عرض/ محمد تركي الربيعو

تسعى الباحثة الأميركية ليسا ون بهذا الكتاب، للحديث ومن رؤية أنثروبولوجية عن المسالك التي يتبعها كل من الأوروبيين والخليجيين في بلاد الفراعنة، والتي كثيرا ما نسج عنها العديد من الأساطير والحكايات، وخاصة عن رحلة ذلك "البدوي" ذي الشعر الكثيف والبشرة السمراء والذي قدم إلى مصر وهو على ظهر جمله، باحثا عن جوار يشتريها لإشباع رغباته الجنسية التي لا ترتوي، بينما بقي الأوروبي تنسج من حوله الحكايات بوصفه ذاك الرجل الأبيض صاحب العيون الزرقاء، والذي يأتي ليكتشف خبايا الشرق الغامض بنية صادقة بريئة أساسها العلم والمعرفة.

-الكتاب: سياحة اليل..  سياحة النهار
-المؤلف: ليسا ون
-
المترجم: صخر الحاج حسين
-عدد الصفحات:390
-
الناشر: دار قدمس, دمشق
-الطبعة: الأولى/2009

ولذلك فإنه برأي الباحثة لا بد من تجنب الغوغائية والتفسيرات المبسطة، والتي أدت إلى خلق صورة نمطية مصرية عن العرب بتصويرهم وهم يمضون الليالي بلعاب يسيل على الراقصات الشرقيات، والتي يمكن تفسيرها من منظور أنثروبولوجي بسبب حالة من الاستياء الناجمة عن سوء توزيع الثروة النفطية، التي جعلت من ذلك "البدائي" القادم من الجزيرة العربية يصبح "باشا" وفق التعبير المصري على أبناء وادي النيل أصحاب الحضارة الفرعونية العريقة.

بالإضافة إلى أن الخيال الأوروبي الاستشراقي فيما يتصل بجنسانية الشرق الأسطورية الوضيعة، ما زال يعشعش وللأسف الشديد ليس في العقلية الغربية فحسب ، بل وكذلك في الحكايات والقصص المولودة من رحم الذهنية العربية.

السياحة والأنثروبولوجيا
تحاول الكاتبة في هذا الفصل أن تقدم تعريفا للسياحة من منظور وعدسة بعض علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا.

ففي ستينيات القرن المنصرم، بدأ علماء الاجتماع بالكتابة عن السياحة والتنظير لها بوصفها صناعة خلقت "قوما زائفين" جنبا إلى جنب مع "ثقافة فولكلورية زائفة" نتيجة للمشكلات الثقافية التي أنتجتها، مثل ارتداء الناس لأزياء تقليدية وإصرارهم على أن يدفع لهم السياح نقودا مقابل الصور الفوتوغرافية التي يلتقطونها لهم، وبواسطة ذلك تحولت "الصلة الأخلاقية" إلى "صلة نقدية" مقابل تلك الكياسة التي كانت ستمنح طواعية بطريقة أو بأخرى.

وبالتالي فإن السياحة بنظر هؤلاء العلماء قد حولت التفاعلات الاجتماعية العامة إلى سلع وبضائع تباع وتشترى مما هدد بتدمير الأصالة الثقافية.

وبرأي الكاتبة فإن هذا المنظور وهو ثيمة عامة في أدب السياحة، لا يمكن تفسيره إلا لكونه يستمد مرجعيته من نزعة تشاؤمية أصولية فيما يتصل بالرأسمالية والتحديث.

ففي هذه النظرة، ترى الثقافة على أنها آخر حصن للمعنى. وعبر السياحة تمارس الرأسمالية اعتداءاتها الوحشية حتى على الثقافة التي تنزع إلى تسليع واستهلاك كل شيء تجده في متناولها.

كما أنه في هذه الكتابات، تم تصوير الحداثة على أنها حالة تغريبية ، فخلو العمل من المعنى جعل الناس في المجتمع الصناعي يبحثون عن المعنى والأصالة في الثقافة.

ولذلك اتخذ هذا السعي لبوس السياحة بما أن نظرة المرء إلى ماضيه التاريخي (كما يحدث في مواقع السياحة التاريخية شأن تلك التي تسعى إلى إعادة خلق الحقب الاستعمارية أو قرية الفايكنغ) أو ماضيا معاصرا أقل تعرضا لسيرورة التصنيع، يمد الناس الآخرين بالأصالة الثقافية كبديل عن فقدان المرء لأصالته.

ولذلك نجد أن العديد من النساء والرجال الغربيين يصرون على السفر إلى "بلاد الشعوب الغابرة" بغية التعرف على ثقافات وأساطير بعض المجتمعات، التي ما زالت تمارسها منذ عدة عقود، وكأنهم يريدون أن يثبتوا من خلال ذلك أن الأصالة الثقافية لا تزال موجودة، وبالتالي لا بد من أخذ استراحة قصيرة ينأوون من خلالها بأنفسهم عن حيواتهم القاحلة على الصعيدين الثقافي والروحي.

"
رغم الافتراضات التي باتت مسلمات ضمن حقل "أنثروبولوجيا السياحة" نجد أن عرب الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا يشكلون تقريبا نحو ثلث الزوار الأجانب إلى مصر كل عام، نصفهم سياح خليجيون،"
غير أنه برأي الكاتبة فإن الصلة التي أقامها أولئك المنظرون بين السياحة والحداثة، قد أدت إلى مجموعة من الافتراضات عن السياح لونت البحوث الأنثروبولوجية عن السياحة، مما جعل من أدب السياحة منحازا على نحو كبير بوصفه مقولة غربية على وجه الحصر.

فثمة زعم ضمني يتكرر لا يقف عند حدود التصريح بأن الثقافة الأصيلة توجد في نمط حياة الشعوب غير الأوروبية بل يتعدى ذلك ليقول: إن السائح الأصيل الوحيد هو الفرد الغربي، وذلك لأن لغير الأوروبيين ما يفعلون أفضل من أن يهدروا وقتهم ونقودهم على السياحة، ولأن المجتمع الغربي هو الذي يمتلك حصرا الأساس الاقتصادي لإنتاج سياحة شعبية.

لكن رغم هذه الافتراضات التي باتت مسلمات ضمن حقل "أنثروبولوجيا السياحة" نجد أن عرب الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا يشكلون تقريبا نحو ثلث الزوار الأجانب إلى مصر كل عام، نصفهم سياح خليجيون، وعلاوة على ذلك يمكث السياح القادمون من الخليج وقتا أطول من نظرائهم الغربيين وينفقون نقودا أكثر منهم.

وبالتالي فإن الإقرار بمقولة السياح العرب على جانب من الأهمية ليس لأن ذلك يمارس تحديا لصورة عن السائح عفى عليها الزمن، بل لأنه يزعزع الافتراضات التي تدور حول العلاقة بين السياحة والثقافة الغربية.

أطلنطس والزئبق الأحمر
ترى ليسا ون في هذا الفصل -وربما هنا تكمن أهمية الكتاب- أن الاستعمار الغربي ليس هو الوحيد الذي مهد الطريق للسياحة الغربية الجماعية في مصر، وذلك لأن فكرة مصر قد شكلت منذ زمن بعيد جانبا من الخيال الثقافي الشعبي الأوروبي.

إذ تعود جذور الخيال الأوروبي عن مصر إلى الماضي البعيد، بدءا من المرحلة الإغريقية الرومانية حيث كان الافتتان بالمعابد والنصب التاريخية الفرعونية القديمة مرورا بالتحريض الإمبريالي الفرنسي مع قدوم نابليون لخيال علماء المصريات عن حضارة وادي النيل.

ففي أوروبا الحديثة والولايات المتحدة ، يعود القدر الكبير من جماهيرية مصر ليس بوصفها بلدا هاما في الشرق الوسط ، بل لكونها ذكرت في كتب العهد القديم، ولكون الأهرامات كانت مخازن قمح يوسف التي استخدمت في أيام الوفرة. ولذلك يجب ألا نتفاجأ عندما نعلم أن هدف عدد كبير من أعمال التنقيب والحفريات على وجه الخصوص خلال السنوات السابقة، كان يتمحور حول إيجاد دليل أثري على صحة حكايات توراتية.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل إنه مع بداية العقد الثاني والثالث من القرن المنصرم، تشكلت حركات جديدة أخذت تسعى إلى نسج ديوان للأساطير والخرافات عن تاريخ مصر القديمة، ولعل أكثرها نشاطا في العقود الأخيرة هي حركة النيوايج (المنظرين البدلاء) المؤلفة من مجموعة من علماء الآثار الذين أخذوا يروجون لصور وخيالات عن الأهرامات ومصر بوصفها مستعمرة قديمة لحضارة أطلنطس الضائعة، التي انتشر سكانها في أرجاء الأرض وأسسوا "عبادات الحكمة" بدءا من أهرامات المايا والانكا إلى معابد أنغلر الكمبودية وإلى أهرامات مصر، والتي جميعها تحمل بكل وضوح بصمة هدف مشترك لفكرة روحية عامة. وأما سر هذه الحضارة فمازال مدفونا في حجرة سرية في رمال الجيزة أو تحت تمثال أبو الهول.

"
تزدهر الشائعات حول الزئبق الأحمر الأسطوري والذي يقال إنه مدفون مع المومياءات الملكية، وبأن هذا الدواء الأحمر ذو فعالية علاجية مذهلة تشفي معظم الأمراض
"

وبرأي الكاتبة فإن الغربيين ليسوا الوحيدين من يقومون بذلك، فللعرب خيالات روحية مختلفة عن مصر الفرعونية كذلك، حيث تزدهر الشائعات حول "الزئبق الأحمر" الأسطوري والذي يقال إنه مدفون مع المومياءات الملكية، وبأن هذا الدواء الأحمر ذو فعالية علاجية مذهلة تشفي معظم الأمراض.

وتشير الكاتبة إلى أن ذلك حدث مع الأمين العام لمجلس الآثار في مصر الدكتور زاهي حواس حين طلب منه أحد المسؤولين العرب، أن يحصل على كمية من هذا الترياق الذي لا وجود له بالأصل، لمعالجة والدته التي كانت تعاني من مرض استعصى على الأطباء علاجه.

لكن مع ذلك يبقى أن أحد الفروق الرئيسية بين العرب والغربيين أصحاب الخيالات الباطنية عن مصر، أن الغربيين لا يميلون إلى معرفة الكثير عن مصر الحديثة ، فهم ضليعون في سرد الحكايات عن الملك توت عنخ أمون ونفرتيتي بالتفاصيل الدقيقة، لكنهم لا يعرفون اسم رئيس مصر الحالي مثلا، ذلك لأنهم ليسوا معنيين بالسياسات المعاصرة لكونهم لا يتحكمون بمقدار البلاد، مما يضعنا أمام تحديات كان قد طرحها المرحوم إدوارد سعيد من أنه ليس هناك من معرفة "خالصة"عن الشرق، بل كل شيء مؤسس في علاقات سياسية وتاريخية محددة للسلطة.

عربدات الأمير الغازي
ترى الكاتبة أن ما يفسر عدم الاهتمام الكبير للعرب بالأهرامات على عكس السائح الغربي لا يعود إلى أنه يحبذ بدل السير في الصحراء أن يزور أحد الملاهي الليلية في شارع الهرم، لاكتشاف الجغرافية الجسدية لإحدى الراقصات والتي ما ملت النكت والأحاديث المصرية من روايتها، بل لكون الصورة التي تستحضرها مصر في الأذهان العربية طالما بقيت أشد جذبا لشخصيات لعبت دورا في الإطار الإقليمي العربي، وخاصة في العقود الأخيرة بدءا بجمال عبد الناصر المعروف بنزوعه إلى القومية العربية، مرورا بالأديب نجيب محفوظ الذي اختطف بمخيلته عقول جيل عربي كامل أملا في إيقاظ شخصية "عاشور" المليئة بكل قيم المروءة والشجاعة والتي بات يفتقدها في مدينته، أو مطربين محبوبين شأن أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وعمرو دياب، وممثلين مثل عادل أمام ونجلاء فتحي وراقصات شهيرات مثل فيفي عبده ودينا.

بعد ذلك تحاول ليسا ون تفسير ظاهرة نشوء الأساطير التي تنتشر عن السائح العربي وخاصة عن بعض السعوديين في بلاد النيل، إذ ثمة اعتقاد جلي أن العرب هم غزاة ومفترسون سيما مع النساء الفقيرات المصريات.

 

"
هناك زعم خاطئ يرى أن السعوديين يأتون إلى مصر بحثا عن لقاءات ومواعيد مع النساء، وذلك لأنهم لا يمتلكون أي فرصة تمكنهم من التفاعل اجتماعيا مع النساء في المملكة، وهذا ببساطة شديدة ليس صحيحا
"
وعلى الرغم من صحة بعض الادعاءات عن العرب الذين قدموا إلى مصر طلبا للجنس والكحول، فإنه في الوقت ذاته يجب أن نعلم، أن دوافع كثيرين منهم ليست كذلك، وهي في الغالب لا علاقة لها بذلك وخاصة أن الغالبية العظمى من المصريين الذين يتحدثون عن العرب القادمين إلى مصر طلبا للجنس والدعارة لم يشهدوا على ذلك بأم العين، هذا بالإضافة إلى أن هناك زعما خاطئا يرى أن السعوديين يأتون إلى مصر بحثا عن لقاءات ومواعيد مع النساء، وذلك لأنهم لا يمتلكون أي فرصة تمكنهم من التفاعل اجتماعيا مع النساء في المملكة، وهذا ببساطة شديدة ليس صحيحا ويعبر عن صور اختزالية لصورة المملكة العربية السعودية.

 لذا لا بد من التساؤل في غياب أي دليل أو برهان عن السبب من انتشار هذه الشائعات؟  ويمكن أن نفسر سبب معظم الشائعات والأساطير والتي تفسرها معظم الدراسات الأنثروبولوجية الحديثة بكونها حكايات تصدر عن جماعات مستضعفة من المجتمع، تعتقد أنها تتعرض للهجوم، والتي تسعى من خلال نسج بعض الأساطير عن العرب وعربداتهم الجنسية مثلا، لتعبر عن حالة من التذمر بسبب عجز حكومتها عن تحسين الحالة المعيشية لها، ولتخفي من وراء هذه الحكايات ألما وحزنا نتيجة حالة التفاوت السياسي والاقتصادي بين الخليج وواقع مصر المتردي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك