عرض/ حسين عبد العزيز

هذا الكتاب يعود للمناضل الفلسطيني وأحد قادة حركة فتح البارزين الأسير مروان البرغوثي، وقد نوقش مضمون هذا الكتاب الذي هو أطروحة دكتوراه عبر الدائرة التلفزيونية المغلقة لدى معهد البحوث والدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية.

تكمن أهمية الكتاب في أنه يمثل أول دراسة من نوعها تتناول بالبحث المعمق التجربة البرلمانية الفلسطينية من خلال فترة عمل المجلس التشريعي الأول بين عامي 1996 و2006.

يمتحن الكتاب على مدار فصوله المتعددة مدى واقعية الآمال التي علقها الفلسطينيون على المجلس التشريعي لبناء نظام ديمقراطي.

- الكتاب: الأداء التشريعي والرقابي والسياسي للمجلس التشريعي الفلسطيني
- المؤلف: الأسير مروان البرغوثي
- عدد الصفحات: 384
- الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت
- الطبعة الأولى 2010

 
 
النظام السياسي الفلسطيني
تعود جذور التعددية السياسية في فلسطين إلى عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، حيث نشأت في أتون مقاومة الغزو الصهيوني والاحتلال البريطاني مجموعة من الأحزاب والمنظمات والاتحادات والجمعيات التي جمعها هدف مقاومة الاحتلال.

ومن أهم الأحزاب التي تشكلت قبل النكبة الفلسطينية: حزب الاستقلال العربي، وحزب الدفاع الوطني، والحزب العربي الفلسطيني، وحزب مؤتمر الشباب، وحزب الإصلاح العربي، وحزب الكتلة الوطنية.

ظلت هذه الأحزاب ذات نفوذ محدود، وافتقدت رؤية إستراتيجية موحدة يقودها نظام سياسي موحد، ولذلك سرعان ما انهارت بعد النكبة مع ضياع الهوية الوطنية والسياسية للشعب الفلسطيني، مما أدى إلى نشوء فراغ سياسي لدى الشعب.

وفي ستينيات القرن الماضي وبتكليف من القمة العربية التي عقدت عام 1964، بدأ أحمد الشقيري بصفته ممثل فلسطين في الجامعة العربية بإنشاء كيان فلسطيني يمكّن الشعب الفلسطيني من تحرير وطنه.

وفي نفس العام افتتح الملك حسين المؤتمر الفلسطيني الأول في القدس بحضور 397 شخصية، وانتهى إلى اتخاذ عدة قرارات منها:

- إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية من أجل تعبئة الطاقات لتحرير الوطن.
- إقرار الميثاق القومي الفلسطيني.
- اختيار أحمد الشقيري رئيسا لمنظمة التحرير.

ومع ولادة منظمة التحرير الفلسطينية، أصبح هناك نظام سياسي جديد، غير أن الحديث عن الديمقراطية -والكلام للمؤلف- شيء آخر، حيث من الصعب الحديث عن ديمقراطية فعلية إلا في إطار المقياس النسبي للأمور، إذ لم تجر انتخابات حرة للمجلس الوطني.

إن أهم مظهر من مظاهر الاقتراب من الديمقراطية في منظمة التحرير هو التعددية الفصائلية، على أن هذه التعددية لم تكن نتيجة قناعات داخلية، بقدر ما تمت امتثالا لظروف موضوعية مرت بها المنظمة والشعب الفلسطيني وظروف التشتت.

وفي أعقاب التوقيع على اتفاق إعلان المبادئ عام 1993 (أوسلو) بين المنظمة وإسرائيل، أقيمت سلطة وطنية على جزء يسير من الأراضي الفلسطينية.

وقد تشكلت السلطة في ظل الاحتلال، ولذلك اتسم وضعها بالمحددات والشروط التالية:

"
تشكل السلطة قبل تشكل الدولة أدى إلى نمو بيرقراطي متضخم للأجهزة الأمنية، وإلى نمو عدد كبير من الوزارات والأجهزة الأمنية والهيئات الحكومية غير متلائم مع حجم السكان أو حاجات المرحلة الانتقالية
"
- لا تملك السلطة سوى سيطرة جزئية في أراضي الضفة والقطاع (منطقة أ)، علما بأنه أعيد احتلال هذه المنطقة خلال الاجتياح الإسرائيلي عام 2002، ولم تُعَد إلى السلطة الفلسطينية.

وتقع على أراضي الضفة والقطاع (الإقليم الذي تسعى السلطة لإقامة الدولة المستقبلية عليه) تجمعات استيطانية مستقلة عن السلطة الفلسطينية وتخضع لسيادة الاحتلال.

- لا تتمتع السلطة بالسيطرة على الموارد الطبيعية بما في ذلك المنطقة "أ"، فإسرائيل تسيطر على المياه التي هي عنصر حيوي للتنمية.

- لا تتمتع السلطة باحتكار الاستخدام الشرعي للعنف إلا في المنطقة "أ"، وفي كل الحالات يُعطى أمن الإسرائيليين أولوية على حقوق المواطن الفلسطيني.

ويرى المؤلف أن تشكل السلطة قبل تشكل الدولة، أدى إلى نمو بيرقراطي متضخم للأجهزة الأمنية، وإلى نمو عدد كبير من الوزارات والأجهزة الأمنية والهيئات الحكومية غير متلائم مع حجم السكان أو حاجات المرحلة الانتقالية، وترافق هذا النمو مع تمركز الصلاحيات بيد رئيس السلطة.

المجلس التشريعي الفلسطيني
مارس المجلس التشريعي أعماله استنادا إلى أحكام نظامه الداخلي الذي أقره من دون إحالته إلى رئيس السلطة للمصادقة عليه، وذلك بسبب اقتناع المجلس بأنه سيد نفسه.

ومنح القانون الأساسي صلاحيات مختلفة للمجلس، ومما جاء فيه "بحسب القانون الأساسي تقتصر مناقشة وإقرار القوانين على المجلس التشريعي، وليس هناك ما يلزم المجلس بإشراك الحكومة أو رئيس السلطة في عملية المناقشة للقوانين"، رغم أن النص النهائي أرغم المجلس على إرسال مشاريع القوانين التي انتهت قراءتها الثانية إلى الحكومة لتنظر فيها، وليرد خلال أسبوعين من استلامه لها.

وتمر عملية التشريع في المجلس بمراحل مختلفة حتى يتم إصدار القانون، ويعتبر ساري المفعول، ويعمل به، ويحدد النظام الداخلي للمجلس وكذلك القانوني الأساسي أن اقتراح القانون من حق أي عضو في المجلس.

وإضافة إلى إعطاء المجلس حق منح الثقة للحكومة أو حجبها عنها، لديه صلاحيات أخرى في كافة المجالات، ففي المجال القضائي للمجلس صلاحيات عدة أهمها:

- سن القوانين المتعلقة بالشأن القضائي، على أن يأخذ برأي مجلس القضاء الأعلى في مشاريع القوانين.
- المصادقة على تعيين النائب العام.
- تعيين رئيس هيئة الكسب غير المشروع.
- المصادقة على تعيين رئيس ديوان الرقابة المالية والإدارية.

"
لرئيس المجلس التشريعي الفلسطيني حق طلب تفسير نصوص القانون الأساسي والقوانين في حال التنازع حول حقوق السلطات الثلاث واختصاصاتها
"
وفيما يتعلق بالقضاء الدستوري، فلرئيس المجلس التشريعي حق طلب تفسير نصوص القانون الأساسي والقوانين في حال التنازع حول حقوق السلطات الثلاث واختصاصاتها.

ومن أهم الصلاحيات التي يمارسها المجلس في المجال الأمني وفقا للقانون الأساسي:

- الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية، والموافقة على سياسة الحكومة.
- للمجلس التشريعي أن يراجع الإجراءات والتدابير التي اتخذت أثناء حالة الطوارئ.
- للمجلس حق مساءلة رئيس المخابرات.

ومن أهم صلاحيات المجلس في المجال الأمني:
- إقرار الموازنة العامة للسلطة والحساب الختامي والرقابة عليها.
- إقرار الضرائب العامة والرسوم.
- المصادقة على القروض.

القرارات والقوانين الصادرة عن المجلس
إلى جانب مهامه التشريعية في سن القوانين والتشريعات والعمل الرقابي والمحاسبة.. إلخ، دأب المجلس على اتخاذ العديد من القرارات.

وكانت أهم القرارات حول القدس لما لها من أهمية دينية وتاريخية لدى المسلمين من جهة، وبسبب محاولات تهويدها المستمرة من جهة ثانية.

وعلى الرغم من أن ولاية المجلس والسلطة الوطنية في المرحلة الانتقالية لا تشمل هذه المدينة، فإن الفلسطينيين أصروا على أن تكون القدس جزءا لا يتجزأ من الانتخابات العامة التشريعية والرئاسية، وقد تم ذلك بالفعل.

ومن أهم القرارات الذي يذكرها مؤلف الكتاب:

- الطلب من السلطة التنفيذية التدخل فورا لوقف عمليات الهدم في الضفة ومناطق القدس.

- الطلب من رئاسة المجلس إحالة جميع القضايا والمواضيع التي تتعلق بالخروقات والانتهاكات الإسرائيلية.

- قرارات لمواجهة الانتهاكات الإسرائيلية للأماكن المقدسة وفي مقدمتها المسجد الأقصى.

- قرر المجلس في جلسته المنعقدة يومي 30 و31/7/1996 دعوة السلطة إلى تعليق المفاوضات حتى توقف إسرائيل سياسة الاستيطان.

"
أصدر المجلس قوانين في الشأن الاجتماعي، كقانون العمل، وقانون الطفل، وقانون التعليم العالي، وقانون حقوق المعاقين، وقانون الأسرى والمحررين، فضلا عن قوانين اقتصادية متعددة
"
وإضافة إلى القدس أصدر المجلس قرارات حول الأراضي ومواجهة الاستيطان، ومنها:

- قرارات ركزت على دعوة السلطة التنفيذية إلى اتخاذ خطوات عملية لمواجهة الاستيطان، وإلى ربط استمرار المفاوضات بوقفه.

- اتخذ المجلس قرارا يدعو فيه الجماهير الفلسطينية إلى التصدي لسياسة التوسع الاستيطاني.

- عقد المجلس جلسة خاصة لبحث موضوع الاستيطان وقرر حماية الأراضي والمدافعين عنها عبر تخصيص موازنة وصرف تعويضات للمتضررين.

كما أصدر المجلس مجموعة قرارات حول اللاجئين في المخيمات، منها دعوة السلطة التنفيذية إلى دراسة وضع الكهرباء، والعمل مع الأمم المتحدة من أجل استمرار خدمات وكالة الغوث.

وفيما يتعلق بالقوانين، فإن أهم قانون أصدره المجلس كان إقرار القانون الأساسي الذي اتخذت مناقشته في المجلس أكثر من جلسة، ولم يصادق عليه الرئيس ياسر عرفات إلا عام 2002 في ذروة الاجتياح الإسرائيلي وإعادة احتلال الضفة.

وأصدر المجلس قوانين في الشأن الاجتماعي، كقانون العمل، وقانون الطفل، وقانون التعليم العالي، وقانون حقوق المعاقين، وقانون الأسرى والمحررين، فضلا عن قوانين اقتصادية متعددة، أهمها قانون تنظيم الموازنة العامة وقانون تشجيع الاستثمار في فلسطين.

لسهام المجلس في بناء نظام ديمقراطي
يتناول هذا المبحث تقييما لإسهام المجلس التشريعي في بناء نظام ديمقراطي فلسطيني في عدة نقاط، أهمها:

- القانون الأساسي، حيث جاء القانون واضحا وشاملا بما يضمن دستورا ديمقراطيا عبر تأكيده أن الشعب مصدر السلطات، وتأكيده أيضا على الفصل بين السلطات الثلاث، وأن نظام الحكم نظام نيابي يعتمد التعددية السياسية والحزبية، وينتخب الرئيس من الشعب، وأن الفلسطينيين متساوون أمام القانون.

- الانتخابات، وهي ركيزة أساسية من ركائز النظام الديمقراطي، فهي الآلية التي يتم من خلالها تداول السلطة، وقد أقر المجلس التشريعي قانونا عصريا للانتخابات التشريعية التي جرت بموجبه انتخابات عام 2006، كما دفع باتجاه إجراء أول انتخابات للمجالس البلدية والقروية على أساس قانون حظي بقبول كافة الأحزاب والفصائل.

- المرأة، حيث أكد القانون الأساسي على المساواة التامة بين المواطنين، لكن أهم إنجاز للمجلس في هذا المجال اعتماد نظام الحصص (الكوتا) للمرأة لإنصافها وتعزيز مكانتها.

- حقوق الإنسان، حيث أقر القانون الأساسي إقامة هيئة لحقوق المواطن، وهي هيئة فاعلة تراقب سلوك السلطة في مجال حقوق المواطن.

- الإصلاح ومحاربة الفساد، حيث أولى المجلس التشريعي أهمية خاصة للحكم الصالح ومحاربة الفساد، وممارسة الرقابة والمحاسبة، غير أن الحصاد كان مخيبا للآمال، إذ فشل المجلس في معالجة تقرير هيئة الرقابة العامة عام 1997 الذي كشف عن خلل كبير في الإدارة، وأخفق في إجراء إصلاح حقيقي في مؤسسات السلطة أو في محاربة الفساد.

"
اعتبر رئيس المجلس التشريعي أحمد قريع أن انتخابات عام 1996 هي الخطوة الأولى للانتقال من شرعية الثورة إلى شرعية المؤسسة السياسية التي شرعت في تشكيل نواة الدولة، والانتقال من ديمقراطية غابة البنادق والتنظيمات إلى ديمقراطية الشعب
"
- حرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة، حيث عمل المجلس على ضمان هذه الحريات وأكد ذلك في القانون الأساسي ومختلف القوانين، غير أن المجلس لم ينجح في إجبار السلطة التنفيذية على اتباع سياسة رسمية إعلامية ذات مضمون وطابع ديمقراطي، بمعنى إتاحة مساحة أوسع لوجهات النظر.

- استقلال القضاء، وقد أولى المجلس مسألة القضاء اهتماما خاصا، وأصدر رزمة من القوانين المتعلقة به، كقانون استقلال السلطة القضائية، وقانون تشكيل المجلس الأعلى للقضاء، وقوانين للمحاكم بمستوياتها المختلفة.

ورغم ذلك بقيت السلطة القضائية مهمشة وضعيفة، بسبب تدخل السلطة التنفيذية في كل شؤون القضاء.

- المجلس وثقافة الديمقراطية، فقد بدأ المجلس التشريعي من نقطة الصفر حيث لا خبرة ولا تجربة برلمانية لأعضائه، ولهذا عقد عشرات الندوات واللقاءات لتعزيز الديمقراطية.

وقد اعتبر رئيس المجلس أحمد قريع في كلمة ألقاها عام 1999 أن انتخابات عام 1996 هي الخطوة الأولى للانتقال من شرعية الثورة إلى شرعية المؤسسة السياسية التي شرعت في تشكيل نواة الدولة، والانتقال من ديمقراطية غابة البنادق والتنظيمات إلى ديمقراطية الشعب التي تضمن المشاركة الشعبية في مؤسسات السلطة الوطنية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك