنا بسبب وجوده المتعاظم في أوروبا ولروحه الانتشارية التي تتجسد في سلوك أبنائه الأكثر عنفا باللجوء إلى الإرهاب".

كما أنه ينبه إلى أنه "يجب التوقف عن التمييز بين الإسلامية والإسلام، فهما في الواقع شيء واحد، ومادام الإسلام لم يعرف بعد ثورة عن طريق الاجتهاد، خاصة في تفسير القرآن، فسيبقى دينا عنيفا وعدوانيا".

وميز جيفروي بين الإسلام والشيوعية فقال "الفرق بينه وبين الشيوعية أن هذه كانت عدوا مبدئيا، في حين أن الإسلام ليس عدوا مبدئيا لأنه ليس مذهبا ماديا أو بناء عقلانيا باردا، ولكنه يؤسس بنيانه على عقيدة وإيمان بإله خالق يحدد سلطات الإنسان".

بينما يرى أنتوني أن "الإسلام بالنسبة إلينا ليس هو العدو الأول عالميا ولكنه يشكل خطرا رئيسيا دون أن نتجاهل الشيوعية التي ما تزال حية. ولكن الحقيقة التي لا مراء فيها هي أن الإسلام كان حقا عدونا الأول في جل مراحل تاريخنا".

"
الإسلام دين شمولي وفي حركاته النضالية الحالية يعتبر هو الخطر الأول في المستقبل الأوروبي، وإذا أمكن التعايش مع المسلمين الذين يفضلون تدينا باطنيا خاصا، فإنه من الصعب التعايش مع الآخرين، ويستحيل مع الحركيين"

"
كما استعرض بعض محطات العداوة التاريخية فذكر منها أن الإسلام كان "عدوا للمجتمعات التي غزاها في مراحل تقدمه الأولى، في أفريقيا الشمالية (المغرب) حيث قضى على نفوذ الكاهنة، وفي آسيا الوسطى والهند وأيضا في فلسطين وفي القسطنطينية، وهو عدو أوروبا في الحروب الصليبية وعدو لمسيحيي الإمبراطورية العثمانية بالقرن 19 وأيضا للشباب المسيحي بالقرن العشرين".

وعلى نفس الوتر، عزف كثير من المشاركين في الكتاب، مثل ماري تيريز أستاذة الإسلامولوجيا والعربية بالمعهد الكاثوليكي بتولوز، وزوجها دومينيك أورفوا أستاذ الفكر والحضارة العربية بجامعة تولوز، ومن مؤلفاتهما المشتركة "الحركة السيكولوجية في القرآن" 2007 وكذلك "ألف باء الإسلام والمسيحية" 2008.

وهما يريان أن "الإسلام دين شمولي وفي حركاته النضالية الحالية يعتبر هو الخطر الأول في المستقبل الأوروبي، وإذا أمكن التعايش مع المسلمين الذين يفضلون تدينا باطنيا خاصا فإنه من الصعب التعايش مع الآخرين، ويستحيل مع الحركيين".

التعايش والحوار
وحول مسألة التعايش مع الإسلام والتحاور معه، اختلفت التوجهات بين المسؤولين الكاثوليك، فجيفروي يعتبر أن الأمر ممكن إذ "أظهرت جولات التاريخ أنه يمكن التعايش مع الإسلام تعايشا سلميا".

أما أنتوني فيرد بأن "الإسلام دين لا يمكن التفاهم معه لأنه يضطهد المسيحيين، فلا يوجد بين الإسلام والمسيحية شيء مشترك للتفاهم والحوار، لأن الإسلام ببساطة يرفض الثالوث المقدس والتجسيد وعقيدة الفداء والخلاص، وهذا جوهر المسيحية".

ويعيب جيفروي على أنتوني حسمه بأن لا حوار مع الإسلام لعدم وجود مخاطب ولإنكار الإسلام لجوهر المسيحية، ويقول "فلماذا إذن نتحاور نحن الكاثوليك مع البروتستانت وهم ينكرون جوهر عقيدتنا وليس لهم ممثل يتحدث باسمهم؟ إن لم يكن للحوار مع المسلمين إلا هدف التعارف فهذا وحده يكفي، إذ أن المسيحيين يعرفون عن الإسلام أكثر مما يعرفه المسلمون عن المسيحية".

أما ريمي براغ، أستاذ الفلسفة بجامعات باريس والسوربون وميونيخ، والمتخصص في فلسفة القرون الوسطى العربية واليهودية والخبير في الفلسفة اليونانية، فيرى من جهته أن الحوار مع الإسلام عسير وأيضا "تكمن صعوبته في أنه يقدم نفسه على أنه جاء بعد المسيحية ومهيمنا عليها ومصححا لأخطائها، وإن أول شرط لبدء الحوار والمضي فيه هو معرفة كيف يدرك الإسلام نفسه".

من جانبه يرى القس فرانسوا جوردان المكلف بالعلاقات مع الإسلام في أبراشية باريس ومؤلف كتاب "إله المسيحيين وإله المسلمين" سنة 2008، أن أول شرط للتحاور والتعايش مع الإسلام هو أن يتخلى عن جمعه بين الديني والسياسي، وهذا هو مصدر خطورته بالإضافة إلى نظرته للمرأة وحقوق الأقليات الدينية.

وهي الفكرة نفسها التي عبر عنها القس هنري بولارد مدير مؤسسة خيرية بمصر ومدير ثانوية العائلة المقدسة بالقاهرة ومؤلف كتاب "الإسلامية"، إذ يقول "لو كان الإسلام مجرد دين فحسب لهان الأمر معه، ولكن المشكل أنه نظام حياة شامل وشمولي وهذا هو مصدر الخطر" ولهذا "لن يندمج الإسلام في أي شيء لأنه كان دائما دامجا غير مندمج، مستوعبا لغيره غير قابل للاستيعاب". ولذلك فإن الحوار مع الإسلام في نظر جوردان لا يمكن إلا إذا كان في وضع الأقلية.

ضعف المسيحية

"
أجمع المشاركون في الكتاب على أن الإسلام يزحف في أوروبا بسبب ضعفها المسيحي وتخلي الأوروبيين عن دينهم وعقيدتهم، ولوقف الزحف الإسلامي لا بد من صحوة دينية مسيحية تشع على أوروبا وتدافع عنها
"
وكما حصل الإجماع على أن الإسلام هو الخطر الأكبر على أوروبا، فقد اتفقت كلمة المشاركين على أن الإسلام يزحف في أوروبا بسبب ضعفها المسيحي وتخلي الأوروبيين عن دينهم وعقيدتهم، ولوقف الزحف الإسلامي لا بد من صحوة دينية مسيحية تشع على أوروبا وتدافع عنها.

فهذا جيفروي يعتبر أن "المأساة مع الإسلام تبدأ معه في حالات ضعفنا، عندها يظهر جانبه الفاتح فيكتسح كل من يظهر علامات ضعفه". ويشدد على أنه "لا خلاص لنا إلا بتجديد الإيمان في المسيحية، وهذا هو الأمر المستعجل، فالإسلام لا يتقدم في أوروبا بسبب جاذبية ذاتية فيه يسحر بها أبناءنا وشعوبنا، ولكنه يزحف إلى الأمام بسبب الهجرة في المقام الأول. وشيطنته لن تجدي فتيلا".

وهذا أنتوني يؤكد أن "أسلمة أوروبا تجري عن طريق مساجد المسلمين التي تتحول إلى دار الإسلام. وأظن أنه ينبغي مواصلة بذل أقصى الجهد للحيلولة دون لبننة فرنسا وابتلاعها النهائي على يد الإسلام".

كما أنه يسوي بين خطورة الإسلام وخطورة الشذوذ الجنسي على أوروبا، فيقول مستحضرا صفحات من التاريخ الديني الفرنسي"لقد كافحت جان دارك لإبعاد الإنجليز عنا ومنعتهم من استعمارنا، فكيف يطيب لنا نحن أحفادها، أن نبقى مكتوفي الأيدي أمام التطهير الروحي والثقافي والديموغرافي لشعبنا على يد الشواذ وتحت ظلال المآذن".

أما براغ فيلقي باللائمة على الأوروبيين الذين ارتدوا عن دينهم "فالخطر الأكبر بالنسبة لأوروبا وللغرب كله خطر داخلي، ومهما يكن خصوم أوروبا، حقيقيين كانوا أم وهميين، فإنهم لا يستمدون قوتهم إلا من ضعفها الداخلي".

ويضيف أن "من بين مظاهر ضعفنا الداخلي رفض الأوروبيين النظر في ضعفهم ورفض البحث عن علاجه، ولإخفاء منبع الضعف لا شيء أجدى من إلقاء المسؤولية على الخارج مثل الشيوعية سابقا، والإسلام حاليا".

الهجرة والتوالد
وحضرت مشكلة الهجرة بكل قوة في المناقشات الدائرة بين المسؤولين الكاثوليك، ولم يتردد أحد منهم في مهاجمة السياسات الحكومية التي فتحت الباب على مصراعيه أمام المهاجرين من بلدان إسلامية، فتسلل الإسلام إلى الفضاء الأوروبي عن طريق الأجيال المتتالية من أبناء المهاجرين الذين امتلكوا الجنسية الأوروبية وصار الإسلام بموجب ذلك أمرا واقعا لا يرتفع.

يقول جيفروي "الهجرة الكثيفة إلى أوروبا هي الباب الذي ولج منه الإسلام علينا، وذلك من مسؤوليتنا ومن أخطاء قادتنا الذين اتبعوا سياسة انتحارية نقلت أفواجا من المسلمين إلى ديارنا".

ثم يكرر ويذكر "ولا ننسى على الخصوص أن الاندحار الديموغرافي من أهم الأسباب، وهو الأمر الذي لم يمتلك أي مسؤول شجاعة مواجهته بقوة، لأن ذلك سيؤدي به إلى رفض التحرر الجنسي لإعادة الاعتبار لمؤسسة الأسرة المستقرة".

ويحذر بولارد من سيطرة الإسلام على كل شيء في الأفق المنظور بسبب نموه الديموغرافي قائلا "ما أن يصبح الإسلام أغلبية في أوروبا، وهذا أمر لن يتأخر، بفضل لعبة الهجرة والديموغرافيا والمعتنقين الجدد للإسلام، حتى يفرض رؤيته وشريعته بطريقة ديمقراطية خالصة كما فعلت النازية" مضيفا أن الأوروبيين "لا يريدون أن يبصروا هذه الحقائق، وأخشى ما أخشاه أن يستفيقوا قبل فوات الأوان".

ينبغي ألا نخاف
وإذا كان الخوف والقلق هو السائد لدى معظم المتحدثين عن "الخطر الإسلامي" على أوروبا، فإن هناك بعض أصوات التهدئة والتعقل، وإن كان صوتها ضعيفا ورأيها لا يؤبه به.

منها صوت ميشيل لولونج، عضو جمعية مبشري أفريقيا "القساوسة البيض" الذي كان كاتبا عاما للعلاقات مع الإسلام في ملتقى قساوسة فرنسا، ومن كتبه "راهب المسيح بين المسلمين، مذكرات 2007، و"المسلمون والمسيحيون خصوم أم شركاء؟ 2008 و"زعماء الكنيسة والإسلام" 2009.

فقد كتب رأيه تحت عنوان "لا ينبغي أن نخاف"، فقال "ليس من الصواب ولا من العدل أن نسوي الإسلام بالشيوعية، ونجعله عدونا الأول بعدها".

وأضاف لولونج "إذا كانت هذه الهجرة غير قانونية وغير مراقبة فإنها خطر حقيقي، ولكن ينبغي ألا نخلط بين الهجرة والإسلام. فكثير من المهاجرين أولا ليسوا مسلمين، وثانيا من الطبيعي أن يكون للمسلمين حرية ممارسة شعائرهم الدينية مثل كل المتدينين".

وخلص إلى أن المسيحيين لو عرفوا القيم الدينية والأخلاقية لهذه الديانة ما خافوا وما حزنوا، ولو أنهم تعرفوا على مسيحيتهم وقيمها لكانوا أكثر هدوءا وأقل قلقا".

مستقبل مخيف

"
رغم الخصومة والخلاف بين الكاثوليك والبروتستانت حول عدة أمور جوهرية تتصل بالعقيدة والتنظيم، فإن الجميع يتنافسون في اعتبار الإسلام العدو الأول للغرب, وهذا ما ينذر بمستقبل غير سار للمسلمين بالغرب
"
عندما فاجأ البابا الجديد المسلمين بتصريحاته حول الإسلام في ذروة أزمة الرسوم الساخرة من نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام، فإنه في الحقيقة لم يكن يعبر عن رأيه الفردي، ولكنه كان يعبر عن رأي معظم المسؤولين الكاثوليك المحيطين به، وهذا الكتاب يقدم عينة ممتازة لأولئك النظار وخشيتهم من "الخطر الإسلامي".

والواضح أنه رغم الخصومة والخلاف بين الكاثوليك والبروتستانت حول عدة أمور جوهرية تتصل بالعقيدة والتنظيم، فإن الجميع يتنافسون في اعتبار الإسلام العدو الأول للغرب. وهذا ما ينذر بمستقبل غير سار للمسلمين بالغرب، خاصة وأنه صار الآن واقعا لا يرتفع كما أقر بذلك جميع المشاركين بهذا الكتاب.

ويكشف الكتاب أن رجال الدين الكاثوليك والبروتسانت أيضا، وجدوا في "الظهور الإسلامي" فرصة سانحة لتصفية الحساب مع مخلفات فلسفات التنوير وفصل المسيحية عن الحياة العامة، خاصة في مجال الأخلاق والجفاف الروحي والتحرر الجنسي وانهيار الأسرة وطغيان المادية الميركانتيلية.

الحقيقة أن الإسلام في النهاية يمثل بعثا جديدا للمسيحية وتحديا يثيرها للاستجابة له ونفض الغبار عن نفسها والعودة مرة أخرى إلى الحياة العامة والخاصة للناس، ولهذا ينبغي أن يشكر الإسلام والمهاجرون المسلمون الذين جاؤوا إلى الغرب طلبا للرزق في الظاهر، ولكن القدر أرسلهم ليوقظوا المسيحيين ويفكروا في أمر دينهم، ولم يأمر الإسلام أتباعه يوما ما بمحو أهل الكتاب من الوجود، بل أمر فقط بحوارهم ومجادلتهم بالتي هي أحسن وفي ذلك إثارة لهم ودعوة للتفكير فيما عندهم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك