عرض/عبده الأسدي
يقدم التقدير الإستراتيجي الصادر عن معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، الصادر في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2008، والمترجم، عام 2009 عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في بيروت تحت عنوان "قراءات إسرائيلية إستراتيجية"، مقاربات إستراتيجية إسرائيلية هامة لعدد من القضايا التي يسعى صُناع القرار السياسي في إسرائيل إلى حسمها، أو إلى محاولة إيجاد حلول لها، عبر الاستعانة بما تقدمه مراكز صنع المشورة والبحث الإستراتيجي، ولربما شكّل هذا التقرير إضافة هامة لديهم.

ولعل من نافلة القول أن آلية صنع القرار السياسي في إسرائيل تمر في إحدى مراحل تشكلها الأولى من بوابة مراكز الأبحاث التي تقدم تصورات الباحثين والخبراء لعدد من القضايا الإستراتيجية.

ومما يكسب التقرير الذي بين أيدينا أهميته أن بعض المشاركين في صياغته لهم باع طويل في التأثير على صناعة القرار الأمني الإسرائيلي، فيما لآخرين دور بارز في التأثير على الرأي العام الإسرائيلي.

-الكتاب: قراءات إسرائيلية إستراتيجية (التقدير الإستراتيجي الصادر عن معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي)
-
ترجمة: عدنان أبو عامر
-
تحرير: عبد الحميد الكيالي
-الناشر:
مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت
-الطبعة: الأولى/2009
حرب لبنان الثالثة
في الدراسة الأولى قدم غيورا آيلاند، وهو جنرال متقاعد وباحث بارز في معهد دراسات الأمن القومي، دراسة تحت عنوان: حرب لبنان الثالثة: استهداف لبنان، ويعتقد آيلاند أنه في حال وقوع حرب ثالثة مع لبنان فإن "نتائج هذه الحرب لن تكون بالضرورة أفضل من سابقاتها التي اندلعت في يوليو/تموز 2006، وذلك في حال اقتصرت المواجهة على حزب الله".

آيلاند يقدم مسوغاته من خلال التأكيد على أن مستوى القوة بين إسرائيل وحزب الله لم يتغير، معتبرا أن التحسينات التي أدخلها الجيش الإسرائيلي على صفوفه، قابلها تطور ملحوظ لدى قدرات حزب الله العسكرية، إلا أنه يعتبر أن السبب الأكثر أهمية الذي يمنع إسرائيل من تحقيق انتصار على حزب الله يعود إلى ثلاثة عوامل، وهي :

1- عمل المنظمة انطلاقا من دولة سيادية (لبنان) ضد دولة سيادية أخرى (إسرائيل).

 2- رعاية وحماية الدولة اللبنانية للمنظمة.

 3- توفير الغطاء للمنظمة من قبل الدولة التي تشعر أن بنيتها التحتية بمنأى عن أي هجوم إسرائيلي.

ويعتبر آيلاند أن سبب فشل إسرائيل في الحرب الثانية أنها قاتلت العدو "غير الصحيح، إذ حاربت حزب الله، بدلا من الدولة اللبنانية" ويخلص إلى أن سبل منع نشوب حرب ثالثة مع لبنان، يقتضي تحقيق انتصار ناجز على لبنان الدولة والقضاء على جيشها نهائيا وتدمير البنية التحتية وإلحاق المعاناة الدائمة بالسكان. وهو برأيه ما سيحول دون حدوث اندلاع حرب رابعة مع لبنان، ما لم يتم مواجهة لبنان جيشا واقتصادا ومقاومة في الحرب الثالثة في حال اندلاعها.

ومن موقعة كجنرال سابق وباحث بارز في معهد دراسات الأمن القومي، ورئيس لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي سابقا، يرى آيلاند ضرورة نقل هذه الرسالة للأوساط المسؤولة في لبنان، عبر الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا ودول أخرى، وعدم الانتظار لليوم الذي يمكن أن تندلع فيه الحرب القادمة(الثالثة).

"
هناك من يطرح مفهوم "المواجهات منخفضة القوة" بما يتيح لإسرائيل العمل على توجيه ضرباتها العسكرية لحزب الله ولحركات المقاومة الفلسطينية حتى وإن تصادف وجود عناصرهم العسكرية داخل التجمعات المدنية
"
بالمقابل قدم رئيس شعبة الأبحاث في جهاز الاستخبارات العسكرية (أمان) يوسي كوبر فاسر، مقاربة إستراتيجية مختلفة عن سابقه تقضي بضرورة التدقيق في أي عمل عسكري قد يطال لبنان الدولة، وذلك انطلاقا من تخوفه من تداعيات العمل العسكري على إسرائيل، في حال لم يتم تحقيق الأهداف الإستراتيجية لها عبر القضاء نهائيا على حزب الله، وعليه فإن حساب الكلفة والمردود في المعايير الإسرائيلية يقضي التريث بعدم توجيه الضربات العسكرية إلى لبنان الدولة.

وفي سياق تناول الموضوع دعا كل من الباحثين إيرز زيونيتس وروني بارت، لطرح مفهوم "المواجهات منخفضة القوة" بما يتيح لإسرائيل العمل على توجيه ضرباتها العسكرية لحزب الله ولحركات المقاومة الفلسطينية حتى وإن تصادف وجود عناصرهم العسكرية داخل التجمعات المدنية، لهذا فإن دعوتهما المنظمات الدولية إلى تشريع دولي جديد يوسع مفهوم العمل العسكري ضد المليشيا التي تتخذ من المناطق السكنية منطلقا لها يصب في خانة ما سمياه مبدأ المواجهات العسكرية منخفضة القوة.

مراحل تطور الاستيطان
في حين سعى ألون بن المحلل السياسي البارز في صحيفة هآرتس إلى تقديم صورة تاريخية عن مراحل تطور الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، وتحديدا في الضفة الغربية، معتبرا أن قيام إسرائيل بزرع المستوطنات مباشرة بعد الاحتلال في العام 1967، كان بهدف لإيجاد واقع جيوسياسي على الأرض مما يعيق احتمالات الانسحاب منها.

في حين اتسمت المرحلة الثانية بتمييز المستوطنات التي من المفترض أن تبقى بحوزة إسرائيل في إطار أي حل نهائي مع الفلسطينيين، وتلك المنعزلة المقامة على قمم الجبال، وفي غور الأردن، والمفترض أن تكون موضع تفاوض.

"
أي حل مستقبلي مع الفلسطينيين سوف يتضمن بشكل أو بآخر شرط إخلاء بعض المستوطنات المنعزلة هنا وهناك، مقابل أن تحتفظ بالمستوطنات الكبيرة التي التهمت أكثر من 40% من أراضي الضفة
"
وما ميز هذه المرحلة أن المباشرة بإنشاء جدار الفصل جاءت بهدف إقامة عازل بين كلا النوعين من المستوطنات، أو بشكل أكثر دقة تحديد رسم خط الحدود المستقبلي بين إسرائيل وحدود الكيان الفلسطيني المفترض، واعتبر بن أن المرحلة الثالثة قد بدأت منذ اللحظة التي توجه فيها رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق إيهود أولمرت لحل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية داخل المستوطنات الإسرائيلية المقامة على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية.

بن يشير إلى حقيقة راسخة استطاعت السياسات الإسرائيلية للحكومة المتعاقبة أن تحققها وهي توسيع حدود الكيان الإسرائيلي إلى الشرق من الخط الأخضر في أي حل مستقبلي مع الفلسطينيين، من هنا يجزم بن أن أي حل مستقبلي مع الفلسطينيين سوف يتضمن بشكل أو بآخر شرط إخلاء بعض المستوطنات المنعزلة هنا وهناك، مقابل أن تحتفظ بالمستوطنات الكبيرة التي التهمت أكثر من 40% من أراضي الضفة، كما حددها جدار الفصل.

قراءة استشرافية لمسار المفاوضات
زكاي شالوم، الباحث البارز في معهد أبحاث الأمن القومي ومعهد بن غوريون، يقدم قراءة استشرافية لمسار المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، ويعتبر أن فكرة إقامة دولتين لشعبين قد أفل نجمها، وليس بإمكان أي حكومة إسرائيلية أن تعمل على إخلاء المستوطنين في الضفة الغربية أو قسم منهم لإقامة الكيان الفلسطيني العتيد نظرا للتداعيات الإستراتيجية التي سيتركها هذا الإخلاء على وضع إسرائيل الأمني.

وضمن سياق تناول الوضع الفلسطيني بتداعياته، يقدم إفرايم ليفيا، مدير معهد شتاينميتس لأبحاث السلام، سيناريوهين على ضوء استمرار حالة الانقسام السياسي بين حماس وفتح، والجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة. أولهما: استمرار حالة التدهور لسلطة عباس، وثانيهما تنامي قوة التيارات الإسلامية، وتحديدا حماس، وعلى ضوء هذين السيناريوهين نجد حالة من القلق الإسرائيلي إزاء مستقبل السلطة يتجسد في الخوف من الاستمرار في انهيار السلطة الفلسطينية مقابل صعود حماس.

الدور الروسي في الساحة الدولية
وبالانتقال إلى الملف الدولي نرى أن التقرير الإستراتيجي سعى لتناول الدور الروسي في الساحة الدولية، وذلك عبر البحث الذي قدمه عوديد عيران، الباحث في مركز هرتزليا المتعدد المجالات، إذ أشار إلى تغير النظرة العالمية للدور الروسي في الساحة الدولية، ولا سيما مع الإشارة إلى ما سماه المصالح المشتركة بين روسيا والغرب، ومنها الحرب ضد الإرهاب، ومنع انتشار السلاح النووي.

ورغم ذلك يرى عيران أن روسيا تجد نفسها في مأزق كبير إزاء سبل حل الملف النووي الإيراني، فهي لا تريد لإيران أن تمتلك أسلحة نووية، ولا ترغب بتاتا أن يحل هذا الملف عبر أي عمل عسكري أميركي أو إسرائيلي، لهذا ثمة ارتباك روسي يعبر عنه داخل مجلس الأمن بالدعوة لتشديد العقوبات الاقتصادية ضد طهران، في محاولة لإرجاء أي عمل عسكري قد تسعى الولايات المتحدة لتنفيذه، وهنا يعتبر عيران أن هذا السلوك السياسي يعكس في الجوهر افتقارا لاتخاذ القرار المناسب في مثل هذا الموضوع الحساس.

وعلى الصعيد الإيراني، فقد تطرق إفرايم كام، مساعد رئيس معهد أبحاث الأمن القومي، إلى إمكانية قيام إسرائيل بتوجيه ضربة عسكرية مباغتة للمنشآت النووية الإيرانية، مركزا على الرسائل الإيرانية التي تبثها في حال أقدمت إسرائيل أو الولايات المتحدة على خطوة كهذه.

"
في حال قامت الولايات المتحدة بتوجيه ضرباتها العسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية، ستقوم إيران بتوجيه ضربات موجعة إلى القوات الأميركية في العراق وأفغانستان، وربما في دول الخليج
"

ضرب إيران
وفي هذا الصدد يطرح العديد من الاحتمالات، ففي حال نفذت إسرائيل عملا عسكريا ضد المنشآت النووية الإيرانية، فإن إيران تمتلك عددا من الردود، منها: إطلاق مكثف للصواريخ من إيران باتجاه إسرائيل، الاستعانة بالقذائف الصاروخية من حزب الله ضد إسرائيل، تنفيذ عمليات انتحارية ضد إسرائيل بأيد فلسطينية، تنفيذ عمليات مسلحة ضد أهداف إسرائيلية ويهودية خارج إسرائيل، لكن كام يكاد يجزم بأن إيران لن تتورط في أي رد يطال المصالح الأميركية.

لكن ما هو الرد الإيراني في حال قامت الولايات المتحدة بتوجيه ضرباتها العسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية، دون الاستعانة بإسرائيل؟ كام يقدم في هذا السياق أيضا عددا من الخيارات، أولها أن تقوم إيران بتوجيه ضربات موجعة إلى القوات الأميركية في العراق وأفغانستان، وربما في أماكن تواجد القوات الأميركية في دول الخليج (قطر والسعودية والإمارات مثلا) العمل على إغلاق مضيق هرمز، والحد من تدفق النفط، مما سيؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعاره.

المفاوضات السورية-الإسرائيلية
ملف المفاوضات السورية-الإسرائيلية تناولها التقرير، عبر الدراسة التي قدمها إيال زيسر، رئيس مركز موشيه ديان، وأحد الباحثين المهتمين بهذا الملف، في هذه الدراسة يفحص زيسر أبرز التطورات والتغييرات التي طرأت على ملف التفاوض بين سوريا وإسرائيل خلال العامين الأخيرين، محاولا في الوقت نفسه فحص إمكانية تجدد المفاوضات بعد أن أطاح ملف الفساد برئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق إيهود أولمرت.

إلا أن زيسر يشدد على أن الجانبين السوري والإسرائيلي يعيشان أزمة ثقة، ولا بد من طرف ثالث، يحاول أن يردم بينهما الفجوات المحتملة، لكن يصعب ردمها في ظل التباعد الكبير بين الحق السوري المطالب بالانسحاب الكامل من الجولان، وهو ما أقرته وديعة رابين، ومن ثم تعهد أولمرت بالالتزام بهذه الوديعة، وبين الشروط الإسرائيلية التي تضع شروط على سوريا قبل البدء في العملية السياسية وتنفيذ استحقاقات العملية السياسية برمتها.

"
يكتسب الكتاب أهميته من كون كتابه ليسوا باحثين فقط، منشغلين بالبحث عن سيناريوهات كل حالة سياسية، بل هم أنفسهم لهم دور بارز في عملية صياغة القرار الإستراتيجي الإسرائيلي
"
البحث الأخير في التقرير كان من نصيب كل من الباحثين يورام شفايتسر وجايا شاكي، إذ تناولا في بحثهما الحرب ضد القاعدة، مع أخذهما العراق نموذجا، ويخلصان إلى أن تنظيم القاعدة وحلفاءه أعادوا بناء قوتهم، وترميم قدراتهم العسكرية، على الرغم من الضربات التي تلقاها، لهذا يخلصان إلى أنه من المبكر جدا التنبؤ بأن تنظيم القاعدة في العراق على وشك الأفول، بل ثمة جهود حثيثة يقوم بها لترميم بنيانه، أو لنقل نشاطاته إلى حيز جغرافي آخر يستطيع من خلاله أن يفعل وجوده ويمكن من استكمال بنيته العملياتية في المناطق التي تشكل ساحة أساسية له كحال أفغانستان وباكستان.

الكتاب ليس كبقية الكتب، بل هو جهد بحثي إسرائيلي يسعى لقراءة تحليلية لعدد من الأحداث السياسية تتوزع على قارات العالم، محاولا استعراض تداعياتها واحتمالات مآلاتها، مما يؤشر إلى نقطة جوهرية وهي أن إسرائيل لا تدخر جهدا للعب دور إقليمي ودولي.

الكتاب يكتسب أهميته من كون كتابه ليسوا باحثين فقط، منشغلين بالبحث عن سيناريوهات كل حالة سياسية تواجهها إسرائيل، بل هم أنفسهم لهم دور بارز في عملية صياغة القرار الاستراتيجي الإسرائيلي، عبر مراكز البحث والمشورة التي يعملون بها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك