عرض/ ثائر دوري

على الغلاف الخلفي للكتاب كتب الناشر "بعد قرون على سقوط روما تحولت أوروبا إلى مكان خلفي منعزل وجاهل، لا يقرأ ولا يكتب إلا قليلا، غارقا في صراع عنيف عالم يزرع ليعيش. في هذه الأثناء كانت الحضارة العربية تزدهر، وتبهر أولئك الأوروبيين المحظوظين الذين ألقوا نظرة خاطفة، مجرد نظرة، على التقدم العلمي الآتي من بغداد أو إنطاكية أو مدن فارس وآسيا الوسطى والأندلس".

-الكتاب: بيت الحكمة (كيف أسس العرب لحضارة الغرب)
-المؤلف: جوناثان ليونز
-عدد الصفحات: 287 
-الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون مع مركز البابطين للترجمة, بيروت
-الطبعة: الأولى/ 2010 

كان الفلاسفة وعلماء الرياضيات والفلك العرب والمسلمون يدفعون باطراد حدود المعرفة ويحيون أعمال أرسطو وأفلاطون، وفي المكتبة التي أسسها الخليفة العباسي هارون الرشيد في بغداد، التي عرفت ببيت الحكمة، عمل جيش من العلماء بأمر منه ومن الخلفاء بعده, خاصة ابنه المأمون. وبينما كانت أفضل مجموعات الكتب في أوروبا لا تتعدى بضع عشرات من المجلدات، كان بيت الحكمة يفتخر باحتوائه على أربعمائة ألف مجلد.

"حتى عندما كان أهل بلدانهم يشنون الحروب الصليبية الدموية على المسلمين، سافر عدد قليل من طلاب المسيحية الشجعان إلى بلاد العرب متعطشين للمعرفة، وعادوا بجواهر لا تقدر بثمن من كتب العلم والطب والفلسفة التي كانت أساس عصر النهضة...".

عمل الكاتب جوناثان ليونز مراسلا لنيويورك تايمز أكثر من 20 عاما، ولا سيما في العالم الإسلامي. وقد قسم كتابه إلى أربعة أجزاء حسب أقسام اليوم عند المسلمين، فالجزء الأول سماه العشاء، والثاني: الفجر، والثالث: الظهر، والجزء الرابع: العصر.

يبين هذا الكتاب كم تدين الحضارة "الغربية" لأمجاد الحضارة العربية في العصور الوسطى متتبعا سيرة أحد الرحالة الإنجليز "آديلارد أوف باث"، وهو من الرواد الأوائل الذين نهلوا من معين العلم العربي وروائع علم الهندسة وعلم الفلك وعلم النجوم وغيرها من حقول المعرفة، كما يعرفه المؤلف.

يشي الكاتب في ملاحظة موجهة للقارئ أنه استعمل مصطلح "العلم العربي Arabic science" بدلا من "العلم الإسلامي Islamic science"، رغم أن كثيرا من العلماء ليسوا بعرب عرقيا. لكن كل مكونات الحضارة من ترك وفرس ومجوس وكرد ونصارى ويهود وإغريق وسريان كتبوا أعمالهم باللغة العربية وبرعاية الحكام ولا سيما الخلفاء الأمويين والعباسيين.

تحول أوروبا بفضل العلم العربي
يقول الكاتب "لقد أدى وصول العلم والفلسفة العربيين إلى تحويل الغرب المتخلف إلى قوة علمية وتكنولوجية عظمى. وكالإكسير المراوغ -في الكيمياء القديمة– الذي كان يطلب -لتحويل المعادن غير النفيسة إلى ذهب، حول العلم العربي عالم القرون الوسطى المسيحي تحويلا فاق الإدراك".

أول ما تعلمته أوروبا من العرب هو فن قياس الوقت، وهو مفتاح تطور التكنولوجيا. يقول الكاتب "من دون الضبط الدقيق للوقت والتقويم ما كان للتنظيم العقلاني للمجتمع أن يتصور". وهكذا تطورت العلوم والتكنولوجيا والصناعة، وتحرر الإنسان من عبوديته للطبيعة. لقد ساعد العلم والفلسفة العربيان على إنقاذ العالم المسيحي من الجهل، وهو الذي جعل فكرة الغرب بحد ذاتها ممكنة....".

"
أول ما تعلمته أوروبا من العرب هو فن قياس الوقت، وهو مفتاح تطور التكنولوجيا, وساعد العلم والفلسفة العربيان على إنقاذ العالم المسيحي من الجهل وهو الذي جعل فكرة الغرب بحد ذاتها ممكنة
"
ويتابع الكاتب "...... من المستحيل تصور الحضارة الغربية من دون ثمار العلم العربي، فن الجبر للخوارزمي، أو التعاليم الطبية والفلسفية الشاملة لابن سينا، أو علم الجغرافيا وفن رسم الخرائط للإدريسي المستمرين إلى اليوم، أو العقلانية الصارمة لابن رشد. بل الأهم من عمل أي شخص كانت المساهمة الإجمالية للعرب، تلك التي تقع في صميم الغرب المعاصر، أي إدراك أن العلم يمكن أن يمنح الإنسان القدرة على تسخير الطبيعة".

لكن هذا الدور الذي لعبه العرب تم تناسيه تدريجيا، وبدأ وسمهم بالتخلف وعدم القدرة على إنجاز شيء مفيد للحضارة، وانتشرت نظرية "استرجاع الغرب للعلم الكلاسيكي من اليونان"، بمعنى أن مكان الحضارة الطبيعي هو أوروبا، لكنها لم تجد مكانها الصحيح في العصور الوسطى، ثم قامت أوروبا الحديثة باسترجاعها.

اجتياح الفرنجة المتخلفين الشرق المتقدم
في "العشاء" يصور الكاتب اجتياح الصليبيين للقسطنطينية عاصمة المسيحية الشرقية، إذ دمر جيش من المتعصبين ضيقي الأفق يقودهم كهنة جهلة "لم تكن لديهم فكرة عن الإسطرلاب، سيد الآلات العلمية آنذاك. وكانت ترعبهم الظواهر الطبيعية كخسوف القمر أو التغير المفاجئ في الطقس، وكانوا يظنون ذلك سحرا أسود".

أرعب وصول هؤلاء المتعصبين الجهلة سكان القسطنطينية. وكانت النتيجة نهب القسطنطينية ودمارها على يدهم.

ثم يسترجع الكاتب تاريخ الحروب الصليبية التي بدأت بنداء البابا أوربان الثاني. ويستعرض ظروف أوروبا الداخلية والحاجات الدنيوية التي أدت إلى إطلاق هذا النداء الديني، الذي أدى إلى انقضاض عالم متأخر بربري همجي على عالم متحضر راق هو العالم العربي.

يلخص الفارس أسامة بن منقذ أحوال الفرنجة بالقول "سبحان الخالق الباري، إذا خبر الإنسان أمور الفرنج سبح الله تعالى ومجده، ورأى بهائم فيهم فضيلة الشجاعة والقتال ولا غير، كما في البهائم فضيلة القوة والحمل".

ويستعرض الكاتب فظاعات الصليبيين وصولا إلى أكلهم اللحوم البشرية في بلدة المعرة السورية في شتاء 1098م، وينقل عن رودولف دوكان، الذي شهد فظاعات المعرة"، وضع جنودنا كبار الوثنيين في قدور وسلقوهم أحياء، وشكوا الأطفال بأسياخ ووضعوهم على سفود ثم التهموهم مشويين".

ويصف زميله المؤرخ ألبرت فون آخن تفاصيل تلك المذبحة المروعة بلغة عادية فيقول "لم يتورع جنودنا عن أكل ميتة الترك والمسلمين، بل لقد أكلوا الكلاب كذلك".

"
تتنوع القصص عن وحشية وتأخر الغزاة, الذين سرعان ما وقعوا ضحية نصرهم العسكري فتدريجيا انغمسوا في حياة الشرق، وبدأ المسلمون يمدنون الغزاة، ونمت بسرعة مذهلة التجارة بين الشرق والغرب
"
وتتنوع القصص عن وحشية وتأخر الغزاة، الذين سرعان ما وقعوا ضحية نصرهم العسكري، فتدريجيا انغمسوا في حياة الشرق، وبدأ المسلمون يمدنون الغزاة، ونمت بسرعة مذهلة التجارة بين الشرق والغرب، رغم سعي الكنيسة البابوية لإدانة هذه التجارة ومحاصرتها، وشاع استخدام الأرقام العربية في أوروبا، وانتشرت في الغرب المصطلحات التجارية العربية والفارسية كالشيك cheek، والتعرفة وtariff، والحركة traffic، والترسانة arsenal.

أما الرحالة "آديلارد" فقد رحل إلى الشرق بدافع تحصيل العلم العربي. فقد كانت أوروبا تغرق في الظلام في ذلك الوقت، فهي لا تعرف مبادئ الحساب وبالكاد دخل المعداد من الأندلس قبل سنوات قليلة وعجزت أعظم العقول عن استخدام الصفر.

أدى دخول الإسطرلاب عن طريق العرب إلى ثورة حقيقية في هذا المجال. لكن دخول التكنولوجيا العربية إلى مجتمع جاهل لا يعرف أغلبه حتى القراءة والكتابة عدّ أمرا مريبا وغزوًا فكريا، فاتهم عدد من العلماء بالهرطقة أو بممارسة السحر الأسود.

إنشاء بغداد وإنشاء بيت الحكمة
مقابل ذلك العالم المتأخر كان على الضفة الأخرى للمتوسط عالم ناهض متطور إنسانيا وتقنيا. يفرد الكاتب الجزء الثاني من الكتاب "الفجر" لإنشاء بغداد وبيت الحكمة فيها، فهذه المدينة المدورة قال عنها الخليفة المنصور "والله لأبنينها ثم أسكنها أيام حياتي، ويسكنها ولدي من بعدي، ثم لتكونن أعمر مدينة في الأرض" وكان له ذلك، فبعد قرن من وفاته كتب المؤرخ اليعقوبي وصفا للحياة في مدينة السلام.

وقال في هذا الوصف "إنما ابتدأت بالعراق لأنها وسط الدنيا وصرة الأرض، وذكرت بغداد لأنها وسط العراق والمدينة العظمى التي ليس لها نظير في مشارق الأرض ومغاربها سعة وكبرا وعمارة، وكثرة مياه، وصحة هواء ...".

انتشرت في بغداد صناعة الورق، وأول مصنع له عام 795م مما أدى إلى ازدهار النتاج العلمي في حين كانت أوروبا تعتمد الكتابة على جلود الحيوانات. أنشا هارون الرشيد مكتبة ملكية ضخمة سماها "بيت الحكمة" ضمت كل علوم ومعارف العالم وتفرغ فيها علماء للبحث العلمي وأجربت منها أرزاق كثيرة لتمويل المعرفة.

يقول الكاتب "وعلى امتداد 150 عاما، ترجم العرب كل كتب العلم والفلسفة اليونانية، وحلت العربية مكان اليونانية لغة للبحث العلمي، وغدا التعليم العالي أكثر فأكثر تنظيما في أوائل القرن التاسع، وكان في أغلب المدن الإسلامية جامعة من نوع ما ....".

وكانت ذروة الحضارة العربية مع الخليفة المأمون الذي حكم بين العامين 813-833م، وكان حاد الذهن بصيرا بكل أصناف العلوم. جمعت بغداد في عصره كل علوم الكون من علوم الهند واليونان والسريان والفرس والبيزنطيين، إضافة إلى ما بدأ أبناء الحضارة العربية بإبداعه، ومن أشهرهم الخوارزمي الذي بلغ قمما نادرة في الفلك والجبر والحساب، فقد عمل في المسح الصحراوي لقياس محيط الأرض، وعمل على الإسطرلاب، وشارك في الأرصاد الفلكية ووضع "زيح السند هند" الذي ظل يستخدم لقرون، وأخيرا هناك الخوارزميات الشهيرة التي لا تزال تستخدم حتى اليوم بعد تعديلها.

ويفرد الكاتب فصلا خاصا لرسم خريطة العالم من قبل الجغرافي العربي الإدريسي عام 1154م، فلم يعارض العرب مفهوم أن الأرض تشبه الكرة، فقد طبقوا بسهولة رياضيات الكرة على مسائل الجغرافيا، كما يقول المؤلف. وقام المجسطي بتمثيل السطح المكور للأرض على خريطة مستوية.

كان الرحالة آديلارد متقنا للعربية تماما، واستقر في إنطاكية التي كانت مركزا لترجمة علوم العرب إلى اللاتينية، ولا سيما في حقل الطب، وكانت الكتب العربية تملأ أسواق المدينة. وفي إنطاكية ترجم العالم الإيطالي ستيفن أوف بيزا موسوعة طبية هي الكتاب الملكي لعلي بن العباس المجوسي، ويتألف هذا الكتاب من عشرة فصول في نظرية الطب وعشرة فصول في التطبيق السريري. أما آديلارد فقد كان مهتما بالفلك والكيمياء وعلم الهندسة وترك وزراؤه عشرات المؤلفات في هذا المجال. وترجم "زيح السند هند" للخوارزمي.

اختراع الغرب

"
الادعاء بالمصدر اليوناني للثقافة الغربية لا معنى له، إذ إن الغربيين لم يتعرفوا أرسطو الوثني الذي لم يكن يفكر في الله، بل تعرفوا أرسطو العربي، بتأملاته حول الألوهية والإيمان
"
الفصل الأخير من الجزء الرابع من الكتاب خصصه الكاتب لتبيان كيف اخترع العرب الغرب وساهموا بنهضته، فقد تسربت فلسفة ابن رشد إلى الجامعات الغربية رغم تحريمات 1277م التي وضعتها لجنة من بيروقراطيي الكنيسة ووجهت خاصة إلى العلوم العربية من الفلسفة وعلم الفلك والعلاقة التي يقيمها بين حركة الأجرام السماوية والحراك على الأرض.

ويجزم الكاتب أن العرب اخترعوا الغرب، فالعلم الغربي في ذلك الوقت "كان نقلا مباشرا هائلا إلى الغرب المسيحي -قد يقول البعض سرقة ثقافية كبيرة من ذلك الغرب- للمعرفة والتكنولوجيا العربية التي لا تقدر بثمن".

كما يؤكد الكاتب أن الادعاء بالمصدر اليوناني للثقافة الغربية لا معنى له، إذ إن الغربيين لم يتعرفوا أرسطو الوثني الذي لم يكن يفكر في الله، بل تعرفوا أرسطو العربي، بتأملاته حول الألوهية والإيمان.

وفي الختام يخص الكاتب الموضوع بالاستشهاد إلى كاتب مجهول يقول "إننا نذوق التوابل العربية مع أننا لا نشعر ألبتة بلهيب الشمس التي أنبتتها". وفي سياق شكره لموظفي مكتبة الكونغرس يشير إلى أن القصة تتلخص في أنه ليس هناك أي تمثال برونزي لعربي أو مسلم موضوع في تلك المكتبة على درابزين الأروقة العلوية حيث تماثيل لستة عشر من صناع العالم المعاصر. هذا الغياب المتعمد يشكل جزءا هاما من القصة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك