عرض/شرين يونس

رغم كثرة الحديث في المحافل العربية الأفريقية عن العلاقات التاريخية بين العرب والأفارقة، فإن الواقع البحثي يشهد ضآلة ما كتب عن تلك العلاقات.

وعادة ما تأتي الدراسات حول العلاقات الخليجية الأفريقية في إطار دراسة العلاقات العربية الأفريقية بصفة عامة، أو علاقة دولة من دول الخليج بالقارة الأفريقية، وتركز بعضها الآخر على دور دول الخليج العربية في حشد التأييد الأفريقي لدعم القضية الفلسطينية، إضافة إلى الطابع الدوري والرسمي لتلك الدراسات وتأثرها بمجريات الأحداث الإقليمية والدولية.

ويسعى هذا الكتاب عبر فصوله لإلقاء مزيد من الضوء على واقع العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي والدول الأفريقية.

تحولات دولية وضرورات التعاون
يستعرض الكاتب في هذا الفصل العوامل والتحولات الدولية والإقليمية على الساحتين الأفريقية والخليجية، مؤكدا أن الكثير منها يدفع لضرورة تنامي الاهتمام بالعلاقات بين الجانبين وتفعيلها.

-الكتاب: العلاقات الخليجية الأفريقية.. الواقع وآفاق المستقبل
-المؤلف: محمد عاشور مهدي
-عدد الصفحات: 193 
-الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية, الإمارات
-الطبعة: الأولى 2010

  
  
فعلى الصعيد السياسي، تصاعدت المطالب الداخلية على الساحتين الأفريقية والخليجية بأخذ النموذج الغربي للديمقراطية، وأدى تفجر قضايا الأقليات إلى مزيد من التدخل الغربي في الشؤون الداخلية للمنطقتين.

وشهدت المنطقتان الخليجية والأفريقية مظاهر للتوتر السياسي، كالغزو العراقي للكويت وتداعياته، والحروب الأهلية بالعديد من الدول الأفريقية، وبروز قضيتي الإرهاب والقرصنة البحرية.

يضاف إلى ما سبق، التحولات على مسار القضية الفلسطينية، وزوال نظام التفرقة العنصرية على الصعيد الأفريقي، وما عانته المنطقتان الخليجية والأفريقية من مظاهر سعي الولايات المتحدة لبسط سطوتها وإرادتها على العالم.

فاختير العراق ساحة لاختبار قدرات الإمبراطورية العسكرية، وفرضت الرؤية الإمبراطورية الأميركية على مساعي تسوية الصراعات المختلفة على الساحة الأفريقية، كما حدث في السودان والكونغو، إضافة إلى موقفها ضد النظم السياسية والتعليمية بالمنطقة العربية، ومحاباة إسرائيل ضد العرب، واستخدام المحكمة الجنائية الدولية أداة لملاحقة النظام السياسي السوداني وتطويعه.

وعلى الجانب الأفريقي، هناك تجاهل الحروب الأهلية بالكثير من الدول الأفريقية، ودعم الأنظمة الأفريقية غير الكفأة القائمة، ومثالب تطبيق برامج التكيف الهيكلي بإشراف البنك الدولي، وعدم الجدية في المعاونة لمواجهة الفقر والأمراض.

وعن التحولات الاقتصادية، هناك رفع الحظر الاقتصادي والمقاطعة الاقتصادية عن جمهورية جنوب أفريقيا وبروز قوتها الاقتصادية، وتزايد الاكتشافات النفطية بمنطقة خليج عدن وما يشكلها من تهديد للمكانة الإستراتيجية للنفط الخليجي.

بالإضافة إلى تداعيات الأزمة المالية الدولية، وتثبيت واقع التبعية الاقتصادية الأفريقية للعالم الغربي، واستخدام "المواصفات وعمالة الأطفال وحقوق الإنسان والإغراق" كأوراق ضغط على الدول العربية والأفريقية.

وعلى نطاق التحولات الفكرية، أشار الكاتب إلى سيطرة بعض المدركات السلبية على الجانب الأفريقي نحو العرب، كالدور العربي فى تجارة الرقيق، والتوجس الأفريقي من أي توجه عربي على الساحة الأفريقية، وتضييق الخناق على الهوية الإسلامية، إضافة إلى ما فرضته العولمة من تحديات على الصعيد الثقافي والفكري.

مؤسسات التفاعل
تعددت مستويات مؤسسات التفاعل الخليجي الأفريقي، بدءا من المؤسسات والمنظمات الدولية وأهمها منظمة الأمم المتحدة، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، وثانيا المؤسسات الإقليمية كجامعة الدول العربية، وكذلك التعاون الخليجي الجماعي عبر مجلس التعاون، ثم المؤسسات والصناديق التنموية والاستثمارية الخليجية، وأخيرا المؤسسات والروابط الخلوية الرسمية وغير الرسمية العاملة على الساحة الأفريقية.

ويبين استعراض تلك الأطر والمؤسسات مدى توافرها وتنوعها ويبين طبيعتها وجهودها في دعم التعاون بين الجانبين.

فشهدت الأمم المتحدة تنسيقا عربيا أفريقيا متناميا منذ سبعينيات القرن العشرين، تصاعد مع أحداث المنطقة بدءا من الحرب العراقية الإيرانية، ثم الغزو العراقي للكويت، وتطورات القضية الفلسطينية، وما شهدته الدول الأفريقية من تداعيات انهيار النظام الدولي.

وتعد منظمة المؤتمر الإسلامي أحد أطر التنسيق المتبادل الخليجي الأفريقي، وكذلك الأمر بالنسبة لجامعة الدول العربية، خاصة فيما يتعلق بالمشروعات التنموية الاقتصادية والثقافية المشتركة.

ويمثل مجلس التعاون لدول الخليج العربية إطارا آخر لتنسيق السياسات بين أعضائه، إلا أن دوله تفضل إدارة علاقاتها بأفريقيا عبر أدوات التعاون الجماعي أو التعاون الثنائي.

"
رغم تنوع نشاطات الصناديق التنموية الخليجية بالقارة الأفريقية، فإن البيانات تؤكد ضآلة القيمة الإجمالية لتلك المشروعات، إضافة إلى ندرة اهتمام الصناديق السيادية الخليجية للاستثمار بالدول الأفريقية
"
ورغم تنوع نشاطات الصناديق التنموية الخليجية بالقارة الأفريقية، فإن البيانات تؤكد ضآلة القيمة الإجمالية لتلك المشروعات، إضافة إلى ندرة اهتمام الصناديق السيادية الخليجية للاستثمار بالدول الأفريقية، وتفضيلها الاستثمار في الدول الغربية.

وتمتلك دول الخليج شبكة واسعة من المؤسسات الخيرية والدعوية لها دور هام في إدارة العلاقات الخليجية الأفريقية، إضافة إلى المنتديات الاقتصادية الخليجية الأفريقية التي برزت على الساحة منذ العام 2008 وتصاعد الاهتمام الدولي بالفرص الاقتصادية في القارة بعد الأزمة المالية العالمية.

غير أن الباحث يرى تلك المنتديات ما تزال شاهدا على ضعف وعي كل طرف بقضايا الطرف الآخر، وغلبة الطابع الاحتفالي عليها.

واقع ومعوقات
يرصد الفصل الثالث واقع العلاقات الخليجية الأفريقية من خلال البحث في التفاعلات الدبلوماسية والاقتصادية، وأخيرا بيان أهم معوقات التعاون الخليجي الأفريقي.

فعلى صعيد التفاعلات الدبلوماسية، هناك 30 بعثة دبلوماسية أو قنصلية لدول مجلس التعاون الخليجي بالدول الأفريقية غير العربية، يكشف توزيعها الجغرافي تحيزا لدول الغرب والشرق على حساب دول الجنوب والوسط.

ولا يوجد أي تمثيل دبلوماسي لدول مجلس التعاون في 26 دولة أفريقية، نظرا لندرة الكوادر الدبلوماسية الخليجية المؤهلة والراغبة فى العمل على الساحة الأفريقية، وعدم الاستقرار الداخلي لتلك البلدان الأفريقية، علاوة على الطابع الثقافي والاجتماعي واللغوي المغاير.

ويخفي التوزيع العام بعض التمايزات في التوجهات الدبلوماسية لدول مجلس التعاون كما تعكسها العلاقات الدبلوماسية لكل دولة من دول المجلس وحدها.

وعلى نطاق التمثيل الدبلوماسي الأفريقي لدى دول مجلس التعاون الخليجي، فهناك 109 بعثات دبلوماسية أفريقية لدى مجلس التعاون، بينما 15 دولة أفريقية ليس لديها بعثات دبلوماسية لدى دول مجلس التعاون، وهو ما يرجعه الباحث إلى ضعف الإمكانيات والروابط والمصالح المشتركة.

ويكرر الباحث حديثه عن ضعف واقع التجارة البينية بين دول مجلس التعاون الخليجي والدول الأفريقية، مقارنة بحجم التبادل التجاري بين كلا الطرفين والدول الغربية، مدللا على قوله أيضا بعدم وجود نشاط ملحوظ للصناديق السيادية الاستثمارية الخليجية بالدول الأفريقية، وللصناديق التنموية الجماعية، حيث جاءت أفريقيا على الصعيد التراكمي للمساعدات بالمرتبة الثالثة فى جدول إجمالي المساعدات بعد كل من الدول العربية والدول الآسيوية.

وفيما يتعلق بمعوقات العلاقات الخليجية الأفريقية، قسمها الكاتب إلى ثلاثة مستويات: عامة، والمعوقات على الساحة الأفريقية، والأخرى على الساحة الخليجية.

ففي سياق المعوقات العامة، هناك الصورة المشوهة لدى الطرفين العربي والأفريقي، وعدم الاستناد إلى منظومة فكرية محددة للتعاون، وإعطاء العلاقة المشتركة بينهما أهمية ثانوية لمصلحة علاقات كل طرف من الطرفين بأطراف دولية وإقليمية أخرى، وبقاء التعاون الاقتصادي رهينا بعلاقاتهما السياسية، والطابع الفوقي بل الأحادي لمعظم المشروعات المشتركة، وعدم الاهتمام بالعلاقات الثقافية والفنية.

"
في سياق المعوقات العامة للعلاقات الخليجية الأفريقية، هناك الصورة المشوهة لدى الطرفين العربي والأفريقي، وعدم الاستناد إلى منظومة فكرية محددة للتعاون
"
وعلى جانب المعوقات المتعلقة بالطرف الأفريقي، ذكر الكتاب منها نظرة التشكك الأفريقية للوجود الحضاري العربي الإسلامي، وعوامل التدهور وعدم الاستقرار واستشراء الفساد، وعدم توفير المناخ الملائم لجذب الاستثمارات الخليجية.

وعلى الجانب الخليجي، هناك عدم الدراية بأوضاع ومتطلبات الدول الأفريقية، وضعف الدور الشعبي، وأيضا ضآلة الاهتمام الاقتصادي الخليجي بالتعاون بالقارة الأفريقية، وتأثر العون الخليجي بالتوجهات السياسية، وعدم مواكبة المنح -على الصعيد الثقافي والتعليمي- وحاجة الدول الأفريقية.

قضايا ومواقف
يهدف الفصل الرابع إلى رصد تأثير أسس العلاقات الخليجية الأفريقية ومرتكزاتها ومعوقاتها في موقف كل طرف من قضايا الطرف الآخر.

فعلى صعيد الموقف الأفريقي من القضايا العربية الخليجية، كانت القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي مركز هذه العلاقات حتى مطلع تسعينيات القرن العشرين، وتغير الموقف الأفريقي تبعا لقوة الموقف العربي دوليا وإقليميا، وموقف الدول العربية من القضايا الأفريقية، وكذا نصيب القارة الأفريقية من المساعدات والمعونات العربية.

فبينما اتسمت حقبة السبعينيات بالتأييد الأفريقي للقرارات الأممية المؤيدة للحق الفلسطيني، وقطعت كثير من الدول الأفريقية علاقاتها الدبلوماسية بإسرائيل، تغير هذا الموقف بدءا من أواخر السبعينيات بسبب الانقسام العربي، واختلال التوازن على الصعيد الدولي لغير مصلحة الدول العربية.

ومع بداية عقد التسعينيات تصاعدت أهمية قضايا أخرى مثل الموقف من الغزو العراقي للكويت، والعلاقة بإيران، والموقف الأفريقي من قضايا مثل اتفاقيات التجارة الدولية وقضايا التسلح النووي في الشرق الأوسط.

وأيدت الدول الأفريقية قرارات مجلس الأمن التي أصدرها بشأن الحرب العراقية الإيرانية، وإن كانت آثرت الحياد الإيجابي من حيث الممارسة الواقعية العملية، داعية إلى تسوية الصراع بالطرق السلمية والمحافظة على العلاقات بين الدولتين.

تكرر هذا الموقف مع الغزو العراقي للكويت، فأيدت الدول الأفريقية القرارات الأممية الرافضة للغزو، مع فرض الحظر العسكري على العراق والمقاطعة الاقتصادية له، إلا أن الدول الأفريقية لم تشارك بقوات التحالف الدولي لتحرير الكويت سوى النيجر (600 فرد) والسنغال (500 فرد).

ويلاحظ توافق عربي أفريقي بشكل عام إزاء ما يتعلق بقضية التسلح النووي بمنطقة الشرق الأوسط، والمساعي الدولية لجعل المنطقة خالية من الأسلحة النووية.

"
اتسم الموقف الخليجي بالاتساق مع الموقف الأفريقي فيما يتعلق بقضية النضال من أجل التحرر الوطني والقضاء على النظم العنصرية التي مثلت القضية المركزية للدول الأفريقية منذ ستينيات القرن العشرين
"
أما على نطاق الموقف الخليجي من القضايا الأفريقية، فاتسم بالاتساق مع الموقف الأفريقي فيما يتعلق بقضية النضال من أجل التحرر الوطني والقضاء على النظم العنصرية التي مثلت القضية المركزية للدول الأفريقية منذ ستينيات القرن العشرين.

ويكشف الكتاب غيابا واضحا للقضايا الأفريقية بصفة عامة عن البيانات الختامية وقمم دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، إلا فيما يتعلق بقضايا الدول الأفريقية العربية وما يتصل بشكل مباشر بأمن الخليج.

وأرجع الكتاب هذا الغياب إلى تجلي اهتمام دول المجلس الخليجي بالقضايا الأفريقية السياسية والاقتصادية والإنسانية على صعيد قرارات وإسهامات منظمة المؤتمر الإسلامي.

ملاحظات عامة
أورد المؤلف في خاتمة الكتاب ملاحظات عامة عكستها خبرة التعامل بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وأفريقيا، أهمها وجود مصلحة حقيقية خليجية وأفريقية في تعزيز التعاون بين الطرفين بفعل التغيرات الجارية على الساحتين الإقليمية والدولية.

ودعا إلى ضرورة العمل على دعم ومساندة مساعي التقارب العربي، بما يحول دون الصراع العربي على الساحة الأفريقية، وإحياء جهود التعاون بين جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي.

كما دعا إلى الاهتمام المتزايد بزيادة المنح الدراسية العلمية لأبناء الدول الأفريقية لتكوين كوادر أفريقية متفهمة لمشكلات واقع بلدانها تتبوأ مراكز مؤثرة في دولها، مع الاهتمام بالحضور الدبلوماسي والثقافي الخليجي على الساحة الأفريقية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك