الجزيرة نت / خاص

يبدو هذا الكتاب في نصفه الأول كما لو كان قاموسا صغيرا يقدم سيرة لليهود واليهودية في تحولاتها المختلفة منذ النشأة وحتى وقتنا الحاضر، وذلك عبر عدد كبير من المصطلحات التي تدخل القارئ من خلال شروحاتها في الأجواء العامة لدين يقل أتباعه على نحو استثنائي، بينما يتسع تأثيره على نحو مثير، سواءً لجهة تأثير نصوصه في الديانات الأخرى (المسيحية تحديدا)، أم لجهة تأثير أتباعه في سيرة العالم القديم، وبشكل أكثر وضوحا وإثارة في عالمنا الحاضر (13 مليون من بين 7000 مليون إنسان).

الكتاب في جزأين

-الكتاب: الصهيوني البشع
(قراءة في الأخلاق والسلوك الصهيوني اليهودي.. فلسطين المحتلة نموذجا)
- المؤلف: طاهر أديب قليوبي
- عدد الصفحات: 363
- الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر, بيروت
- الطبعة: الأولى/ 2010


تبدو مشكلة الكتاب الأساسية في جزئه الأول في استبعاده شبه الكامل للنص الإسلامي في تتبع الرواية اليهودية من مبدأها حتى منتهاها، مقابل البحث في روايات أخرى، بعضها يهودي وبعضها الآخر غير ذلك، فضلا عن كتابات أخرى دأبت على التشكيك بمجمل الرواية اليهودية للتاريخ.

هنا يمكن للقارئ أن يتفق ويختلف مع بعض الخلاصات والاستنتاجات التي توصل إليها الكاتب، والتي تركز في عمومها على نسف الرواية اليهودية للتاريخ، لكنه سيستفيد من دون شك من تلك القراءة التي يقدمها عبر تعريفات ليست جديدة بالضرورة، لكنها ملخصة على نحو جيد، مما يجعلها مفيدة للقاريء بصرف النظر عن خلفيته الأيديولوجية.

الجزء الثاني من الكتاب يبدو عاديا بتتبعه لسيرة الكيان الصهيوني في التعامل مع الفلسطينيين، فضلا عن آليات تشكل الكيان ودور الغرب في ذلك، الأمر الذي يتواصل حتى المرحلة الأخيرة مثل الممارسات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، بما في ذلك الجدار الأمني في الضفة الغربية، وصولا إلى حرب غزة نهاية عام 2008 ومطلع العام 2009 وما انطوت عليه من مجازر.

في جزئه الأول الذي يستهلك ما يقرب من ثلثي الكتاب، نحن أمام مادة مهمة، وتزداد أهميتها في ظل الوعي العام بالخلفية الدينية للممارسات العنصرية الإسرائيلية، فضلا عن متابعة وسائل الإعلام لمسلسل الفتاوى العنصرية التي يصدرها تباعا حاخامات الدولة العبرية، إلى جانب عدد من الكتب التي تصب في ذات الاتجاه، وفيما يركز البعض عادة على ما يتفوه به الحاخام عوفاديا يوسف، وبالطبع لأنه الأب الروحي لحزب إسرائيلي مهم يشارك في الحكومة (شاس)، فإن ما يصدر عن الحاخامات الآخرين يبدو أكثر بشاعة.

هنا في الكتاب الذي نحن بصدده يتضح للقارئ من أي نصوص ينهل الحاخامات والمتطرفون، وما هي المراجع التي تشكل عقولهم وخلفياتهم الفقهية والعقدية، وهي مراجع لا جدال في أنها تضرب في عمق التاريخ اليهودي القديم، أقله في القرون التي تلت نزول التوراة على سيدنا موسى عليه السلام.

الديانة اليهودية
في القسم الأول من الكتاب وبعد تأكيد المؤلف على أنه لا يعادي أي دين مهما كان، يدخل إلى عمق الديانة اليهودية وما يخص التعريف بها من مصطلحات، ومثال ذلك (من هو اليهودي، القومية اليهودية، الشعب المختار، الصهيونية والديانة اليهودية، الكتاب المقدس، التوراة والتلمود أساس الديانة اليهودية، نظرة التلمود للسيد المسيح والمسيحيين)، إلى جانب التعريف بأهم الطوائف اليهودية، ثم العقائد السائدة بين اليهود في مراحل متعددة من التاريخ (تناسخ الأرواح، البعث والنشور)، فضلا عن تعاليمها الأساسية وفي مقدمتها الوصايا العشر، كذلك ما يخص مراحل تدوين التوراة، ونظرة اليهود للأنبياء مع تفصيل فيما خص عددا منهم.

وهنا في هذه الأبعاد سنعثر على مصائب بعضها معروف وبعضها جديد حول الموقف من الأنبياء، وسيقف القارئ على كم هائل من الإساءات للأنبياء ووصفهم بأبشع الأوصاف، ونسبة أسوأ الأعمال لهم، وهي الروايات التي جاء القرآن الكريم ليصححها، وليرفع الأنبياء عليهم السلام إلى مقامهم الرفيع كبشر معصومين عن الخطايا، وإن وقع خلاف حول الأخطاء العادية في الاجتهاد البشري.

بعد ذلك يدخل الكتاب فيما يسميه الإطار العنصري للتوراة والتلمود، لاسيما الموقف من الآخر، إذ سيجد القارئ أن مختلف الممارسات القديمة الحديثة لليهود ضد أهل الديانات الأخرى هي نتاج هذه العنصرية التي تبثها نصوص التوراة والتلمود (المحرفة وفق قناعة المسلمين)، والتي تدفع أتباعها دفعا نحو مثل هذه الممارسات.

هنا لا ينبغي للقارئ أن يذهب بعيدا في تطبيق هذه النظرية على الواقع، ولعل الكاتب قد وقع في هذا المطب بشكل أو بآخر، ذلك أن الدولة العبرية ليست بهذا المستوى من السذاجة بحيث تسمح لمثل هذه النصوص بالتحكم بتصرفاتها، بل هي تذهب عكس ذلك في كثير من الأحيان.

"
عندما لا تعتمد إسرائيل على العنصرية في سلوكها العام فإن ذلك يعود إلى خوفها على صورتها أمام الرأي العام الدولي، إلى جانب مراعاة الأعراف الدولية التي رسخت خلال العقود الأخيرة
  "
صحيح أنها تتسامح مع الكثير من تلك الممارسات، وصحيح أيضا أن كثيرا من مواطنيها وجنودها يتبنون بعضها ويطبقونها في سلوكهم اليومي كما يفعل المستوطنون مثلا، لكن ذلك لا يحكم عموم سلوك الدولة، والسبب لا صلة له البتة بالقناعة ولا بالرحمة ولا بالشفقة، فضلا عن الإخوة الإنسانية، بل هو يتصل بصورة تلك الدولة أمام الرأي العام الدولي، إلى جانب مراعاة الأعراف الدولية التي رسخت خلال العقود الأخيرة، رغم علمنا أن كثيرا منها يغدو نسيا منسيا حين يتعلق الأمر بالدولة الصهيونية.

في هذا الفصل يحاول الكاتب أن يطل على جملة من المحاور التي تؤكد النظرة العنصرية للثقافة اليهودية أو الصهيونية حيال الآخر، وذلك من خلال عناوين تتحدث عن جواز السرقة من الآخر، القذف والسب والشتائم، إباحة الكذب في منفعة الدين، المرأة في الديانة اليهودية، ويطل أيضا على جملة من التناقضات التي تنطوي عليها النصوص التوراتية. ويصل الحال بتلك النصوص حد اعتبار غير اليهود بمثابة حيوانات خلقهم الله لخدمة شعبه المختار. ثم يختم بصفحات مهمة عنوانها "تعليقات كبار العلماء والمفكرين والمؤرخين على التوراة والتاريخ اليهودي"، وهي صفحات تستحق القراءة بالفعل لما فيها من آراء ذات قيمة علمية، وإن مال بعضها إلى التعبير عن الموقف الشخصي والخلفية الأيديولوجية.

دولة بني إسرائيل القديمة
في فصل آخر، يدخل الكاتب إلى ما يسميه دولة بني إسرائيل القديمة، وفيه يتتبع تاريخ اليهود من البداية حتى دولتهم الحالية، وإن أغفل كما أشرنا في المقدمة معظم ما يتعلق بالرواية الإسلامية لذلك التاريخ، بل ربما اختلف معها في بعض الأحيان، وإن بدا من الصعب القول إن ثمة حسما في هذه الأخيرة تبعا لوجود تأويلات شتى لحركة اليهود من بلد إلى بلد ومن مكان إلى مكان منذ ما قبل سيدنا موسى عليه السلام وحتى وقتنا هذا.

هنا يتوقف الكاتب والكتاب عند مقولات اليهود التي تثبت أحقيتهم بفلسطين، ووعود الرب لهم، وحكاية أرض الميعاد، وعموم الرواية التوراتية لبني إسرائيل، الهجرة إلى مصر وخروجهم منها، مرحلة يوشع بن نون، موسى والخروج والتيه في صحراء سيناء.

بعد ذلك ينتقل الكاتب إلى سيرة اليهود في القرون الوسطى والحديثة، وما يتعلق بعموم سيرتهم في أوروبا وحكاية الاضطهاد الذي تعرضوا له طوال قرون، ومن ثم استثمارهم لذلك كله في إنشاء كيانهم الصهيوني، ودور بريطانيا في ذلك كله.

يتوقف أيضا في هذا الفصل عند الأكاذيب الكبرى التي اعتمدتها الصهيونية العالمية، ومن بينها وفي مقدمتها حكاية "أرض الميعاد"، فضلا عن الاضطهاد العنصري ومعاداة السامية.

بعد ذلك ينتقل إلى دولة الكيان الصهيوني بطبعتها الحديثة، وكيف ولدت من رحم الأكاذيب والمذابح، ومن ثم استخدام شتى الأساليب القذرة ضد شعب فلسطين من أجل تشريدهم من ديارهم، ثم يفند أكاذيب تسويق الكيان عالميا، مثل مقولة الديمقراطية الفريدة، والمعجزة الاقتصادية، وتحويل الصحراء إلى جنة، وهي جوانب يفندها من خلال فضح عنصرية الكيان وموقفه من أهل فلسطين الذين ظلوا فيها بعد الاحتلال (عرب 48).

روح تبشيرية

"
تصديق بعض ما يقال حول تراجع الروح القومية وروح الانتماء والفداء في الكيان الصهيوني، مقابل ما كان عليه الحال في سنوات التأسيس، ربما حتى نهاية الثمانينات، لا يعني أن الوضع برسم الانهيار القريب "
في فصل تابع يذهب الكاتب نحو روح تبشيرية لأعداء الكيان الصهيوني من العرب والمسلمين، حيث يركز على عوامل الضعف في ذلك الكيان، والتي تبشر بزواله، مثل الفساد المالي والسياسي، وفساد القضاء، وشيوع التحلل ومن ثم زيادة الرغبة في الهجرة إلى الغرب مقابل عزوف عن الهجرة إليه، فضلا عن زيادة عدد السكان العرب مقابل تراجع اليهود.

في هذه الصفحات نعثر على كثير من التفاؤل والروح التبشيرية، لكن واقع الحال يقول إن صدق بعض ما يقال حول تراجع الروح القومية وروح الانتماء والفداء في الكيان الصهيوني، مقابل ما كان عليه الحال في سنوات التأسيس، ربما حتى نهاية الثمانينات، لا تعني أن الوضع برسم الانهيار القريب، لسبب بسيط هو أننا إزاء كيان تبدو عوامل القوة الخارجية لديه أكبر بكثير من العوامل الداخلية، ولاسيما الدعم الغربي واسع النطاق، بخاصة من الولايات المتحدة، تحديدا خلال المرحلة الأخيرة التي اتسع فيها النفوذ الصهيوني على نحو صار يستخدم قوة تلك البلاد في مصلحة الكيان الصهيوني.

فقرة أخيرة مقتبسة: (من آن لآخر يدخل حاخام مدينة صفد الرئيس شموئيل إلياهو في حياتنا العامة، ويكون ذلك في الأغلب من خلال تصريحات عنصرية من نوع ما. فمرة يطالب بإبعاد العرب عن كلية صفد، ومرة يؤيد بصوت رفيع قتل الأبرياء إذا كانوا فلسطينيين، وفي المدة الأخيرة فقط كما نقلت القناة الأولى، دعا رعاياه إلى عدم تأجير الشقق للعرب قائلا "هكذا ورد في التوراة". وفي رد على تساؤل كيف يسمح موظف رفيع المستوى يحصل على راتبه من الدولة، بأن يتحدث بلغة ما كانت لتُخجل أي سياسي معاد للسامية في روسيا مطلع القرن العشرين. يدافع الحاخام إلياهو عن نفسه قائلا أنا "رجل حقيقة". "أنا في المحصلة العامة أنطق بحقيقتي وبما ورد في التوراة").

من مقال لكاتب إسرائيلي اسمه داني أورباخ يحضر للدكتوراه في جامعة هارفارد، وكان بعنوان "أفعال حاخام مدينة صفد"، نشرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية بتاريخ 14/11/2010.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك