عرض/محمد طارق
يعرض كتاب "الطفرة النفطية الثالثة وانعكاسات الأزمة المالية العالمية" خلاصات البحوث التي قدمت في اللقاء الثلاثين لمنتدى التنمية الذي عقد في البحرين يومي 12 و13 فبراير/شباط 2009.

وقد أشرف على تحرير وتنسيق الكتاب علي خليفة الكواري الأستاذ المساعد في الاقتصاد بجامعة قطر سابقا، المنسق المشارك لمشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية.

-الكتاب: الطفرة النفطية الثالثة وانعكاسات الأزمة المالية العالمية
-المؤلف: مجموعة من الباحثين
-تحرير: د. علي خليفة الكواري
عدد الصفحات: 431
-الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت
الطبعة: الأولى/2009
يستعرض الفصل الأول بحثا بعنوان "الطفرة النفطية الثالثة.. قراءة أولية في دواعي وحجم الطفرة: حالة أقطار مجلس التعاون" قدمه علي خليفة الكواري، بينما يبحث الخبير الاقتصادي الكويتي جاسم السعدون في الورقة الثانية في "الأزمة المالية العالمية والنفط .. توصيف الأزمة وقراءة انعكاساتها العامة وتأثيرها في النفط".

وفي الفصل الثالث يستعرض الاقتصادي الكويتي عدنان شهاب الدين "متغيرات الطاقة العالمية وانعكاساتها على الصناعة النفطية: حالة أقطار مجلس التعاون".

أما الفصل الرابع من الكتاب فيتضمن بحثا قدمه إبراهيم شريف السيد الاقتصادي البحريني والأمين العام لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (رعد) حول" تأثيرات الطفرة النفطية الثالثة في البحرين".

ويعرض الفصل الخامس ورقة بحثية قدمها حمد الحوشان الأستاذ المساعد بقسم الاقتصاد بكلية إدارة الأعمال بجامعة الملك سعود وجون كوالز بعنوان "الفائض المالي السعودي: مصادره، وأوجه استخداماته المحتملة وآثاره في السياسة المالية الحكومية".

ويتضمن الفصل السادس ورقة بحث قدمها ماجد المنيف خبير النفط ومحافظ السعودية لدى أوبك حول صناديق الثروة السيادية ودورها في إدارة الإيرادات النفطية.

ويستعرض الفصل السابع ورقة بحث قدمها عبد الرزاق فارس الفارس الخبير الاقتصادي بمركز دراسات الوحدة العربية بعنوان "الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية للطفرة النفطية على أقطار مجلس التعاون".

ويتضمن الفصل الثامن عرضا لورقة بحث قدمها مشاري عبد الله النعيم رئيس قسم العمارة بجامعة الملك فيصل عنوانها "المدينة في الخليج العربي بين الطفرة النفطية والأزمة المالية".

ويعرض الفصل التاسع بحثا قدمه فاروق القاسم خبير النفط الذي لعب دورا في تنمية قطاع الطاقة في النرويج ويتركز حول كيف أن النرويج كسبت نعمة النفط وتجنبت نقمته.

أما الفصل العاشر فيستعرض مناقشة عامة جرت في المنتدى حول متطلبات وضع سياسة نفطية تخضع إنتاج النفط واستخدام عائداته لاعتبارات التنمية.

بداية الطفرة الثالثة
ويبدأ الكتاب بورقة بحث للكواري، منسق اللقاء، حول الطفرة النفطية الثالثة يؤكد فيها أن هذه الطفرة النفطية بدأت مثلما بدأت الطفرات النفطية السابقة عليها عندما تلاشت الطاقة الإنتاجية الفائضة لدى البلدان المصدرة للنفط نتيجة لضغط الطلب العالمي عليها بسبب انخفاض أسعار النفط الجارية عن مستوى التكاليف الحدية للمكامن والمصادر البديلة التي كان من الضروري تطويرها في وقت مبكر لسد احتياجات الطلب العالمي على النفط.

"
الطفرة الثالثة جلبت معها القليل من الإيجابيات وتركت الكثير من السلبيات حتى بالمقارنة مع الطفرات النفطية السابقة, فالكل انصرف عن التفكير في الشأن العام إلى المضاربات وتكوين الثروات الشخصية التي تبددت بفعل الأزمة المالية العالمية الراهنة
"
يعتبر الكواري أن الطفرة انعكست على قيمة صادرات النفط والغاز المسال وأدت إلى زيادة صادرات البلدان الستة في مجلس التعاون إلى حوالي ثلاثة أضعاف ونصف في الفترة الواقعة بين عامي 2002 و2007. ويشير إلى أن عائدات النفط التي تم توريدها إلى الميزانيات العامة للبلدان الستة ارتفعت من 91.1 مليار دولار عام 2002 إلى 355 مليار دولار عام 2007. وبذلك حققت هذه البلدان فوائض كبيرة في الميزانيات العامة تصاعدت من 10.6 مليارات دولار (11.2% ) عام 2002، إلى 158.4 مليار دولار (51.2% ) عام 2007. ونتجت عن تلك الفوائض زيادة في حجم الأصول الخارجية المالية لبلدان المنطقة الستة، تم تقديرها بحوالي 1.8 تريليون دولار في نهاية عام 2007.

ويقول الكواري إن الطفرة جلبت معها القليل من الإيجابيات وتركت الكثير من السلبيات حتى بالمقارنة مع الطفرات النفطية السابقة. فالكل انصرف عن التفكير في الشأن العام إلى المضاربات وتكوين الثروات الشخصية التي تبددت بفعل الأزمة المالية العالمية الراهنة. أما على المستوى الرسمي فقد كان هناك توجه إلى تدوير عائدات النفط بسرعة وكأنها عبء وليست ثمنا لاستنضاب الثروة النفطية التي يجب استثمارها بدلا من استهلاكها والمغامرة بمصير الفائض منها.

وطالب الكواري بإخضاع إنتاج النفط لاعتبارات التنمية الشاملة ذات التوجه الوطني والإنساني وإخضاع أوجه النفقات العامة لاعتبارات بناء قاعدة اقتصادية إنتاجية تكون بديلة للاعتماد على تصدير النفط.

تأثر دول المنطقة
من جهته يقول الخبير الاقتصادي الكويتي جاسم السعدون إنه سوف يترتب على الأزمة فقدان الاقتصاد العالمي نحو نصف معدلات النمو المحتملة لو لم تحدث الأزمة.

ويضيف أن دول المنطقة سوف تتضرر من أزمة العالم على المدى القصير وستبقى الأزمة في مرحلتها الأولى، أي أزمة هبوط في أسعار الأصول بينما سيكون قطاعها المصرفي مأمونا. كما سينمو الاقتصاد الحقيقي موجبا، ولكن بمستوى أدنى ولن تحدث تطورات سلبية كبيرة على مستوى عمالة مواطنيها. وسوف تجتاز دول المنطقة الأزمة على المدى القصير بأقل التكاليف مقارنة بغيرها. ولكن أزمتها سوف تبدأ مع المدى المتوسط إلى الطويل.

ويقول الاقتصادي الكويتي عدنان شهاب الدين إنه في الوقت الذي يسهل فيه تقدير بعض المتغيرات الجديدة في العالم وبعض نتائجها على الصناعة النفطية مثل انخفاض الطلب على النفط على المديين المتوسط والطويل فإنه يصعب تقييم نتاج كل المتغيرات.

"
سوف تجتاز دول المنطقة الأزمة المالية على المدى القصير بأقل التكاليف مقارنة بغيرها, ولكن أزمتها سوف تبدأ مع المدى المتوسط إلى الطويل
"
ويضيف أن التحديات التي فرضتها جميع متغيرات الطاقة العالمية قبل الأزمة الاقتصادية العالمية وبعدها تتجاوز الصناعة النفطية في المنطقة بذاتها إلى حكومات دولها منفردة ومجتمعة وأن مواجهة التحديات تتطلب إستراتيجيات وسياسات نفطية حكومية منسقة بين بلدان المنطقة في إطار منظمة أوبك تحدد إطارا واضحا لكيفية استجابة الصناعة النفطية الوطنية لمثل هذه التحديات وتسهل على الشركات الوطنية والخاصة وضع إستراتيجيات وخطط فعالة للتعامل معها بنجاح.

وفي حين ارتفع دخول الخزينة من إيرادات النفط في عام 2008 بنسبة كبيرة أيضا بما يعكس الارتفاع الكبير في متوسط أسعار النفط في عام 2008 بزيادة حوالي 50% عن عام 2007 فإن هذه الدخول ستتراجع بنسب أكبر عام 2009 إلى أقل مما كانت عليه عام 2007 نظرا إلى أن متوسط سعر النفط وحجم الصادرات لعام 2009 سيكونان على الأرجح أقل مما كانا عليه عام 2007.

وتوقع شهاب الدين استمرار تراجع الطلب على النفط والغاز لعام آخر على الأقل مع انخفاض متوسط معدل النمو على المديين المتوسط والطويل عما كان سائدا في سيناريوهات سابقة.

السعودية تنوع اقتصادها
ويقول حمد الحوشان الأستاذ المساعد بقسم الاقتصاد بكلية إدارة الأعمال بجامعة الملك سعود إن السعودية نجحت في تنويع قاعدتها الاقتصادية بشكل ملحوظ إلا أن اقتصادها لا يزال في الحقيقة يعتمد بشكل شبه كلي على منتجات الدولة من النفط الخام والمكرر وغيرها من المنتجات البتروكيماوية.

وقد أوجد الاعتماد الكبير على عائدات السلع الأساسية كالنفط الذي شهد تقلبا في الأسعار في السنوات الأخيرة العديد من المعضلات والفرص للحكومة السعودية وإدارة سياستها المالية.

"
السعودية نجحت في تنويع قاعدتها الاقتصادية بشكل ملحوظ إلا أن اقتصادها لا يزال في الحقيقة يعتمد بشكل شبه كلي على منتجات الدولة من النفط الخام والمكرر وغيرها من المنتجات البتروكيماوية
"
ويضيف أن سلسلة العجز المالي في الميزانية التي اتسمت بها فترة الثمانينيات والتسعينيات أدت إلى حاجة الحكومة للاقتراض. لكن عام 2007 مثل نقطة تحول. فقد شهد هذا العام تجاوز صافي الفائض المالي التراكمي الدين الحكومي.

ويشير الحوشان إلى أن مجموع الفوائض يصل إلى أكثر من 900 مليار ريال. وتقوم الحكومة السعودية باستثمار أموالها عن طريق إيداعها في حسابات مختلفة لدى مؤسسة النقد السعودي. وبلغ إجمالي الأصول المالية للمؤسسة اعتبارا من نهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2008 أكثر من 1.7 تريليون ريال تم استثمار 68% منها في الأوراق المالية الأجنبية و23% في ودائع لدى البنوك في الخارج. وعند إضافة ذلك إلى الذهب والعملات الأجنبية القابلة للتحويل فإن الأصول المالية الأجنبية تصل نحو 98% من إجمالي أصول المؤسسة.  

صناديق الثروة السيادية
ويقول ماجد المنيف خبير النفط والمحافظ السعودي لدى أوبك في بحث آخر حول صناديق الثروة السيادية ودورها في إدارة الإيرادات النفطية إن الطفرات النفطية الثلاث التي مرت بها دول الخليج العربية صاحبتها ظواهر وقضايا ذات أبعاد عالمية مرتبطة بشكل أو بآخر بأشكال التصرف بالعوائد النفطية للدول فرادى أو مجتمعة.

ويشير الباحث إلى وجود أوجه تشابه واختلاف بين الطفرتين النفطيتين الأولى والثانية (1973 و1982) من جهة والطفرة الثالثة (2007–2008) من جهة أخرى سواء من حيث مقدماتها ونتائجها أو حالة السوق النفطية التي أفرزتها، أو حجم وحالة الاقتصاد العالمي لكل منها، أو مقارنة عوائدها بأحجام اقتصاديات الدول التي شهدت تلك الطفرات، أو من حيث طرق إدارة العوائد في كل منها.

ويخلص المنيف إلى موضوع ما أصبح يعرف بصناديق الثروة السيادية للبلدان النفطية المرتبطة بحد كبير بموضوع أهم وهو إدارة المالية العامة لتلك البلدان.

ولمواجهة معضلة الاستعداد لعصر ما بعد نضوب النفط سواء نضوبا طبيعيا أو انحسار دوره بسبب التطور التقني للمصادر البديلة اختارت بعض البلدان النفطية ومنها بعض بلدان الخليج العربية وسيلة إنشاء صناديق للعدالة بين الأجيال بمسميات وقواعد مختلفة كصندوق احتياطي الأجيال القادمة في الكويت أو صندوق الاحتياط الحكومي في عمان وقطر وهيئة أبوظبي للاستثمار، وذلك بادخار جزء من الإيرادات النفطية الآتية وتنميته بالاستثمار الداخلي أو الخارجي ليشكل دخلا بديلا للنفط بعد نضوبه في الأجل الطويل.

الآثار الاقتصادية والاجتماعية
وفي بحث حول الآثار الاقتصادية والاجتماعية للطفرة الثالثة على دول مجلس التعاون يقول عبد الرزاق فارس الفارس الخبير الاقتصادي بمركز دراسات الوحدة العربية إن الدول الغربية ومؤسسات الاستثمار والتمويل الدولية تتجه إلى المبالغة في تقدير احتياطيات دول الخليج العربية لأغراض شتى. وقد بلغت بعض التقديرات الحديثة قبل الأزمة المالية في سبتمبر/أيلول من العام الماضي ما يقارب 1250 مليار دولار.

"
التهويل في حجم الاحتياطيات يستخدم من قبل الدول الغربية والمؤسسات المالية العالمية لزيادة مطالبها للبلدان ذات الفائض أحيانا بحجة ضرورة زيادة مساهمتها في حل المشاكل العالمية كالتي نشهدها حاليا
"
ويضيف في بحث أن هذا التهويل في حجم الاحتياطيات يستخدم من قبل الدول الغربية والمؤسسات المالية العالمية لزيادة مطالبها للبلدان ذات الفائض أحيانا بحجة ضرورة زيادة مساهمتها في حل المشاكل العالمية كالتي نشهدها حاليا أو زيادة مساهمتها في تمويل المؤسسات الدولية التي تقوم بإقراض دول أخرى بشروط تحددها الدول الكبرى.

وللوصول إلى تقديرات أكثر واقعية لهذه الاحتياطيات فقد تم تقدير الفائض المالي لأربعة بلدان خليجية من خلال احتساب الفرق بين الإيرادات والاحتياطيات المالية لكل من السعودية والإمارات والكويت وقطر مجتمعة خلال الفترة من 1975 إلى 2007 فبلغت 316.5 مليار دولار. وإذا افترضنا أن هذه الأصول قد ولدت عائدات تراكمية يبلغ متوسطها 5% سنويا فإن هذا يعني أن الأصول المالية لبلدان الخليج الأربعة ينبغي ألا تقل عن 487 مليار دولار حتى نهاية 2007. وهذا الرقم يقترب من الحد الأدنى الذي توصلت إليه دراسة قام بها أحد العاملين في صندوق النقد الدولي فقدرها بـ495 مليار دولار.

مدن البترودولار
ويقول الدكتور مشاري عبد الله النعيم رئيس قسم العمارة بجامعة الملك فيصل إن الثقافة "البترودولارية" دفعت مدن المنطقة إلى البناء كيفما اتفق وربما دون حاجة أو لحاجة وهمية ومفتعلة نتجت من استيراد السكان لبناء مدن ليست بحاجة إلى المبالغة في البناء بقدر ما كانت بحاجة إلى ترشيد في التنمية والتركيز على التنمية البشرية أكثر من أي شيء آخر.

ويضيف أن الرغبة في وجود "مدينة حديثة ومتحولة" هي التي صنعت هذه المدن البترودولارية وليست الحاجة الفعلية إلى وجود هذه المدن. لذلك أصبح من الضروري أن تستمر في النهج نفسه وفي المغامرة نفسها لأنها كانت مغامرة "الحاكم" وليس المتأثرين بهذه المغامرة الذين يعيشون آثارها يوميا وهم سكانها.

"
المدن الناهضة في الخليج تفتقر إلى الكثير من المعطيات التي تجعلها فعلا مدنا كونية ومن هذه المعطيات الإشكالية الديمغرافية والافتقار إلى مؤسسات واضحة تدير المدينة خصوصا فيما يتعلق بآلية اتخاذ القرار العمراني وأسلوب القضاء وحفظ الحقوق
"

ويقول النعيم إن المدن الناهضة في الخليج تفتقر إلى الكثير من المعطيات التي تجعلها فعلا مدنا كونية ومن هذه المعطيات الإشكالية الديمغرافية والافتقار إلى مؤسسات واضحة تدير المدينة خصوصا فيما يتعلق بآلية اتخاذ القرار العمراني وأسلوب القضاء وحفظ الحقوق.

ويضيف أنه يمكن تصور حجم تأثير الأزمة المالية الحالية في مدن الخليج. فإذا تصورنا أن القيمة العقارية للمشاريع العملاقة التي تم تنفيذها في هذه المدن قد انهارت (وهي مؤهلة لذلك فقد تراجعت قيمة العقارات في دبي مذ بداية الأزمة بـ20 إلى 30%) فإن الخسائر الاقتصادية ستكون كارثية خصوصا أن مدينة مثل دبي تقوم على قاعدة اقتصادية أساسها الاستثمار العقاري وهي قاعدة سوف تدفع الحكومات فاتورتها الكبيرة. وهذه الحال سوف تتكرر في كل المدن "المتضخمة" خارج حدودها المنطقية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك