عرض/ الحسن سرات

هذا الكتاب مرافعة طويلة شديدة الحماس لفائدة الظواهر الغريبة والخارقة التي لم يعترف العلم بها ولم يدرجها ضمن مباحثه. ومؤلفته من أشد أنصار الظواهر الخارقة إذ جعلت هذه القضية أولوية لها منذ مدة وكتبت عنها كتبا مختلفة الأشكال من مباحث وروايات. وفي كل المحاضرات والندوات التي شاركت فيها بفرنسا وخارجها، جعلت الكاتبة والصحافية ليفي سيمون همها هو إيقاظ الوعي النائم بالإلحاح الإعلامي، داعية القراء والمستمعين والمشاهدين إلى التفكير، ومراجعة القيم العلمية والفكرية الموروثة.

-الكتاب: العلم أمام اختبار الظواهر الخارقة
-المؤلفة: سيلفي سيمون
-عدد الصفحات 382
-الناشر: دار النشر ألفي موناكو, فرنسا
-الطبعة: الأولى/ 2010
ومن الظواهر الخارقة التي ترافع من أجلها الكاتبة تأثير الفكر والروح على المادة، والخرجات خارج الجسد، والأشباح والتجليات والعودة إلى الماضي، وتنبؤات المستقبل، وعلامات العالم الآخر، والتخاطر عن بعد أو التيليباثي، وغيرها.

وسعت الكاتبة إلى بسط وجهة نظرها من زاويتين: النظريات والوقائع التي تتآلف فيما بينها وتتعاون لتبيان أنه على العلم أن يفسر عدم وجود هذه الظواهر التي يلح على إنكارها، وليس على هذه الظواهر أن "تبرهن" على وجودها. وفي كل ظاهرة من الظواهر قدمت الكاتبة قصصا ووقائع كثيرة عنها مؤكدة صحة وقوعها، ثم تتبعها برأي بعض العلماء والمختصين لتفسيرها تفسيرا علميا.

ولتقريب هذه القضايا والمفاهيم العلمية إلى عموم القراء، بذلت الكاتبة قصارى جهدها لتتحدث بأسلوب واضح وسهل وترجمة لغة المختصين إلى لغة الجمهور، وهي تأخذ على العلماء والمختصين الذين يكتبون عن العلم وقضاياه ومشاكله أنهم يكتبون بلغة غير مفهومة وموغلة في الاختصاص، ولا يستطيع كل أحد أن يتابع ما كتبوه، ولا يكاد يبدأ صفحات أي كتاب علمي حتى يتركه سآمة ومللا، وهذه الملاحظة ليست خاصة بعلماء الغرب ولكنها عامة، مع بعض الاستثناءات لعلماء كبار جمعوا بين الدقة العلمية والأسلوب الأدبي الرفيع.

أخطاء العلم
في فصل بعنوان "أخطاء العلم" تهاجم المؤلفة حراس "المعبد" الذين يجعلون من العلم شبه إله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، مؤكدة أن كثيرا من القضايا والظواهر بقيت وستبقى بلا تفسير علمي، وهذا لا يعني أنها غير موجودة، وعدم القدرة على تفسيرها لا يبرر تجاهلها.

وهذا الموقف المتجاهل والرافض يجعل من العلم "أحدث المؤسسات الدينية العدوانية والدوغماطية" على حد قول العالم الفيزيائي ببيركلي فيرابند. وتستشهد الكاتبة بأقوال لعلماء ومفكرين آخرين حول قصور العلم وأخطائه عبر التاريخ إلى يومنا، فتنقل عن البروفيسور هـ.ت.ج إيزنك مدير شعبة علم النفس وشعبة الظواهر الخارقة ومدير مستشفيات ماندلي وبيتلم بالولايات المتحدة قوله "عندما يغامر رجال العلم خارج تخصصاتهم فإنهم يصبحون بلا منطق وجامدين في تفكيرهم أكثر من أي شخص آخر، وبقدر علمهم تصبح دعاواهم خطيرة".

ويؤيد هذا الانتقاد المفكر الفرنسي إدغار موران مدير الأبحاث بالمعهد الوطني الفرنسي للبحث العلمي فيقول في كتابه "علم مع وعي": "العلوم ليس لديها اليوم وعي بأنها لا وعي لها". ويصطف موران إلى صف عدد من العلماء الحاليين الذين يرون أن "ما كان واقعيا لم يعد كذلك، وأنه حان الوقت لمراجعة مجمل المفاهيم العلمية والاعتراف بأنها لا تستطيع تفسير كل شيء".

وتعود المؤلفة إلى صفحات تاريخ العلوم لتؤكد أن هذا المشكل ليس وليد اليوم، وأنه تكرر مرارا مع عدد من العلماء. فعالم العلوم لم يقبل بسهولة مفهوم الذرات والمجرات، وعلى رأسهم العالم الكيميائي الأكاديمي مارسلان بيرتيلو.

"
الحقيقة ليست هي ما يراد أن يفرض علينا، والعلم يكتسي في بعض الأحيان طابع مؤسسة متعصبة مستبدة تطالب بالنتائج والمنشورات وتطور وهمي، ولكنه ليس هو الحقيقة حتما لأنها تهدد مصالح بعض القوم وعقائدهم الجامدة
"
وضربت المؤلفة بعض الأمثلة من تاريخ العلوم لم تقبل فيها اكتشافات وتفسيرات جديدة مثل اكتشاف الدورة الدموية على يد الطبيب الإنجليزي وليام هارفي مع بداية القرن السابع عشر، وبقيت مرفوضة لمدة قرنين حتى أقرت سنة 1827م. وفي 1699 ركب دينيس بابان أول سفينة بخارية، وعندما أراد أن يركبها وينفذها الميكانيكي الأميركي روبيرت فولتون اضطر للانتظار عشرين سنة ليقبل مشروعه العلمي.

وفي 1827 صرح ب.س جيرار أمام الأكاديمية العلمية بأن من المستحيل نقل الماء إلى الأدوار العلوية للمنازل. وفي 1840 أكد جوهانس مولير أنه لا يمكن قياس سرعة ذبذبات الدماغ البشري. أما الطبيب الهنغاري إغناس سيميلويس فقال إن النساء لا يصبن بالحمى أثناء الوضع إذا غسلت القابلات أيديهن بالصابون، فتعرض لهجوم شرس من قبل زملائه الأطباء ولم يقتنعوا بقوله رغم الحجج الدامغة التي قدمها لهم، واتهم بالكذب والشعوذة، وتدهورت حالته النفسية حتى مات منتحرا، إلى أن جاءت سنة 1890 لتعترف الساحة العلمية بما قال بعد أن نشرت أعماله سنة 1861.

وتستنتج المؤلفة عبر هذه الأمثلة وغيرها أن الحقيقة كثيرا ما يرفضها الجيل الذي عايشها، ولا تجد الاعتراف إلا في الأجيال اللاحقة. وتضيف أن السلطات كانت تلجأ في القرون الماضية إلى الحرق والسجن كما فُعل بكثير من الباحثين والعلماء، لكن الأمر يختلف اليوم: صحيح أن الحرق والسجن غير معمول بهما، لكن هناك وسائل أخرى لمنع الحقائق من الظهور، منها الحصار الإعلامي، ومنع التمويل، وتوجيه البحث العلمي لخدمة أغراض معينة.

وتخلص الكاتبة إلى أن "الحقيقة ليست هي ما يراد أن يفرض علينا، والعلم يكتسي في بعض الأحيان طابع مؤسسة متعصبة مستبدة تطالب بالنتائج والمنشورات وتطور وهمي، ولكنه ليس هو الحقيقة حتما، لأنها تهدد مصالح بعض القوم وعقائدهم الجامدة".

الدين والروحانية
وترى الكاتبة أنه قد حان الوقت لإيجاد ساحة مصالحة وتفاهم بين العلم والدين اللذين ظلا منغلقين في إطار خاص ومحدود، فالعلم ينكر وجود أشياء لا يستطيع تفسيرها، والكنيسة ترى أن الخوارق ليست في حاجة لتفسير علمي. وتستعين بقول الكاتب فريتجون كابرا: "العلم ليس في حاجة إلى الروحانية، والروحانية ليست في حاجة إلى العلم، ولكن الإنسان في حاجة إليهما".

ولتحقيق التصالح تنصح الكاتبة العلم بأن يتخلى عن عقيدة النظرية الميكانيكية التي تولد شعورا بالقلق الوجودي لدى الإنسان. وتخلص إلى أنه بقدر تقدم العلم تتراجع يقينياته، إذ إن الأزمة الحالية ليست حدثا محليا أو عارضا سنسترجع بعده طرائق تفكيرنا وسلوكنا. هذه الأزمة تضعنا وجها لوجه أمام تداخل ثقافات جميع الأمم، وضرورة مواجهة المشاكل على الصعيد العالمي، وليس عبر المصالح الخاصة لهذه الأمة أو تلك.

"
تتوقع المؤلفة أن يبرز نوع جديد من العلم ورؤية جديدة للعالم يشارك فيها الباحثون الجدد من حيث لا يدرون، في حركة ستعتبر في المستقبل مهمة، مثل ظهور دين جديد
"
وتتوقع المؤلفة أن يبرز نوع جديد من العلم ورؤية جديدة للعالم يشارك فيها الباحثون الجدد من حيث لا يدرون، في حركة ستعتبر في المستقبل مهمة، مثل ظهور دين جديد.

وضربت الكاتبة مثلا لهؤلاء العلماء الجدد الذين يجمعون بين العلم والدين بعالم الفيزياء الفضائية ترينه كسوان توان الذي لم يتردد في مقاربة قضية الألوهية في كتابه "اللحن السري" فقال "مجال الإله هو مجال الغريب والغيبي، مجال اللانهائي في الصغر، واللانهائي في الكبر. وهذه المجالات لم تعد حكرا على المختص في العقيدة، ولكنها مجالات رجل العلم أيضا".

البارابسيكولوجي بين الأمس واليوم
تحاول المؤلفة تقديم رؤية متوازنة للبارابسيكولوجي، أو علم نفس الظواهر الخارقة، بين "أدعياء العقلانية" الذين رفضوها رفضا باتا دون فحص الوقائع، وآخرين قبلوها قبولا أعمى دون نظرة نقدية.

وتلقي باللائمة على العلماء والباحثين الذين أحجموا عن الخوض في هذا الميدان وذلك ما ترك المجال مفتوحا أمام المشعوذين والدخلاء. فالفقر الروحي للغرب دفع كثيرا من أبنائه للبحث عن المعنى في الشرق، خاصة الهند، لكن غياب أساتذة حقيقيين، سرعان ما يعيدهم خائبين إلى فراغهم.

غير أنها تستبشر خيرا بالباحثين الشباب لأنهم أكثر انفتاحا من كبار السن. كما تستبشر خيرا باستمرار جمعية علم نفس الخوارق بالولايات المتحدة والتصويت على استئناف أبحاثها وتجديد مناهجها. وتركز المؤلفة على قضية تحديد المنهج أولا لدراسة هذه الظواهر، وفرز ما هو حقيقي ولو كان "مستحيلا" عما هو كائن سواء أردناه أم رفضناه.

وترد المؤلفة على بعض الاعتراضات المسجلة ضد الظواهر الخارقة مثل عدم تكرارها، فتقول إن هناك ظواهر لا تتكرر ولكن العلم أقرها واعترف بها مثل الشهب والنيازك، ثم إن بعض الظواهر الخارقة تتكرر مثل التيليباثي والتنبؤ، ولذلك فإن استبعاد هذه الظواهر من دائرة البحث العلمي ليس خطأ فحسب، ولكنه بدعة غير مسبوقة.

توضح الكاتبة أن هذه الظواهر يستطيع تفسيرها فريقان علميان، فريق السيكولوجيين، وفريق الفيزيائيين. أما السيكولوجيون فيعتبرونها بمثابة تجل للجانب النفسي المفارق للمادة في الإنسان مثل مجال طاقي يجري فيه الإرسال دون أن يحده الزمن أو المسافة أو الحواجز الفيزيائية، وبالنسبة لهم توجد روابط غير مفهومة بين الحالات الذهنية للأشخاص والوقائع الخارجة عن مدلولاتها الفيزيائية.

وأما الفيزيائيون فيرون أنه توجد روابط بين المواهب فوق الحاسية والفيزياء الكوانتية ما دامت الجزيئات قابلة للترابط في استقلال عن المسافة التي تباعد بينها.

وفي يونيو/حزيران 1981، أعلنت لجنة العلم والتكنولوجيا بمجلس الشيوخ الأميركي بشكل رسمي أن "التجارب الأخيرة حول الرؤية عن بعد ودراسات أخرى حول الظواهر الخارقة تدفع إلى الاعتقاد بوجود تواصل نفساني بين الروح الإنساني والمادة وبين جميع الأرواح".

معركة طويلة

"
يبدو أن المعركة حول إدراج الظواهر الخارقة في دائرة البحث العلمي الحالي ستكون طويلة، ويلزم تخليصها من نظرة شعبية تحيط هذه الظواهر بهالة كبيرة من الأساطير، ونظرة رافضة لا تقبل منها أي شيء
"
يبدو أن المعركة حول إدراج الظواهر الخارقة في دائرة البحث العلمي الحالي ستكون طويلة، ويلزم تخليصها من نظرة شعبية تحيط هذه الظواهر بهالة كبيرة من الأساطير، ونظرة رافضة لا تقبل منها أي شيء.

ويظهر أن الأميركيين أكثر ميلا من الأوروبيين للاعتراف بعلمية هذه الظواهر، ربما لأن تاريخهم العلمي والسياسي لم يشهد صراعا بين الدين والعلم والدين والسياسة. والكاتبة على وعي بذلك، وكثرة الاستشهادات الأميركية المؤيدة للاعتراف في جل الصفحات مؤشر على ذلك.

ولم تدخر سيلفي سيمون جهدا في إقناع رجال العلم بأن الظواهر الخارقة يمكن دراستها دراسة علمية، كما فعلت الأمر نفسه لرأب الصدع بين العلم والدين. لكن الغالب على رؤيتها هو التصور الغربي للدين، فالدين محصور عندها في المسيحية والهندوسية والبوذية والفلسفات المشرقية، والإسلام غائب تماما، رغم أنها تنادي بأن يكون الحل عالميا وجماعيا. ولو أنها فسحت للإسلام مكانا في بحثها لوجدت في التراث الإسلامي وكتابات العلماء الأقدمين والمحدثين مادة دسمة ستغني كتابها وستزيده قيمة وأهمية.

ففي الدين عامة، والإسلام خاصة، يرتبط هذا الموضوع بالعقيدة والغيب والشهادة ومكانة الإنسان وطاقته وعلاقته بالمخلوقات الأخرى، وهذا معناه الأخذ برأي علماء الدين إلى جانب علماء الطبيعة والإنسان.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك