عرض/ سكينة بوشلوح

تنطوي عملية ترصيص القواعد الثقافية في البنى الحضارية على أهمية بالغة في الحسابات الإستراتيجية للدول والمنظمات الفاعلة في المجتمعات المعاصرة، والتي تجعل من العمل الحضاري مهمة مقدسة تسخر لها الإمكانيات والكفاءات وتعطى لها كامل الأولوية في البرامج والمشاريع.

وقد حاول الأستاذ "سعيد عيادي" في كتابه "ترصيص القواعد الثقافية لإعادة البناء الحضاري" الوقوف على المفاصل الأساسية التي يقوم عليها المقوم الثقافي في مشروع إعادة البناء الحضاري للإنسان والمجتمع، مستخدما في ذلك المنهج الوصفي لتحليل مختلف أفكاره التي عرضها في ستة فصول مختلفة وفق ما يتطلبه ذات المنهج.

البحث عن بدائل في عالم متغير

-الكتاب: ترصيص القواعد الثقافية لإعادة البناء الحضاري
-المؤلف: سعيد عيادي
-عدد الصفحات: 313
-الناشر: دار قرطبة للنشر والتوزيع,
-الطبعة: الأولى/ 2010
حاول الكاتب من خلال هذا المحور، إبراز الدور السلبي الكبير الذي لعبته التواطؤات والتنازلات الداخلية والخارجية على حساب مكونات الاقتصاد، وخاصة قطاعه العمومي الذي صار نهبا لمختلف هذه القوى المتحالفة وإضاعة بغير حدود وبلا رقيب لهذا الاقتصاد إلى حد استنزاف موارده وقدراته استنزافا عبثيا.

يقابله في الغالب حصول تمردات وانتفاضات وعصيانات تخريبية على مستوى الفئات الاجتماعية المستنزفة في مصادر رزقها وقوتها اليومي، وذلك ضد المؤسسات التي تمثل الرموز الرسمية في المجتمع، وهو ما يؤدي إلى تعطيل مسارات النمو الاجتماعي والاقتصادي، وكبح لسيرورة وسرعة التطوير الهيكلي الإنتاجي في مستويات أداء الأفراد والمؤسسات، وبالتالي تخريم لعوامل الاستقرار الاجتماعي.

وعند هذا الوضع المتأزم تبرز المشاكل المتعلقة بالسياسات المالية وما يرتبط بها من قضايا الفساد المالي المصرفي، وسعي أولئك الذين لا مصلحة لهم في بناء اقتصاد قوي ومتكامل، إلى فرض خيار سياسة مسح الديون وإعفاءات أصحابها من الدفع، والتي من بين أوجهها ارتباطها بالتهرب الجبائي الذي له علاقة قوية بالتبذير والتبديد المعتمد للمال العام، واستغلاله خارج المجالات المصرح بها في عقود إبرام القروض ومتابعتها، وكذلك خرق نصوص القانون الخاص بالصفقات العمومية.

وفي محاولة منها لإيجاد علاج آني لضغط سلسلة المتغيرات السابقة، صارت الدولة بين احتمالين اثنين، إما الدخول في مخطط الإصلاح المقترح والقبول بسياسات صندوق النقد الدولي الإصلاحية، وإما رفض ذلك وانتظار ضغوطات إضافية على الصعيد الدولي، والاستعداد لمواجهة حالات متنامية من التذمر في أوساط الطبقات المنهكة اجتماعيا واقتصاديا.

وهكذا تولدت اللامساواة الاجتماعية كنتاج مباشر لتراكم ريع علاقات الإنتاج لفائدة الطبقات المهيمنة، وهنا يخلص الكاتب إلى تزايد الأهمية الدراسية والعلمية للإحاطة بمكونات ظاهرة "الثقافة واللامساواة الاجتماعية".

فعوامل الجنس، الفئة، الإرث الاجتماعي وحظوظ الاستفادة من مستويات تعليمية تقنية، تعتبر كلها عوامل تلعب بالأساس دورا رئيسيا في تحديد العلاقة بين الثقافة واللامساواة الاجتماعية، الأمر الذي يحتاج إلى معرفة بطبيعة البنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع، أي دراسة الوضعية الخاصة بالمجتمع في فترات زمنية غير متواصلة.

المشكلة الثقافية والتنموية والديمقراطية
يرى الكاتب أنه بتحليل مختلف العوامل والعناصر التي تشكلت كإفرازات وانعكاسات مباشرة عن حالة اللاتجانس في الهياكل والمؤسسات وفي الوظائف والأدوار، وبمعرفة كل ما يتعلق بأهم التحولات الناجمة عن حركية التغيير ونسقيته، نقف أمام ظاهرة التعدد والتنوع والتميز في المشكلة الثقافية، فعملية التغيير خاصة في أجزائها المبرمجة والمدرجة ضمن مخططات زمنية محددة ألغت الكثير من فرص وإمكانيات القيام بتهيئة وتنمية الجانب الثقافي.

وبالتالي فالمشكلة الثقافية طرحت وبرزت بسبب شرطي حاصل عن عملية التنمية والتغيير لا قبل العملية، فعلى اعتبار أن عملية التنمية بقيت مشوهة ومتقطعة وخاوية المحتوى نظرا لكونها أساسا غير مخطط لها وفق المقتضيات المحلية الخاصة بهذه المجتمعات -إذ تمت على أساس إخضاع الواقع المحلي لها وليس العكس- أفرزت أوضاعا أشد تعقيدا وأبعد ارتباطا بالتبعية، وأعمق من حيث التهيكل والحركة نحو أقطاب عديدة داخل المركز الرأسمالي العالمي.

وقد نتج عن ذلك أبعاد متداخلة ومتناقضة للمشكلة الثقافية: صراع بين العرفي التقليدي والحداثي المعاصر، زوال قيم أخلاقية عضوية ومندمجة كانت تنظم علاقات الناس، تراجع تأثير المؤسسات الخيرية الاجتماعية، تنام مستمر في مشكلة العادات والتقاليد واللغات واللهجات حيث صارت تطرح كبديل في المجتمعات التي كانت خاضعة لنظم سياسية نعمت بالاستقرار طويلا.

"
المشكلة الثقافية تبرز كانعكاس للفشل في مشاريع التنمية، فعوض أن تكون من الأساس اختيارا قاعديا يخفف من حدة التبعية، حدث العكس وأدى في أغلب الحالات إلى ترسيمها، وحول هذه التبعية الاقتصادية والاجتماعية إلى واقع حتمي
"
ومن هنا يؤكد المؤلف أن المشكلة الثقافية تبرز كانعكاس لهذا الفشل في مشاريع التنمية، فعوض أن تكون من الأساس اختيارا قاعديا يخفف من حدة التبعية، حدث العكس وأدى في أغلب الحالات إلى ترسيمها، وحول هذه التبعية الاقتصادية والاجتماعية إلى واقع حتمي في سيرورة هذه المجتمعات، يكبل مستقبلها ومستقبل أجيال برمتها.

وفي ربطه بين ثقافة المجتمع وثقافة الديمقراطية، يرى الكاتب أنه يستحيل تنمية الثقافة المجتمعية مادام أن الثقافة الديمقراطية تفتقد إلى عمل نظامي حقوقي مؤسساتي.

فالديمقراطية بقالبها الفكري والإنساني وبتكوينها السياسي تعد مسألة حديثة وطارئة في التجارب السياسية في المجتمعات النامية، حديثة من حيث السياق التبعي الذي ساقها نحوها حال التأخر والتخلف الذي ترزخ فيه، خاصة من حيث طبيعة بنية وميراث الثقافة السلطوية السائدة، وصفة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وهي قيم تؤثر بقوة سلبية في نظم وتقاليد العمل الاجتماعي فيها.

وأحيانا كثيرة يأتي رفض الممارسة الديمقراطية من حيث معرفة النظام السياسي المسبقة بقدرتها على كشف العلاقة بين السلطة واستعمالاتها للعرف والدين والتقاليد والأفكار لتكريس شرعيتها التاريخية والسياسية، هذا التنافر والصراع لا يسمح في نهاية المطاف بوضع أساسات سليمة ومتينة لعمل ديمقراطي واضح، ولا إعطاء شرعية اجتماعية ولا مؤسساتية للثقافة الديمقراطية.

ويستفيض الكاتب بالشرح والتحليل في العلاقة بين الديمقراطية والمعرفة، فهو ينظر إلى المجتمع الديمقراطي على أنه مجتمع معرفي إذا تكونت وحداته من منظور جدلي عام، بمعنى أن ديمقراطية المجتمع ستضعف وتتراجع وتفقد توهجها إذا ضعفت العلاقة أو تركت مع عالم المعرفة، غير أنه وفي ظل وجود هيمنة الأنظمة السياسية ذات الأيديولوجية الشمولية والباسطة لجبروتها، المانعة لجو تسوده ثقافة ديمقراطية، لا توجد إمكانية لتحقيق أي تطور في الجهد والاهتمام نحو التملك والاستيعاب المعرفي.

وبالتالي يلاحظ الكاتب أن هناك مشكلا رئيسيا دائم الوجود والتأثير يعيق نمو الديمقراطية وامتدادها، كما يعيق نمو المعرفة، ونتيجة لهذا الفشل المزدوج لا تتمكن النخب المفكرة والمثقفة ولا يتاح لها الفضاء الإنساني المهني المناسب من أجل الحياة في هذه المجتمعات، فتأخذ بالهجرة مرغمة نحو بلدان العالم المتقدم، لتستقر هناك باحثة عن تثمين نفسي واجتماعي لكفاءاتها المعرفية والتقنية.

من هنا يستحيل في نظر الكاتب التكيف والاندماج مع نمط مجتمع المعرفة العالمي من دون قاعدة أو رصيد ثقافي يعكس هوية الدولة أو على الأقل يعطيها هوية، على الرغم من قول البعض بأن النظام العالمي الجديد وتيار العولمة وثقافة العالم الجديد هي أنماط مهيمنة، إلا أن ذلك لا ينفي أبدا أن تبقى لكل دولة هويتها وهيبتها وسمة نظامها السياسي.

ترصيص القواعد الثقافية بالمجتمع الجزائري
في بداية هذا المحور، يشير الكاتب إلى أن الممارسة السوسيولوجية التطبيقية في الجزائر كانت جد غنية وثرية خلال حقبتي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، من حيث المواضيع المدروسة وحقول الاهتمام الذي تتخصص فيها النخب السوسيولوجية، والتي كان لها الأثر البارز في إعطاء تفاسير وتوجيهات حول ما كان يجري في الجزائر آنذاك.

غير أنه ونظرا لارتباط التجربة السوسيولوجية بالتموقع الفكري اليساري في الجزائر والعالم معا في جزئه الاشتراكي، تراجعت السوسيولوجيا بخطوات كبيرة مع انخفاض وتيرة هذا التموقع الفكري، ومع حصول هذا التراجع في الدينامية الدراسية تراجع كذلك اهتمام الدولة، وإن كان هذا التراجع في هذا المستوى من الاهتمام متعلقا أكثر بالأيديولوجية وبالهوية الفكرية للنخب الفاعلة فيها.

من هنا برزت ونتيجة عوامل كثيرة متضافرة، بعض المدارس في العالمين العربي والإسلامي، تحاول إعطاء نموذج عن علم اجتماع إسلامي يطرح نفسه كبديل، ولقد تبنت الجزائر ملتقى رسميا من ملتقيات الفكر الإسلامي يتطرق لموضوع الفكر الاجتماعي في الإسلام ويتبناه، وشهد حضورا قويا من داخل الدولة وخارجها، وكان لإيران وفدها الرسمي ممثلا بقيادة محمد الهادي خسرو شاهين، وقد خرج هذا الملتقى بضرورة التأكيد على أهمية إحلال مشروع منهج التغيير الإسلامي في النظرية وفي الممارسة السوسيولوجية.

ومنذ تلك الفترة تراجع الثقل الدراسي التدخلي لعلم الاجتماع تراجعا واضحا، فلا الفكر اليساري الذي اصطبغت به الممارسة السوسيولوجية في جزائر الستينيات والسبعينيات كان قادرا على تجاوز هذه الحالة المعرفية والنظرية المستجدة والمعقدة، وما استطاعت الدولة أن تعطي التيار الجديد ممثلا في مشروع علم الاجتماع الإسلامي ما أعطته من دعم من قبل للتيار اليساري نتيجة تغير الموازنة السياسية على الصعيد العالمي، حيث تجد الدولة نفسها ملزمة ببرغماتية دقيقة مع كل القوى الفاعلة داخلها وخارجها.

لذلك ونتيجة هذا الترتيب السياسي العالمي الجديد، راحت السلطة السياسية من وجهة نظر الكاتب شيئا فشيئا تعمل على تنظيم شبكة فكرية وسياسية واضحة، تحاول الربط ضمن مجال محدد ومقصود بين سوسيولوجيا التنمية وسوسيولوجيا التحرر من الاستعمار والتبعية، استجابة لبعض الشروط الأيديولوجية التي تراها بعض المرجعيات السياسية النافذة روحها وعهدها المقدس لتطويع جموع الجماهير.

"
المجتمع الجزائري اليوم يعيش ويتأمل في سوق كبير للعروض والسلع السوسيولوجية، سوق لا يخضع لقوانين سارية على الجميع ويخضع لها الجميع، ولا تسيرها إجراءات تنظيمية تفرض الضبط والسيرورة على الجميع
"

وهكذا يتموقع الممارس للسوسيولوجبا في المجتمع الجزائري قصرا ضمن مجموعة من الخطوط الضاغطة، ويتنوع نوع وطبيعة هذا الضغط بحسب الدور الذي يضطلع به هذا الممارس، فقد تكون ممارسته غطاء أيديولوجيا مرتبطا بتبريرات فئوية أو سلطوية يضع نفسه رهنا لها، أو أنه يقوم بجهده الخاص باصطناع فضاء فكري ينقل من خلاله المعرفة السوسيولوجية من طورها الإنساني الشمولي المستقل إلى طور ثقافي لا يستوعب المعرفية السوسيولوجية.

ويتضح لدى الكاتب في الأخير، أن التجربة السوسيولوجية في الجزائر الآن تمت في ظل امتداد سياسي وأيديولوجي متعدد الأوجه، ومع وقع التأثيرات الدولية والداخلية يبدو علم الاجتماع الآن في معاناة متعددة الجوانب.

ومن جهة فإن انهيار كثير من التجارب السوسيولوجية بالعالم عطل مسيرة علم الاجتماع حيث كان مرتبطا بسببها بخطابات وحدود معرفية. ومن جهة ثانية، فإن انتكاسة أصيبت بها الأيديولوجية الاشتراكية اليسارية لم تتركه يستعيد الأنفاس، كما أن التيارات الأخرى ليست قادرة على تعويضه أو تقديم بنى معرفية بديلة تحول دون استمرار التطور المجتمعي بدون تدخل سوسيولوجي، وهذا ما يحدث الآن بالجزائر. ومن جهة ثالثة فإن التجربة السوسيولوجية التي لم تتدرب على حالات الفراغ السياسي والأيديولوجي وجدت نفسها تتراجع مع تراجع هذه الخيارات.

على هذا الأساس يرى الكاتب أن المجتمع الجزائري اليوم يعيش ويتأمل في سوق كبير للعروض والسلع السوسيولوجية، سوق لا يخضع لقوانين سارية على الجميع ويخضع لها الجميع، ولا تسيرها إجراءات تنظيمية تفرض الضبط والسيرورة على الجميع.

وبمرور الوقت وبغياب هذه القوانين فإن الطابع المعرفي للدراسات يضمر أكثر فأكثر، وبذلك أصبحت المعرفة سلعة سوق، يساومها تجار المقامرة ويبخسونها الثمن، وكلما بخسوا في ثمنها كان الإحباط قاهرا مذلا للمفكر والمثقف وصانع المعرفة الناشر لها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك