عرض/ سكينة بوشلوح

يواجه العالم اليوم أزمة فريدة من نوعها لم يعرفها عالم الاقتصاد من قبل، تمخضت عن التعامل بمبتكرات جديدة من البنوك وأسواق رأس المال الغربية، وجد الساسة ورجال الاقتصاد صعوبة في التعامل معها إذ ليس أمامهم تجربة سابقة يمكنهم اعتمادها لمواجهتها.

وقد ارتأى الدكتور الموسوي في هذا الكتاب التعريف بهذه الأزمة في ثلاثة فصول، يعرض فيها أسباب الأزمة وخطط الإنقاذ المنتهجة من خلال القمم العالمية لمواجهتها.

الأزمة بين التحرر المالي ونظام النقد الدولي
يرى الكاتب أن الأزمة المالية الراهنة اندلعت من القطاع العقاري نتيجة الغموض وانعدام الشفافية الذي يلف عمل النظام المصرفي عموما في الولايات المتحدة، فقد تسابقت البنوك الاستثمارية الأميركية إلى تقديم قروض عقارية فيها مخاطرة، وقد استفاد 75% من الأميركيين من هذه القروض، وهو ما تسبب في استفحال الأزمة عندما عجز المدينون من الأفراد والمؤسسات عن سداد الأقساط المستحقة مما أدى إلى مشكلة نقص السيولة على مستوى الجهاز المصرفي.

-الكتاب: الأزمة المالية العالمية الراهنة
-
المؤلف: د. ضياء مجيد الموسوي
-عدد الصفحات: 133
-
الناشر: ديوان المطبوعات الجامعية, الجزائر
-
الطبعة: الأولى/ 2010

وفي ظل أن نسبة القادرين على التسديد لا تتجاوز 8%، فإن حجم الاقتصاد الأميركي الذي يمثل 40% من الاقتصاد العالمي كان له أثر سيئ على الأسواق المالية العالمية.

ويرجع الكاتب أصل الأزمة إلى السياسة النقدية السهلة التي اتبعها البنك المركزي الأميركي الذي خفض نسبة الفوائد وتبنى سهولة في منح قروض الاستهلاك، وخلال عامي 2007 و2008 تراجعت السوق العقارية وتضاعفت حالات العجز عن التسديد، وصعب على البنوك إعادة بيع الوحدات السكنية المحجوزة أو باعتها بخسارة، لهذا قلّت الثقة في الأسواق المالية فعمّت الأزمة المالية، وتوالى إفلاس البنوك وبلغت الخسائر في أهم عشرين بنكا عالميا 1300 مليار دولار خلال سنة واحدة.

ولإعادة تمويل البنوك نفسها، قامت بتحويل أصول هذه القروض إلى سندات تعيد بيعها في الأسواق المالية، حيث تم تسديد 81% من القروض العقارية الأميركية التي فيها مخاطر. وفي ظل العولمة وإزالة الحواجز بين الأسواق المالية العالمية، تم تداول سندات القرض العقاري الأميركي، فأغرقت الأسواق المالية الدولية بسندات مجهولة القيمة والقوة، وهي ما تعرف اليوم بـ"المنتجات المالية المسمومة" التي غزت الأسواق.

وبانفجار أزمة قطاع العقار فقدت السندات قيمتها وانتاب الخوف والهلع البنوك، مما جمد السوق بين المؤسسات البنكية التي لم تعد تريد إقراض سيولة لبعضها بعضا، فكانت النتيجة انهيار البورصات وتوسع الأزمة في كافة الأسواق والبنوك العالمية.

وتتحمل المسؤولية -حسب رأي الكاتب- إستراتيجية الرأسمالية التي تبحث عن أعلى الأرباح وفي أقصر وقت ممكن، مما جعل الاستثمار المالي ينفصل عن الاقتصاد الحقيقي، إذ لا يشكل حجم المعاملات التي تتم فيه سوى 2% من مجموع حجم المبادلات في الأسواق المالية.

ومما أبرزته الأزمة المالية الراهنة أن البنوك المركزية في الدول الصناعية الكبرى لم تعد تهتم منذ عقود إلا بالتغيير في نسب التضخم وتغير سعر الفائدة، ونسيت تماما أنها يجب أن تحافظ على سلامة الأوضاع المصرفية المالية في أسواقها المحلية، وتركت موجة البيع، أي "المنتوجات المالية"، بدون أي نوع من التأثير القانوني والتشريعي والنظامي، بل إن البنك المركزي الأميركي رفض بإصرار أن يضع ضوابط أو معايير على إصدار كل المنتوجات المالية الجديدة.

ومما لا شك فيه أنه نتيجة التطبيق الواسع لتكنولوجيا الحواسيب والاتصالات في الأسواق المالية، تمكنت هذه الأخيرة من معالجة حجم كبير من المعاملات المالية، كما أدى استعمال التكنولوجيا المتطورة إلى ربط الأسواق التي تقع في مناطق أمنية مختلفة، فازدادت التدفقات داخل أسواق رأس المال الدولية بسرعة تفوق كثيرا معدل نمو الدخل القومي في البلدان الصناعية الرئيسية، كما زاد المعدل اليومي لتداول العملات الأجنبية في الأسواق الرئيسية (لندن، ونيويورك، وطوكيو) فازداد بذلك التكامل العالمي للأسواق المالية، وأصبح الاقتصاد العالمي محصورا في رقعة صغيرة أو كازينو كما أطلق عليها الاقتصادي الإنجليزي لينز.

أساسيات أسواق المال وسيكولوجياتها

"
تقف خلف الأزمة سيكولوجية السوق والدور الذي يلعبه "التكهن الذاتي التحقيق"، الذي مفاده ببساطة أن شائعات ما تطلق على إفلاس بنك معين تكون سببا في إفلاسه حتى وإن كانت أساسياته سليمة صامدة
"
يؤكد المؤلف أن الأزمة المالية الراهنة منبعها الولايات المتحدة الأميركية رغم وجود جملة من العوامل التي تقف وراءها وتتعلق بأساسيات السوق وسيكولوجيته، وترتبط أساسياته بالعجز المزدوج في الميزانية والميزان التجاري الذي تعاني منه الولايات المتحدة، وما ينطوي عليه من تباطؤ متزايد في معدلات النمو الاقتصادي وارتفاع معدلات التضخم، وتدهور الأوضاع الاقتصادية وانخفاض أرباح الشركات ولجوء الحكومات الأميركية إلى اتباع سياسات نقدية متغيرة.

ومن جانب آخر يقف خلف الأزمة أيضا الدور الذي يلعبه "التكهن الذاتي التحقيق" الذي مفاده ببساطة أن شائعات ما تطلق على إفلاس بنك معين تكون سببا في إفلاسه حتى وإن كانت أساسياته سليمة صامدة. هذا العجز المزدوج تسبب في وجود ركام من المديونية لم يسبق لها مثيل في تاريخ الولايات المتحدة مما جعلها أكبر دولة مدينة في العالم، والواقع يثبت أن العجز في الميزان التجاري الأميركي سببه الدور المهم الذي يلعبه الدولار باعتباره عملة دولية رئيسية تتسبب في حصول نتائج غير معروفة مسبقا.

كما يرجع الكاتب مسؤولية الاختلال في موازين المدفوعات الدولية إلى جميع دول العالم، وعليه يتوجب على الجميع التعاون للقضاء على هذا الاختلال، إذ ليس باستطاعة أميركا وحدها التغلب على مشاكل الاقتصاد العالمي، وعلى افتراض قيام الولايات المتحدة بتخفيض عجز الميزانية فإن هذا الإجراء من شأنه أن يبطئ معدلات النمو الاقتصادي الأميركي.

كما أن تخفيض عجز الميزان التجاري قد يتسبب بإضرار اقتصادات دول أوروبا وآسيا المعتمدة على السوق الأميركية، وبالتالي فإن الانتكاس الذي سيصيب اقتصاداتها سينعكس على الاقتصاد الأميركي، وسيترتب عن ذلك تردي حالة مديونية العالم الثالث طالما لا يتمكن المدينون من الحصول على الدولارات لتسديد ديونهم.

خطط الإنقاذ لمواجهة الأزمة
الأزمة الراهنة إذن تختلف تماما عن الأزمات العالمية السابقة من حيث حجم الكارثة وشموليتها التي عمت الاقتصاد العالمي برمته، ومن حيث أسبابها التي تمخضت عن التعامل بمبتكرات مالية ونقدية جديدة في البنوك وأسواق رأس المال الغربية.

ففي الأزمات السابقة كانت العمليات البنكية وعمليات تداول الأسهم والسندات مرتبطة بحجم الإنتاج، وفي الأزمة الراهنة انفصل الجانب المالي عن الجانب الحقيقي بسبب المضاربات، وبالتالي وجد الساسة ورجال الاقتصاد صعوبة في مواجهتها. وتعتبر خطة الإنقاذ، التي اقترحها وزير الخزانة الأميركي هنري بولسون ودخلت حيز التنفيذ لمواجهة الأزمة، مجرد محاولة قد يكتب لها النجاح وقد تفشل.

وتسمح هذه الخطة التي تبلغ قيمتها 700 مليار دولار بشراء الديون المبعثرة التي تؤثر على السوق الأميركية وتهدد بانهيارها كما تهدد بتعرض البنوك والمؤسسات المالية الأخرى إلى الإفلاس، واعتبر صاحب الخطة أن التدخّل غير المسبوق للحكومة يعتبر الوسيلة الوحيدة للحيلولة دون انهيار الاقتصاد الأميركي بشكل أكبر. ومقابل القرار الأميركي وضعت الدول الصناعية السبع الكبرى خططا استعجالية لمواجهة الأزمة، وتعهد أعضاؤها بمنع إفلاس البنوك الكبرى وضمان استقرار السوق المالي وإعادة تدفق القروض وضمان ثقة المدخرين.

"
اعتمدت الدول الأوروبية الأعضاء في منطقة اليورو خطة إنقاذ تعتمد على تأميم جزئي للمؤسسات المالية المتضررة وضخ أموال عمومية في البنوك وضمان الودائع، فضلا عن ضمان القروض بين المصارف
"
كما اعتمدت الدول الأوروبية الأعضاء في منطقة اليورو خطة إنقاذ تعتمد على تأميم جزئي للمؤسسات المالية المتضررة وضخ أموال عمومية في البنوك وضمان الودائع، فضلا عن ضمان القروض بين المصارف مع إمكانيات اللجوء إلى إعادة تمويلها، إلا أن بعض خبراء الاقتصاد انتقدوا بمرارة إجراءات السياسيين مؤكدين أن السياسة لا تستطيع اجتناب المشكلة من جذورها، وما سيفعله دعم المصارف المفلسة هو ترحيل للمشاكل الكبرى إلى حين بينما الحديث يجب أن يدور حول تنظيف النظام المالي وليس استمرار الدعم له.

وقد استعرض الكاتب القمم العالمية المنعقدة لمواجهة الأزمة المالية، بدءا بقمة باريس مرورا بقمة وزراء مالية الاتحاد الأوروبي بلوكسمبورغ، والاجتماع السنوي لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، والقمة الأميركية الأوروبية، وقمة بكين، إلى قمة العشرين في واشنطن، وكلها انعقدت في سنة 2008، ليسلط الضوء بعدها على قمة العشرين في لندن في الثاني من أبريل/نيسان 2009 التي خرجت بتوافق الآراء رغم أنها انعقدت في ظروف اختلاف في وجهات النظر بشأن الآليات والأولويات التي ينبغي اعتمادها.

فقد هدد الرئيس الفرنسي بالانسحاب من القمة إذا لم تحقق النتائج التي تصبو إليها، كما أن المستشارة الألمانية كانت قد شددت على ضرورة أن تتخذ القمة قرارات بشأن بناء منظومة مالية جديدة، وفي هذه القمة تم تحويل ما كان يسمى بمنتدى الاستقرار النقدي إلى مجلس الاستقرار النقدي ليشرف على تحركات النظام النقدي حول العالم بمنحه الكثير من الصلاحيات حتى يمنع التلاعب والإضرار ويضع نهاية "للذات الضريبية" التي لا تنقل المعلومات عند طلبها، وعلى سرية البنوك.

"
زادت موارد صندوق النقد الدولي بتقديم مساعدات للدول المتضررة في الأزمة، ومع ذلك هناك غموض وعلامات استفهام كبيرة فيما يتعلق بمدى استفادة الدول النامية من قرارات قمة العشرين
"
خاصة أنه قد تم حتى الآن إنفاق 2000 مليار دولار التي سترتفع في العام المقبل إلى 5000 مليار، وبذلك سيتحرك السوق والنظام المالي وسيوفر السيولة للشركات والأفراد ولمنظومة العمل، هذا ما يدل على حصول تقدم في توافق آراء زعماء دول العشرين من خلال تقديم كل طرف تنازلات محدودة، لأن فكرة إعادة تأسيس النظام المالي العالمي التي تطمح إليها فرنسا وألمانيا، وفكرة اعتماد عملة عالمية موحدة تحل محل الدولار الأميركي والتي تبنتها الصين بحكم احتلال اقتصادها المرتبة الثالثة عالميا، قوبلت بالرفض القاطع من طرف الولايات، وإدارة الرئيس الأميركي أصرت على أن يظل الدولار عملة عالمية لوقت طويل وطمأنت الصين بالقول إن احتياطاتها في أياد أمينة، والسر في قوة الدولار حاليا هو اعتبار المستثمرين الولايات المتحدة أقوى اقتصاد في العالم وصاحبة أكثر نظام سياسي استقرارا في العالم.

ويشير الكاتب إلى أن الدول النامية كان لها نصيب في عرض رأيها في نقاشات القمة، فقد زادت موارد صندوق النقد الدولي بتقديم مساعدات للدول المتضررة في الأزمة، ومع ذلك هناك غموض وعلامات استفهام كبيرة فيما يتعلق بمدى استفادة الدول النامية من قرارات قمة العشرين.

ففيما يتعلق بمبلغ 250 مليار دولار لتحفيز التجارة في الدول النامية لم تحدد قواعد التعامل به من قبل هذه الدول، كذلك فيما يتعلق بمبلغ 50 مليار دولار التي ستقدم لمساعدة الدول الأكثر فقرا، فهذا المبلغ أقل بكثير من المطلوب لتعويض هذه الدول عن خسائرها نتيجة انخفاض أسعار المواد الأولية في الأسواق العالمية وانخفاض عوائدها التي تتحملها نتيجة الخلل في المؤسسات المالية في الدول الكبرى، وهذا المبلغ المخصص للدول الفقيرة في أميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا هو أقل من المبلغ المقدم إلى شركة أميركية واحدة لإنقاذها من الأزمة.

ويخلص المؤلف في الأخير إلى أن هذه الخطط قد لا يكتب لها النجاح، وفي حالة الفشل ستتدهور قيمة الاحتياطات من الدولارات والعملات الصعبة الأخرى لدى الدول النامية، ولذلك يكون من الأفضل لها استثمار احتياطاتها في شراء الذهب، فهو سيد الاحتياطات ولا تنخفض قيمته كثيرا، كما يمكن للدول النامية أن تتحول إلى اقتصادات صاعدة من خلال بناء مشروع ضخم متكامل العمليات وإنتاج الأدوات الاحتياطية كالسيارات وغيرها، فيتحول البلد النامي إلى بلد صاعد اقتصاديا كما هو حال الهند، فقد تعلم الهنود من أين تؤكل الكتف.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك