عرض/ عمر كوش

يدخل كتاب الدكتور عبد الله تركماني "تعاظم الدور الإقليمي لتركيا" في سياق الاهتمام المتزايد الذي باتت تحظى به تركيا في الثقافة العربية مؤخرًا، حيث بات ملحوظًا ازدياد وتيرة إصدار المؤلفات والدراسات التي تهتم بالشأن التركي، وذلك على خلفية تنامي الدور الإقليمي التركي، والتطور الإيجابي الذي شهدته العلاقات العربية التركية. ويهتم الكتاب بشكل أساسي بتناول مقومات الدور الإقليمي التركي، والبحث في أبعاده ومظاهره، وتبيان حدوده ومحدداته.

الطموح التركي

-الكتاب: تعاظم الدور الإقليمي لتركيا
-تأليف: د. عبد الله تركماني
-الصفحات: 307 صفحات من الحجم المتوسط
-الناشر: دار نقوش عربية، تونس
-الطبعة: الأولى/ 2010


ينطلق المؤلف من اعتبار أن الطموح التركي، الهادف إلى لعب دور قوة إقليمية رئيسية في منطقة الشرق الأوسط ومحيطها الجغرافي والإقليمي، جعل تركيا تتحرك كدولة براغماتية ديمقراطية، تطوي صفحة الماضي، وتسعى للمصالحة والانفتاح على الجميع، وتصفير المشاكل مع جيرانها.

الأمر الذي يفسر تحركاتها تجاه دول مختلفة السياسات والأيديولوجيات، بطيف يبدأ من الدول العربية كسوريا والعراق ودول الإقليم الأخرى كإيران وحتى إسرائيل، ويمتد إلى دول آسيا الوسطى ومنطقة القوقاز، كما تجلى في المصالحة مع أرمينيا والمضي في الطريق نفسه مع اليونان.

ويؤكد تركماني أن تبدلات كبيرة طرأت على البيئة الجيوسياسية لتركيا، نتيجة الانقلاب المذهل في النظام الشامل للعلاقات الدولية، انطلاقًا من نهاية الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفياتي وحرب الخليج الثانية، وصولاً إلى الاحتلال الأميركي للعراق.

ويرى أن الاستجابة لهذه التغيّرات العالمية والإقليمية، التي تزامنت مع تحول في المناخ السياسي الداخلي وإصلاحات هيكلية، توحي بأنّ تركيا أخذت تختبر مرحلة انتقالية في علاقاتها الإقليمية والدولية، وتعي قيادتها السياسية أنّ السياسة الدولية لا تعرف حدودًا لحركة الدول، والمهم فيها هو الإرادة والتصميم والهدف الواضح، والرؤية الثاقبة، والتوظيف الأمثل لعوامل القوة المتاحة.

وتتوقف فرصة الدول في الحصول على موقع متميز على درجة المسؤولية التي تظهرها النخب الحاكمة، وعلى القدرة التي تبديها في جعل مصالح شعوبها في اتساق وتطابق مع مصالح المجموعة الدولية عمومًا والشعوب المحيطة بها بشكل خاص، كما أنه بقدر ما يكون للدولة من مشاركة إيجابية في بناء إطار فعّال وناجع للتعاون الإقليمي، تساهم في تحسين فرص التنمية عند المجتمعات المحيطة بها وليس فقط داخل حدودها، وتحظى بقدر أكبر من المصداقية، وتزداد فرص حصولها على الشرعية العالمية.

ويبدو أن السياسات التركية منذ تسلم حزب "العدالة والتنمية" لمقاليد الحكم عام 2002، لا يمكن اعتبارها خطوات أو توجهات عفوية مرتبطة بأمزجة شخصية للقيادة، بقدر ما هي خطوات عملية تنطلق من إستراتيجية جديدة، عناوينها الرئيسية تتمثل في ممارسة سياسة مستقلة، بعيدًا عن الالتحاق الكامل بالغرب والولايات المتحدة الأميركية تحديدًا، تجاه المستجدات السياسية الدولية، وانتهاج سياسة متوازنة في المنطقة هدفها تحقيق التقارب مع العالم العربي ومع دول الجوار بشكل خاص، والابتعاد ما أمكن عن التحالف مع إسرائيل في محاولة لإعادة الوجه التاريخي لتركيا، باعتبارها إحدى الدول الأساسية في المنطقة.

ولا يستقيم في أيامنا هذه تحليل المشهد الإقليمي في الشرق الأوسط اليوم، بدون تركيا وحضورها الفاعل فيه، لذلك يبدو التأمل في المشهد التركي الجديد ضروريًّا لفهم مدركات تركيا لدورها والرؤى الجديدة التي ترسم سياستها الشرق أوسطية، وذلك كله سيشكل مدخلاً أساسيًّا للتعامل مع الواقع الجديد الذي تفرضه الآن في المنطقة.

"
تركيا تعمل جاهدة لاستعادة دورها ووزنها باعتبارها قوة إقليمية في الشرق الأوسط، ويبدو أنّ محاولاتها لاستعادة هذا الدور تأتي في ظل ظروف إقليمية ودولية مؤاتية جدًّا، لا سيما أنّ أميركا مرتاحة لهذا الدور
"
فتركيا تعمل جاهدة لاستعادة دورها ووزنها باعتبارها قوة إقليمية في الشرق الأوسط، ويبدو أنّ محاولاتها لاستعادة هذا الدور تأتي في ظل ظروف إقليمية ودولية مؤاتية جدًّا، لا سيما أنّ الولايات المتحدة الأميركية مرتاحة لهذا الدور وتنظر إليه بشكل إيجابي، حيث إنّ مشاركة تركيا في البحث عن مخارج للأزمات الإقليمية الراهنة تساهم في إيجاد توازن جديد للحد من النفوذ الإيراني في المنطقة.

ولا شك أنّ القادة الأتراك استوعبوا معنى الكلام الأميركي عن أنّ المهمات تحدد التحالفات لا العكس، وأنّ ذلك، في شروط ما بعد 11 سبتمبر/ أيلول 2001، يزيد من حساسية الدور التركي.

تعدد المسائل
يرجع المؤلف إلى الوراء قليلاً كي يرسم ملامح المشهد الجيوسياسي في المنطقة، ملاحظًا أنه عندما وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، لم تكن حمَّى الجغرافيا السياسية متأججة في منطقة الشرق الأوسط، مثلما هي عليه الآن، لأن المشهد السياسي لم يعد مقتصرًا على قضية الصراع العربي الإسرائيلي فقط، بل طفت على السطح مسائل أخرى ذات أهمية، مثل "المسألة اللبنانية"، و"المسألة العراقية"، و"المسألة الإيرانية"، و"المسألة السودانية"، و"المسألة اليمنية".

ولم يعد الأمر يقتصر على ذلك، فالكلام مشْرَعٌ على "مسألة سنّية" و"مسألة شيعية"، بحيث تبدو المنطقة الممتدة من الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط حتى الهند وباكستان، وكأنها موضوعة على "صفيح ساخن" صفيح أزمات متواترة تهدد بانفجارات متلاحقة.

وشرعت دول كثيرة في المنطقة في الانخراط بسلسلة من الاتفاقيات الثنائية المفتوحة أمام كل دول الجوار، من أجل صياغة نمط جديد من العلاقات السياسية، بعيدًا عن المشاريع الهلامية التي تسعى الدول الكبرى إلى فرضها من أجل إحكام سيطرتها على هذه المنطقة الحيوية من العالم.

وتبدو تركيا، في حركتها الواسعة على امتداد حدودها الجيوسياسية والجيوإستراتيجية والاقتصادية والأمنية، في موقع من يؤسس لمستقبل تركي وازن في القرن الحادي والعشرين.

لذلك يعتبر المؤلف أن مكانة القوى الإقليمية في المنطقة تتوقف على وعي مراكز الثقل الإقليمية بالتحولات الإستراتيجية التي بدأت التشكل منذ سقوط جدار برلين عام 1989، وعلى سعيها لتعزيز مصالحها بالشراكات الإقليمية، والأهم من هذا وذاك التوظيف العقلاني المجدي لمواردها الاقتصادية والبشرية ولموقعها الجيوسياسي.

"
تعتبر تركيا من الدول التي تتمتع بوفرة الخيارات الإستراتيجية بسبب امتداد عمقها الإستراتيجي في العديد من الأقاليم المجاورة، الأمر الذي يفرض عليها أن تكون عضوًا فاعلاً في العديد من النظم الإقليمية
"
وتعتبر تركيا من الدول التي تتمتع بوفرة الخيارات الإستراتيجية بسبب امتداد عمقها الإستراتيجي في العديد من الأقاليم المجاورة، الأمر الذي يفرض عليها أن تكون عضوًا فاعلاً في العديد من النظم الإقليمية.

وهي لم تدّخر جهدًا أو فرصة لوضع قدميها في المنطقة من خلال الأخذ بالمبادرات والعمل المنظم، الذي يبدو من الواضح أنه يتبع منهجية فكرية وبعدًا إستراتيجيًّا يهدف لإعادة وضع تركيا على خريطة المنطقة، لا باعتبارها قوة إقليمية فقط وإنما باعتبارها لاعبا رئيسيا يملك مفاتيح وخيوط اللعبة. ويساعد تركيا في هذا الجانب موقعها الجغرافي، فهي على تماس مع الحدود الشمالية لكل من سورية والعراق، والشمالية الغربية لإيران، وهي على تماس أيضًا مع القوقاز الجنوبي، ومع روسيا عند حدود البحر الأسود.

الدور الإقليمي
يرى المؤلف أن تركيا اليوم تقدم أنموذجًا جيدًّا للعمل السياسي الحكيم، الذي يتخذ من الإسلام وعاءً ثقافيًّا عظيمًا، ويحاول أن يتعايش مع العصر عبر الآليات الديمقراطية، وبناء هياكل سياسية تعمل على إيجاد حلول وسط المشكلات التي تعاني منها تركيا.

كما تعمل على تعديل جوهري في المشهدين الإقليمي والدولي، وفي تصفير خلافاتها مع دول جوارها الإقليمي مع تنمية علاقاتها البينية بشكل شمولي وإستراتيجي. ويجد مرتكز السياسة الخارجية التركية في الرؤية المؤسِّسة لدور تركيا في محيطها الإقليمي، وهي فكرة "العمق الإستراتيجي" التي صاغها مفكر تركيا الإستراتيجي أحمد داود أوغلو، والتي تقضي بالابتعاد النسبي عن المحاور، المقترن باقتراب محسوب من قضايا الجوار، وتنويع التحالفات الإقليمية والدولية، بما يمكّن تركيا من استخدام أمثل لعمقها الإستراتيجي في التأثير على الفاعلين الإقليميين والدوليين.

وأدركت تركيا إمكانياتها الإقليمية والظروف الموضوعية المحيطة بها وقدراتها المختزنة، والشرط الإقليمي والدولي الموائم لها كي تلعب دورها الإقليمي باقتدار، وباتت تشكل قوة مهمة ذات تأثير يصعب تجاهله في وسط آسيا والعالمين العربي والإسلامي ومنطقة القوقاز المجاورة لها وبالتالي في السياسة الدولية.

كما أدركت أنّ الدور الإقليمي يقوم أساسًا على إدراك المصالح والسعي لتحقيقها، والتعاون والاعتماد المتبادل لإنجاز ما يمكن إنجازه بتكاليف وأوقات وجهود أقل. كما يقوم على حراك طبيعي واجتماعي ترعاه الحكومات بالتشريعات والتسهيلات الممكنة، ضمن شروط جغرافية وجيوسياسية وتاريخية وإستراتيجية، وهو أمر لا يتحقق بالأماني السياسية والضغوط الآنية وردود الأفعال والهبّات العاطفية والإملاءات الخارجية، ولا بالقوة والقهر بطبيعة الحال.

وتتحرّك تركيا في الإقليم الشرق الأوسطي كما لو أنها قائد فعلي لدوله ولنظامه المتداعي، أو كمبادِرة لحل أزماته المتفاقمة على شتى الأصعدة، لا سيما ما يخص مشكلات كبيرة ومزمنة كالتوسط والإشراف على المفاوضات السورية الإسرائيلية غير المباشرة والملف النووي الإيراني، فضلاً عن تدخلها المتواصل في العراق الذي تعتبره بمثابة مجالها الحيوي المباشر ومن ضمن جغرافيتها السياسية.

ويعتبر المؤلف أن المؤشر الذي لا يخطئ هو صعود الدور الإقليمي التركي على مسرح الشرق الأوسط واستحالته عاملاً معادلاً، وربما رادعًا إيجابيًّا، للدور الإيراني. لكن هذا الصعود يجري في ظل فراغ قوة وفراغ قيادة جماعية في النظام الإقليمي العربي، نشأ بعد انكسار التفاهم الثلاثي المصري السعودي السوري الذي كان يشكل بوصلة لأجندة النظام الإقليمي العربي وأولوياته.

المرجعية الإقليمية

"
الرسالة التي تريد تركيا إيصالها إلى الغرب مفادها أنّ التعاطي المستقبلي مع مصالحه في المنطقة يقتضي مراعاة وجود موازين قوى جديدة لها مصالحها أيضا، وأنّ الدخول إلى المنطقة يتطلب التنسيق مع هذه القوى الجديدة
"
تملك تركيا المؤهلات التاريخية والجغرافية والسياسية والاقتصادية اللازمة كي تنجح في لعب ما يسميه المؤلف دور "المرجعية الإقليمية" في الشرق الأوسط، فهي تقدم أفضل أنموذج سياسي للتناوب على السلطة في المنطقة، وهي أكبر اقتصاد بين دول الشرق الأوسط، إذ تحتل المركز السادس بين أكبر اقتصاديات العالم قبل المملكة العربية السعودية وإيران النفطيتين.

ولم تعد تركيا ذاك البلد الذي وظفه حلف شمالي الأطلسي حارسًا في المنطقة، والذي يقيم علاقات لا تنفصل مع إسرائيل. إذ إنّ التطورات التي شهدتها والتغيّرات في التوجه السياسي لقيادتها، جعلتها تعيد النظر في المفاهيم التي تكرست في ذهن المواطن العربي، الذي كان لفترة ليست بعيدة يعتبر تركيا حارسًا لمصالح إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية في المنطقة.

ويعتبر المؤلف العشرية الأولى من القرن الحادي والعشرين تركية بامتياز، نظرًا لأنها شهدت تعاظم الدور الإقليمي لتركيا وتمايزه، بشكل وضع دول المنطقة أمام خريطة مرتبكة لتوازن القوى الإقليمي وتنافسها.

ولا شك في أن الدور التركي يهدف إلى خدمة المصالح السياسية والاقتصادية لتركيا على أساس من علاقات سياسية تعطيها وزنًا في إدارة شؤون المنطقة، وتسمح لها بالاستثمار، وتنفيذ المشاريع، والاتفاقيات الاقتصادية.

يرى المؤلف أنّ الرسالة التي تريد تركيا إيصالها إلى الغرب مفادها أنّ التعاطي المستقبلي مع مصالحه في المنطقة يقتضي مراعاة وجود موازين قوى جديدة لها مصالحها أيضا، وأنّ الدخول إلى المنطقة يتطلب التنسيق مع هذه القوى الجديدة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك