عرض/ محمد عصيدة
هذا الكتاب إطلالة من الكاتب والمؤلف الأستاذ الدكتور عبد الستار قاسم -المحاضر وأستاذ الفكر السياسي في جامعة النجاح - على الأزمة الاقتصادية العالمية، في محاولة منه لتشخيصها وبيان أسبابها، ومن ثم وضع الحلول لها، وكيفية الخروج منها وتجاوزها.

هذا العمل كما أسماه الدكتور ليس بحثا علميا بل هو مقطوعة فكرية حول التحرر من الأزمة المالية العالمية، والأزمات الاقتصادية التي تسببها الرأسمالية التحررية الحديثة. كما أنه لا يمكن تصنيف هذا العمل ضمن الإطار الأكاديمي البحت، فقد كتب بأسلوب فكري وفلسفي، أراد من خلاله المؤلّف أن يؤسس لأرضية لا بد لأي نظام أن ينطلق منها.

-الكتاب: التحرر من اقتصادات القمار والخداع
-المؤلف: عبد الستار قاسم
الطبعة: الأولى/ 2010

والمدهش حقا من خلال قراءة هذا الكتاب -على الرغم من أنه يغلّب الطابع المثالي على الرؤية والحلول- هو المقدرة الفائقة التي يعالج بها المسائل الاقتصادية الصعبة.

لقد بدت عناوين الكتاب مترابطة منسقة، يقود بعضها إلى بعض، وعلى الرغم من صغر حجم الكتاب وكبر حجم المشكلة التي يعالجها، فإن هذا الكتاب يصلح لأن يؤسس أرضية لانبثاق نظام اقتصادي بديل عن الأنظمة الاقتصادية القائمة حاليا. والتي وصلت إلى ما وصلت إليه، وأبقت على مجتمع الخمس الثري وأربعة الأخماس من الفقراء.

لكن ما يحتاج إليه الكتاب، هو رفع الروح الأكاديمية فيه ليكون أرضية لمنهاج تربوي اقتصادي، يؤسس لعلم اقتصادي جديد أحوج ما تحتاجه جامعاتنا ومعاهدنا.

غير أن ذلك لا يقلل من شأن هذا الكتاب القيّم. في موضوع شائك والكتابة فيه نادرة. ولعل ما كتب حول هذا الموضوع الجاد وباللغة العربية لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة.

يقع الكتاب في 16000 كلمة ويضم بين دفتيه بابين مع المقدمة والفهارس. وفيما يلي جوهرهما:

تشخيص المشكلة
يرى الكاتب في هذا الباب أن الأساس الذي نتجت عنه المشكلة الاقتصادية العالمية يكمن في النظام الرأسمالي نفسه. ذلك النظام الذي يهدف إلى مراكمة الأرباح وليس توفير العيش الكريم للنّاس، وبذلك يكون هذا النظام قد خرج عما هو طبيعي وتكويني للإنسان، عندما جعل هدف كل النشاطات الاقتصادية هو تحقيق أكبر قدر من الأرباح، الأمر الذي يترتب عليه تغييب للقيم الإنسانية، التي من المفترض أن يكون النشاط الاقتصادي فاعلا ومتحفزاً من أجل تحقيقها.

فإذا كان هدف الرأسمالية هو تحقيق أكبر قدر من الأرباح، فإن الاقتصادي سيحاول أن يصل إلى هذا الهدف بأيّ وسيلة كانت، حتى ولو كان ذلك على حساب الفقراء وقوتهم.

قانون التنافس وقانون الاستغلال
يرى الكاتب من خلال هذا العنوان أن الرأسمالية أدركت خطأها إثر الكساد الاقتصادي عام 1929 بعدم التدخل في آلية السوق، مما دفعها إلى تبني سياسة اقتصادية جديدة تقوم على تشجيع التنافس ومنع الاحتكار.

وهذه السياسة الجديدة نجحت -من وجهة نظر الكاتب- إلى حد كبير في تجاوز أزمة عام 1929. وحققت الرأسمالية من ذلك التاريخ وحتى أزمة عام 2008 تقدماً علمياً وتقنياً واقتصاديا كبيرًا، انعكس على حياة الناس وظروفهم المعيشية، حيث شكّل عنصر الحوافز الشخصية أحد أهم أسس انطلاق الرأسمالية نحو مزيد من النشاط والتقدم، وهذا يعبّر عن تجارب مهمة لا بد من الاستفادة منها، لكنّ المؤلف يرى أن كل هذه التطورات والتحسينات لم تكن نتاج مبدأ بقدر ما كانت نتاج القيم الربحية.

حيث يقول "صحيح أن قانون التنافس وقوانين مراقبة عملية التلاعب بالأسعار والتكاليف، وفّرت نوعًا من الحماية للمنتجين ومقدمي الخدمات الصغار، إلا أن تحقيق الأرباح بقي هو المحرك الأول للرأسمالي، لذلك لم يعد الرأسمالي مكتفياً بالأرباح التي تتيحها السوق المقننة، مما دفعه إلى البحث عن ثغرات ينفذ من خلالها لإشباع نهمه وجشعه"، ومن هذه الأساليب الجديدة التي لجأ إليها الرأسماليون لتحقيق أهدافهم كما يرى المؤلف "الخداع"، حيث أخذ العالم الرأسمالي يتفنن في طرق فتح شهية المستهلكين، وتطورت أساليب الدعاية والإعلان، فأصابت الإنسان بهوس أو جنون الاستهلاك.

"
تجارة الأسهم والبورصات ما هي إلا مقامرة لا يستفيد منها إلا أصحاب رؤوس الأموال القوية، والأذكياء الذين يملكون القدرة على رفع الأسعار وخفضها، من خلال ألاعيبهم في البيع والشراء
"
وهذا خلق قيماً اجتماعية جديدة تنظر إلى كل من يواكب الموضة على أنه متقدم ومن لا يواكبها متخلف، بغض النظر عن المقدرة الشرائية والحالة الاقتصادية، وواضح أن الناس كما يرى المؤلف وصلوا إلى مرحلة لا يستطيعون معها أن يقاوموا هذا التيار الذي أغرقهم بآخر الموضات، حتى تطورت الأمور مع الزمن لتصل إلى اعتبار الدعارة والاتجار بها نوعا من أنواع الحرية الربحية، في الوقت الذي غابت فيه حرية المجتمع في أن يكون سليماً ومعافى، حتى إن الكثير من الخدمات الأساسية تحولت إلى أعباء تثقل كاهل الكثيرين من أصحاب الدخول المحدودة، خصوصا عندما يأتي ذلك ضمن سياق التجديد ومواكبة العصر.

كما أكد المؤلف أن تجارة الأسهم والبورصات ما هي إلا مقامرة لا يستفيد منها إلا أصحاب رؤوس الأموال القوية، والأذكياء الذين يملكون القدرة على رفع الأسعار وخفضها، من خلال ألاعيبهم في البيع والشراء، حيث يقول "إنّ الأسواق المالية العالمية عبارة عن أوكار للخداع والتضليل، وهي المكان الذي يلتقي فيه الذكاء والجشع والطمع مع الغباء".

القانون يحمي الفوضى
تحت هذا العنوان خلص المؤلف إلى فكرة أساسيّة يقوم عليها النظام الرأسمالي، وهي أنّه لا مكان في هذا النظام إلا للأقوياء. وبالتالي من يضع القانون هم الرأسماليون الأقوياء الذين يراعون مصالحهم في تحقيق الأرباح، فإذا كان هذا هو السائد على مستوى الدولة فكيف على مستوى الدول.

فأميركا اليوم التي تتربّع على عرش النظام الاقتصادي العالمي، ومعها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، تضغط من أجل الانفتاح الاقتصادي والخصخصة وتحرير التجارة وفتح الأسواق، دون أن تكون هنالك ضوابط قانونية، أو قوانين تصون مصالح الضعفاء والدول الفقيرة، وقد ربطت أميركا مساعداتها للعديد من الدول النامية بشروطها المالية، وذلك من أجل أن تستأثر بالأسواق. أي أن المعاهدات الدولية والاتفاقات كما يرى المؤلف تخدم الفوضى بدل أن تخدم النظام.

ومن خلال جدلية المؤلف، يمكن إجمال النقاط التالية:

1- هناك خلل كبير بين ما ينتجه الفرد والخدمات التي يحصل عليها، ولا يستطيع تغطية الفارق إلا من خلال المديونية.

2- التسهيلات الائتمانية عبارة عن آفة اجتماعية وإنسانية تثقل كاهل الناس بدل أن تعالج مشاكلهم.

3- الأسواق المالية أشبه ما تكون بكازينو للقمار، لا يوجد فيه رابحون سوى المدير.

4- فلسفة التسويق القائمة حاليًا تعتمد الإغراء، وتسبب أذىً لأصحاب الدخول المحدودة.

الحل كما يراه المؤلف
ومن ثم قدم المؤلف الحل تحت العناوين التالية:

"
إذا أردنا أن نؤسس لنظام يخدم مصالح الناس عامة، فيجب في البداية أن نؤسس لنظام سياسي متحرر من قبضة أصحاب رؤوس الأموال
"
- تحرير المستوى السياسي من قبضة الرأسمالية:
يرى المؤلف أن النظام السياسي هو المسؤول عن رعاية شؤون الناس وتحسين أحوالهم، ورفع مستوياتهم في مختلف المجالات، وهنا تكمن العقدة في النظام السياسي الغربي الرأسمالي وهي أن النظام السياسي عبارة عن خادم للنظام الرأسمالي وحارس لبقائه وسلامته، حيث إن السائد في النظام السياسي الغربي أنه على علاقة وطيدة بأصحاب رؤوس الأموال، فهم الذين أوجدوه، وما أوجدوه إلا لحماية مصالحهم وتأمين حصولهم على أكبر قدر من الأرباح بطرق مشروعة قانونياً، حتى ولو كانت بعيدة عن العدالة والأخلاق.

فإذا أردنا أن نؤسس لنظام يخدم مصالح الناس عامة، فيجب في البداية أن نؤسس لنظام سياسي متحرر من قبضة أصحاب رؤوس الأموال.

لأن النظام السياسي هو الذي يوجد النظام الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي، الذي يؤدي إلى إعمال حالة من العدالة في كل شيء وإتاحة الفرص للجميع بعدالة وحرية، فالعدالة والحرية لا تتناقضان وإنّما تنسجمان، لكن السائد في النظام الغربي -الذي يدّعي أنه نظام ديمقراطي من ناحية الممارسة- أن هناك استبدادا سياسيا متمثلا في استبدادية رأس المال ووسائل الإعلام والأحزاب والثقافة التي صنعتها الرأسمالية.

- التحرر من استخدام المال كسلعة:
السائد في النظام الرأسمالي اليوم هو اعتمادهم على استخدام المال كتجارة. فمن يملك المال يستطيع أن يفرض شروطه على كلّ من هم بحاجة إليه في المجتمع، لذلك رأى المؤلف أن هذا النظام زاد من ثراء الأثرياء، وأبقى على الكثيرين أتباعا ومدينين لصاحب رأس المال سواء أكان بنكاً أو مؤسسة أو شخصا، لأن الجهة الدائنة لا تمنح المال إلا بفوائد تجعل المدين طوال حياته همّه كيف يفي بالتزاماته تجاه الدائن، والمشكلة في النظام أنه أوجد قوانين لا تمنع الفائدة وإنما حفظ للدائن حقه مع الزيادة.

تجارة المال مضرة بالمجتمع لأنها أقرب إلى القمار من النشاط الاقتصادي. لذلك رأى المؤلف أنه لا بد من تطوير مؤسسات مالية تسهل الأعمال التجارية والمبادلات، وتسهل نقل الأموال وتحويلها، وتبتعد عن استغلال المال كسلعة تجارية، فالمال أداة وليس سلعة تجارية تباع وتشترى.

وعلى المستوى الدولي، رأى المؤلف أنّه لا بد من التحرر من قبضة القوى المهيمنة التي لا ترى إلا نفسها، والتي رأت أنّ الرأسمالية التحررية (الليبرالية) فرصة للسيطرة السهلة على مقدرات وثروات الأمم، وأنه لا بد من التعاون على أسس عالمية ضرورية من أجل التكامل الدولي دون الذوبان.

- تضييق الهوة العلمية بدل الهوة الاستهلاكية
يقول المؤلف "إن هناك هوة استهلاكية واسعة بين المستوى الاستهلاكي في أوروبا وأميركا وذلك المتوفر في أفريقيا وأميركا اللاتينية وأغلب أقطار آسيا، وهناك أيضا هوة علمية هائلة".

"
ما تقوم به الدول الصناعية المتطورة -خاصة الولايات المتحدة الأميركية- هو تضييق الفجوة الاستهلاكية لكنها لا تحاول تضييق الهوّتين العلمية والتقنية, بل على العكس يحافظ عليها
"
وما تقوم به الدول الصناعية المتطورة -خاصة الولايات المتحدة الأميركية- هو تضييق الفجوة الاستهلاكية، لكنها لا تحاول تضييق الهوتين العلمية والتقنية، بل على العكس كلما حاولت إحدى الدول النامية الانتفاع من التقنيات الغربية فإن المعلومات تـُحجب عن هذه الدول، أو تحارب هذه الدول.

ولتخطي هذه الأزمة على الدول النامية ألا تفتح أسواقها تحت شعارات اقتصادية كاذبة، لأن ذلك يحوّلها إلى مستهلكة غير قادرة على الوفاء بمتطلبات الهجمات الاستهلاكية التي تغزو مواطنيها فتغرقهم في الديون ومن ثم في التبعية السياسية.

كما رأى المؤلف أنه من سبل حل هذه الأزمة إنشاء نظام إداري لا يقوم على الجشع كما هو في الغرب، ولا يقوم على الفساد كما في الدول النامية، كما أنه لا بد من إبعاد الإدارة عن التسييس.

- البعد الأخلاقي ودوره في حل الأزمة:
تحت هذا العنوان ركّز الكاتب على ضرورة إحداث توازن في النظام الاقتصادي، ففي الوقت الذي على النظام الاقتصادي أن يسعى إلى الربح، عليه أيضا أن يراعي البعد الإنساني، فلا يكون الربح على حساب الأخلاق التي بدونها لن ترقى الأمم، فالنظام الرأسمالي الحالي يمنع الكذب ليس لأسباب إنسانية وإنما لأسباب تتعلق بحسن سير النظام الرأسمالي، أما الزنا والدعارة فغير ممنوعين من أجل الربح، وفي كلتا الحالتين الأرباح هي المحرك.

لكنّ الصحيح هو أنه من الضروري أن تحقق تقدماً اقتصادياً وأن يرتفع مستوى المعيشة وأن يتحسن مستوى الاستهلاك، لكن من الضروري التمسك بعدالة التوزيع وبتماسك المجتمع، فالفلسفة التي يجب أن يستند إليها النظام هي فلسفة الحق وليس فلسفة الربح.

"
إذا كان النظام الاقتصادي يسعى إلى الربح، فإن عليه أيضا أن يراعي في نفس الوقت البعد الإنساني، فلا يكون الربح على حساب الأخلاق التي بدونها لن ترقى الأمم
"

كما أن المؤلف لم يغفل الانعكاس التربوي للنظام، وفرّق بين البرامج التربوية التي تأخذ أبعاداً مادية كمقياس للالتزام والصالح العام كما هو في الغرب، وبين العملية التربوية المنسجمة مع مفاهيم المساواة والعدالة التي تعترف بالحقوق وبالقدرة على الإنجاز في ذات الوقت.

وفي ختام هذه المقطوعة، خلص المؤلف إلى مجموعة من النقاط بين فيها التباين مع الرأسمالية، وهذا يظهر من خلال دعوته إلى عزل السياسي عن الرأسمالي والإعلام، وفي انطلاق المقطوعة من مبدأ أن الإنسان فردي وجماعي في آن واحد، وأيضا حينما نظر إلى أن القيمة الربحية منبثقة عن قيمة إنسانية، وفي دعوته إلى تحديد الملكية الخاصة، والتمسك بالأخلاق التي لا نهضة بدونها، ليكون بذلك المؤلف من خلال هذه المقطوعة قد أسس لأرضية من شأنها أن تبني اقتصاداً جديداً حراً من هيمنة وقبضة اقتصادات الرأسمالية المخادعة، حسبما خلص إليه المؤلف.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك