الجزيرة نت/ خاص

يصدر هذا الكتاب الذي بين أيدينا في وقت بالغ الحساسية من حيث موضوع المعالجة (أوضاع الفلسطينيين في الأرض المحتلة عام 48)، إذ شكل طرح "الدولة اليهودية" الذي دخل سوق التداول السياسي بقوة خلال الشهور الأخيرة نوعا من جرس الإنذار بشأن المخاطر التي تتعرض لها هذه الفئة من الشعب الفلسطيني، لا سيما أن البعد السياسي لمصطلح الدولة اليهودية لم يُقرأ إلا في سياق تهديده لهذه الفئة من الفلسطينيين.

-الكتاب: فلسطينيون في وطنهم لا دولتهم (دراسة في وضع الفلسطينيين في الأرض المحتلة سنة 1948)
-المؤلف: مأمون كيوان
-عدد الصفحات: 413
-الناشر: مركز الزيتونة للدراسات والأبحاث، بيروت، لبنان
-الطبعة: الأولى/ 2010

 
أعني إمكانية ترحيلهم من وطنهم، سواء بشكل مباشر، أم من خلال المشروع الذي طرحه وزير الخارجية الصهيوني المتطرف "أفيغدور ليبرمان" الذي تحدث عن تبادل الأراضي وليس السكان، حيث يقترح ضم مناطق في الجليل والمثلث إلى الدولة الفلسطينية الموعودة مقابل أراض في عمق الضفة من أجل تنقية الدولة اليهودية من هذا العبء السكاني. وهو طرح سبق أن تقدمت به تسيبي ليفني زعيمة حزب كاديما "المعتدلة" عام 2008 أيضا.

يعالج هذا الكتاب مختلف القضايا التي تخص هذه الفئة من الشعب الفلسطيني، بداية بجدل التسمية (تسميتهم) الذي لم يُحسم منذ احتلال عام 48 وحتى الآن، حيث يجري تداول العديد من التسميات، ومرورا بما تعرضوا ويتعرضون له من تمييز عنصري، وكذلك محاولات تهويد و"أسرلة"، فضلا عن خريطة الحركات والأحزاب الناشطة بين صفوفهم، ومن ثم تجربة مشاركتهم في الكنيست الإسرائيلي، وانتهاء بسؤال المستقبل الذي يبدو مطروحا اليوم أكثر من أي وقت مضى.

في الفصل الأول يتساءل الكتاب عن التسمية التي يمكن إطلاقها على هذه الفئة من الشعب الفلسطيني "فلسطينيون أم إسرائيليون أم فلسطائيليون؟"، (ربما على وزن إسراطين التي ابتكرها العقيد القذافي).

وينبع الجدل حول التسمية من الجنسية الإسرائيلية التي اكتسبها هذا الفريق بعد احتلال عام 48، لكنه يستبطن أيضا موقفا سياسيا حيالهم، إلى جانب طبيعة الدور الذي يريده البعض منهم في سياق الوضع العام للشعب الفلسطيني.

فمثلا يرى البعض أن مصطلح عرب إسرائيل يستبطن شكلا من أشكال الاعتراف بوجود الدولة العبرية كأمر واقع وربما لا نهائي، فضلا عن اعتبار النضال من أجل العدالة والمساواة هو الهدف، كأن يكونون أشبه بجالية عربية في دولة غربية، فيما يرى آخرون أنه يشكل عنوانا لنضال هدفه النهائي تفكيك المشروع الصهيوني.

في هذا الفصل يطل الكتاب على الوضع الديمغرافي لفلسطينيي 48، والذين كانوا يشكلون في العام 1949، 13% من سكان "إسرائيل" يتوزعون على 101 قرية وثلاث مدن عربية هي الناصرة وأم الفحم وشفا عمرو، وفي عدة مدن مختلطة هي عكا وحيفا والرملة وتل أبيب والقدس الغربية.

تبلغ نسبة العرب الحالية في "إسرائيل" حوالي 19%, مع الإشارة إلى أنها انخفضت خلال الخمسينيات بسبب سياسة الهجرة إلى 11%. وتتوقع دائرة الإحصاءات الإسرائيلية أن يبلغ عدد العرب عام 2022 (مليوني نسمة)، سيكون 85%منهم من المسلمين، و7% من المسيحيين و8% من الدروز.

في هذا الفصل من الكتاب ثمة معلومات تفصيلية مهمة حول التوزيع السكاني والديني والعرقي والوضع الاقتصادي والتعليمي لهذه الفئة من الفلسطينيين، مع إحصاءات دقيقة تخص كل جانب، ليس في الوقت الراهن فحسب، وإنما تطورها عبر العقود من مجيء الاحتلال وإلى الآن.

أدوات التمييز العنصري بحق فلسطينيي 48
في هذا الفصل يطل الكاتب على مسألة بالغة الأهمية في حياة هذه الفئة من الشعب الفلسطيني، وهي كذلك لأن الصورة الغالبة عنهم هي أنهم يعيشون أوضاعا ممتازة في ظل الدولة العبرية، الأمر الذي تنفيه الوقائع على الأرض على مختلف الأصعدة.

"
الثقافة العنصرية في إسرائيل تحولت مع الزمن من ثقافة سياسية إلى أيديولوجيا رسمية للدولة تترسخ أكثر فأكثر في قوانين الدولة لتصبح شرعية ومقبولة قانونيا
"

وبحسب الكاتب فإن الثقافة العنصرية في "إسرائيل" قد "تحولت مع الزمن من ثقافة سياسية إلى أيديولوجيا رسمية للدولة تترسخ أكثر فأكثر في قوانين الدولة لتصبح شرعية ومقبولة قانونيا".

وينقل عن تقرير المؤسسة العربية لحقوق الإنسان في تقريرها للعام 2004 أن بالإمكان إدراج الثقافة العنصرية في "إسرائيل" ضمن أربع مجموعات يمكن تسميتها بحلقات العنصرية وهي (التصريحات العنصرية الرسمية وغير الرسمية، والسلوك العنصري، والقوانين العنصرية، والثقافة الشعبية العنصرية).

وفي هذه السياقات جميعا يضرب الكاتب الكثير من الأمثلة التي بات بعضها معروفا في زمن ثورة المعلومات، فيما لا يعرف بعضها الآخر سوى أبناء تلك الفئة ممن يكتوون بنارها.

التهويد داخل الخط الأخضر
والخط الأخضر كما يعرف الكثيرون هو التعبير الشائع عن الخط الفاصل بين الأراضي المحتلة عام 48 والأراضي المحتلة عام 67، ونحن هنا إزاء السياسة الأبرز التي تعرض لها فلسطينيو 48 ومناطقهم، وهي سياسة التهويد وإلغاء الذاكرة.

وقد بدأت عملية التهويد من اللحظة الأولى للاحتلال من خلال الأسماء، وهو ما يسميه الكاتب "تهويد الذاكرة الفلسطينية"، حيث دأب الاحتلال على إصدار خرائط تستبدل بالأسماء العربية فيها أسماء عبرية، ومن ضمن ذلك الخرائط السياحية وسوى ذلك من الوثائق المشابهة ذات الطابع التاريخي والجغرافي.

الجانب الآخر من عمليات التهويد يتعلق باستجلاب المهاجرين وإقامة المدن والمستوطنات الخاصة بهم، مقابل التضييق على أبناء البلاد، وهنا يأتي الكتاب بعشرات الأمثلة والإحصاءات التي تتبع هذه العملية طول عقود الاحتلال. والمقصود هنا هي المناطق التي بقي فيها العرب مثل الجليل والمثلث والنقب، وليس المدن التي تعرضت للتهجير الكامل وأصبحت مدنا يهودية خالصة أو شبه خالصة.

خريطة الأحزاب والحركات السياسية
في هذا الفصل يتتبع الكتاب تحولات الفعل السياسي لهذه الفئة من الفلسطينيين، والتي اختلفت من دون شك بين مرحلة وأخرى، بخاصة بعد الاحتلال الثاني عام 67، ومن ثم بعد قبول منظمة التحرير بما قبل به العرب وصولا إلى حصر نضالها في الدولة الفلسطينية على الأراضي المحتلة عام 67.

في هذه المرحلة كانت عمليات "الأسرلة" تتم على قدم وساق، وفي السياق السياسي انحصرت أصوات العرب في انتخابات الكنيست بين حزب مباي الصهيوني (بخاصة الدروز وبعض البدو) والحزب الشيوعي الإسرائيلي، ولا سيما أنها كانت مرحلة مدٍ يساري في عموم المنطقة.

في المرحلة الثانية التي يؤرخ لها الكاتب بين عامي 66 و76 لم يطرأ تغير مهم على سلوك الفلسطينيين السياسي، وأن تأثر بأجواء الاحتلال الجديد، ونشوء منظمة التحرير الفلسطينية، حيث انحسر التأييد للأحزاب الصهيونية، وكان لافتا في هذه الفترة، بخاصة بعد عام 70 ظهور تنظيمات فلسطينية ذات طابع نقابي ومطلبي، أو تنظيمات سياسية محلية.

المرحلة الثالثة منذ عام 76 وإلى الآن تمثلت بالغنى من حيث نشوء التنظيمات والأحزاب العربية، حيث شكل حزب الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة "حداش"، أهمها في المرحلة الأولى، وعموما ظلت الأحزاب اليسارية هي سيدة الموقف في انتخابات الكنيست تبعا لعزوف الحركة الإسلامية عن المشاركة، وإن تأخر ظهورها واتساع تأثيرها حتى منتصف الثمانينيات.

"
شكلت الحركة الإسلامية  إضافة بالغة الأهمية، بل لعلها الأهم للعمل السياسي الفلسطيني، وهي صاحبة المساهمة الأكبر في الحفاظ على هوية الفلسطينيين العربية والإسلامية، لذلك كان لها النصيب الأوفر من عمليات الاستهداف من قبل دولة الاحتلال
"
هناك بالطبع تجمعات أخرى من بينها القائمة التقدمية للسلام، الحزب الديمقراطي العربي، وحركة أبناء البلد، والتجمع الوطني الديمقراطي بزعامة عزمي بشارة، والتيار القومي العربي، وأهم من ذلك بالطبع الحركة الإسلامية.

يخصص الكتاب جزءا مهما من هذا الفصل للتجمع الديمقراطي الذي أصبح قوة لا يستهان بها في الوسط العربي، وكذلك يفعل مع الحركة الإسلامية، سواء مرحلتها الأولى بقيادة عبد الله نمر درويش أم مرحلتها الثانية والأهم بقيادة الشيخ رائد صلاح.

وقد شكلت الحركة في مرحلتيها إضافة بالغة الأهمية، بل لعلها الأهم للعمل السياسي الفلسطيني، وهي صاحبة المساهمة الأكبر في الحفاظ على هوية الفلسطينيين العربية والإسلامية، ومن ثم إعادة اللحمة بينهم وبين شعبهم وأمتهم، ولذلك كان لها النصيب الأوفر من عمليات الاستهداف من قبل دولة الاحتلال.

حصاد العضوية في الكنيست
نذكر هنا بأن الانشقاق الذي وقع بين جناحي الحركة الإسلامية (الشمالي والجنوبي) عام 1996 كان بسبب مسألة المشاركة في الكنيست، إذ لا زال الجناح الشمالي الذي يقوده الشيخ رائد صلاح مصرا على رفض المشاركة باعتبارها تكريسا لشرعية الاحتلال، بينما خاضها الجناح الثاني.

منذ سنوات طويلة لم يتوقف الجدل حول جدوى المشاركة بين من يرى أن أضرارها أكثر من منافعها وبين من يرى العكس، ويلاحظ أن الكاتب يتتبع نشاط أعضاء الكنيست من دون اتخاذ موقف حاسم منها.

يتتبع الكتاب هذه التجربة منذ العام 49 يوم كان للعرب ثلاثة نواب في الكنيست، وحتى 2009 حيث وصل العدد إلى 14، مع الانتباه إلى أن عدد نواب الكنيست قد تغير، ويشار هنا إلى أن نسبة النواب العرب تقترب من نصف نسبة السكان العرب، مما يدل على عزوف قطاع كبير منهم عن اللعبة.

في هذا السياق يلاحظ الكتاب تراجع نسبة الإقبال العربي عن المشاركة في الانتخابات بشكل مطرد في السنوات الأخيرة (62% عام 2003، 56% 2006، 53% 2009)، ويعزو ذلك إلى "زيادة حالة الإحباط في الوسط الفلسطيني من إمكانية إحداث تغيير حقيقي في النظام السياسي الإسرائيلي"، إضافة إلى دعوة المقاطعة الموجهة من الحركة الإسلامية بقيادة الشيخ رائد صلاح.

ويعتبر الكتاب أن انتفاضة الأقصى شكلت نقطة تحول في علاقة فلسطينيي 48 ومنهم نواب الكنيست بالمؤسسة السياسية الإسرائيلية، وفي السياق يستعرض قضية قائد التجمع الوطني الديمقراطي (الدكتور عزمي بشارة) والتهم التي وجهت له وأدت إلى خروجه من البلاد.

على ذات الصعيد يخصص الكاتب فصلا خاصا بمشاركة فلسطينيي 48 في انتفاضة الأقصى، والتي كانت مميزة دون شك، إضافة إلى التطرق لما عرف بهبة عكا التي وقعت في 8/10/2008، حين اشتبك المواطنون الفلسطينيون في المدينة مع الإسرائيليين، في تعبير عن مستوى التوتر بين الطرفين جراء السلوكيات العنصرية من الإسرائيليين.

أسرلة أم كردنة؟
الفصل الأخير في الكتاب جاء بالعنوان أعلاه باحثا في سؤال المستقبل، وهو بحسب الكاتب يتناول "المظاهر المتعددة للأسرلة وسبل مواجهتها من خلال المشاريع السياسية والثقافية التي صاغها ساسة ومفكرون من فلسطينيي 48 من جهة، ومن جهة أخرى يتضمن قراءة نقدية لتلك المشاريع".

"
يشكل الكتاب من دون شك إطلالة مهمة على واقع الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 48، وإن لم يتورط في حسم الأسئلة الخاصة بواقعهم ومستقبلهم
"

بعد شرح مطول لمفهوم الأسرلة الذي يعني عمليا تغيير الهوية العربية بالهوية الإسرائيلية، ومن ثم استعراض لنضال الفلسطينيين من أجل العدالة والمساواة، يستعرض الكاتب الخيارات المطروحة أمام الفلسطينيين خلال المرحلة المقبلة، والتي تتلخص في (خيار الوضع القائم، خيار التحسين الأقصى في ظل الصهيونية، خيار التشدد (زيادة أوضاعهم سوءا على سوئها)، خيار الانفصال أو الترانسفير، وهو خيار ليبرمان الحالي الذي سيتسع تأييده بمرور الوقت في ظل طرح الدولة اليهودية، خيار الدولة الإسرائيلية المدنية، وهو خيار مستبعد بالطبع، خيار الدولة ثنائية القومية، وهو أيضا خيار مستبعد، وأخيرا خيار الدولة ثنائية القومية على كامل مساحة فلسطين، وهو أيضا خيار مستبعد في ظل ميزان القوى الراهن، لأنه يعني تفكيك المشروع الصهيوني).

يشكل الكتاب من دون شك إطلالة مهمة على واقع الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 48، وإن لم يتورط في حسم الأسئلة الخاصة بواقعهم ومستقبلهم، ربما كي يترك للقارئ مزيدا من الحرية في قراءة القضية بتعقيداتها المختلفة واستخلاص النتائج، وربما لأنها جزء من قضية أكبر وأكثر تعقيدا هي القضية الفلسطينية التي ما زال أكثر أسئلتها معلقا في فضاء السياسة وتقلبات موازين القوى.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك