عرض/عبد الحافظ الصاوي

أتى العدد السابع من تقرير الاتجاهات الاقتصادية الإستراتيجية، حاملاً لعنوان "الأزمة المالية والاقتصادية، الأميركية والعالمية" وقد تناول القضايا الآتية:

أولاً: القضايا العالمية
تضمن هذا المحور قضايا أربع هي:

أ. نهاية النظام الرأسمالي المنفلت: يذهب التقرير إلى أن غياب نظام اقتصادي آخر غير الرأسمالية هو الذي ساعد على وجود الأزمة. أما في إطار منظومة القيم الرأسمالية التي أنتجت الأزمة، فيذكرها التقرير في الأتي:

* الحرية المنفلتة من الضوابط وغياب دور الدولة في الرقابة على أداء المؤسسات المالية والاقتصادية، مما نتج عنه معدلات عالية من الفساد في أداء هذه المؤسسات.

-الكتاب: تقرير الاتجاهات الاقتصادية الإستراتيجية 2009
- المؤلف: مجموعة باحثين
- عدد الصفحات: 320
-
الناشر: مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية, القاهرة
-
الطبعة: الأولى/يناير2010

*
 ثقافة "الربح بدون عمل" وما صاحبها من عمليات غسيل أموال، وشيوع اقتصاد الجريمة من اتجار في المخدرات والقمار والدعارة وغيرها.

* كان لسلوك الاستحواذات من قبل القوى الرأسمالية، الدور الرئيسي في تأجج مشكلات الطاقة والاندفاع للحروب، من أجل السيطرة على المقدرات الاقتصادية وإداراتها.

* غياب قيمة العدالة الاجتماعية في ظل سيطرة اقتصاديات العولمة، وما نتج عن ذلك من تأثير كبير على الطلب الفعال، حيث أعفي الأغنياء من دفع جزء من التزاماتهم الضريبية.

أما عن الأسباب التي أدت لوقوع الأزمة فيذكر التقرير منها: سوء الإدارة الاقتصادية لإدارة بوش الابن من تخفيض لسعر الفائدة في ظل ارتفاع معدلات للتضخم وصلت إلى نحو 5.4%، بينما كان سعر الفائدة لا يزيد عن 2.4% في أحسن حالاته، وهو ما يعنى إهدار قيمة مدخرات الطبقة الوسطى بالمجتمع الأميركي.

كما أساءت الإدارة الأميركية استعمال الدولار كعملة دولية، ففي الوقت الذي كان فيه معدل نمو الناتج المحلي العالمي في عامي 2005 و2006 نحو 2.9% و2.8% على التوالي، كانت نسبة نمو النقود في أميركا 9.1% و9.7%.

وأيضاً سوء أداء الاقتصاد الأميركي وتراجع معظم مؤشراته، فقد بلغ العجز التجاري نهاية عام 2008 نحو 851 مليار دولار، ووصل معدل البطالة لنحو 5.8% في نفس التاريخ، وبلغت المديونية الأميركية في نهاية عام 2007 نحو 13.8 تريليون دولار. كما تناول التقرير ملامح ووقائع الأزمة وكيفية التعامل معها، مركزاً على أعمال قمة العشرين، راصداً أهم نتائجها في عودة الاعتبار لدور الدولة في الاقتصاد.

ب- الصناديق السيادية.. المحاذير الدولية والفرص الإقليمية
يذكر التقرير أن عدد هذه الصناديق يتراوح بين 48 و54 صندوقاً، ويصل إجمالي أرصدتها إلى نحو ثلاثة تريليونات دولار، كان نصيب الصناديق العربية منها نحو 14 صندوق بحجم أموال قدر بـ1.4 تريليون دولار، وقد زاد انتشار الصناديق السيادية عالمياً منذ عام 2005، إلا أنها أثارت مخاوف العديد من السياسيين والمؤسسات في الغرب وأميركا، وذكر التقرير هذه المخاوف فيما يلي:

* مخاوف تتعلق بالأمن القومي. 
* كون هذه الصناديق مملوكة للدولة يعيد دور "الدولة الرأسمالية" وهو مخالف لما هو سائد في العالم الغربي من رأسمالية الأفراد والمؤسسات.
* أن تستخدم هذه الصناديق كورقة ضغط على الغرب من قبل أصحابها، في ظل مطالبة الغرب للدول صاحبة هذه الصناديق بإتباع نظم ديمقراطية.

"
بإمكان الصناديق السيادية أن تستثمر أموالها في الأنشطة المتعلقة بالبنية الأساسية العربية، وبذلك يتحرك مشروع العمل العربي المشترك، بعد أن ظل يراوح مكانه منذ منتصف القرن العشرين
"
*
 أن هذه الصناديق سوف تولد نوعية جديدة من المديرين الذين قد يخضعون أنشطة هذه الصناديق لقواعد الشريعة الإسلامية.
* أن يكون لهذه الصناديق دوراً سياسياً في ظل استمرار الصراع العربي الإسرائيلي، بدليل وجود عدد من الدول العربية ما زالت تصر على مقاطعة إسرائيل.

إلا أن التقرير يتناول في خاتمة هذا المحور أهمية الدور الإقليمي لهذه الصناديق، وأن مجالات البنية الأساسية في الدول العربية تعاني من نقص شديد، وبإمكان هذه الصناديق أن تستثمر أموالها في الأنشطة المتعلقة بالبنية الأساسية العربية، وبذلك يتحرك مشروع العمل العربي المشترك، بعد أن ظل يراوح مكانه منذ منتصف القرن العشرين.

ج – دور المؤسسات المالية في الاقتصاد العالمي وفي أزمته الراهنة
يشير التقرير إلى أن القروض المحلية الممنوحة من خلال الجهاز المصرفي قد بغلت نحو 187.9% من حجم الناتج العالمي في عام 2006، كما بلغت التجارة السلعية في عام 2008 نحو 15875 مليار دولار بعد أن كانت 5629 مليار دولار في عام 1999، أما تجارة الخدمات في عام 2008 نحو 3819 مليار دولار بعد أن كانت 1463 مليار دولار في عام 1999.

ويبين التقرير أيضاً نشأة وتطور دور كل من الصندوق والبنك الدوليين في الاقتصاد العالمي. ويرصد بداية الانحراف المؤسسي بهاتين المؤسستين منذ عام 1995 مع أزمة المكسيك، وأيضاً خلال الأزمة الآسيوية، حيث تأثرت معالجة البنك والصندوق الدوليين لهاتين الأزمتين، بالتوظيف السياسي الأميركي، وكذلك مدى إذعان هذه الدول لـ(روشتة) الوصفة الاقتصادية لهاتين المؤسستين.

فقد دفعت أميركا صندوق النقد للدعم الكامل للمكسيك، وبمبالغ كبيرة في عام 1995 بسبب المصالح السياسية والاقتصادية التي تربط المكسيك بأميركا، بينما حجب هذا الدعم بالكامل عن ماليزيا، لغياب الدعم الأميركي ورفض ماليزيا روشتة الصندوق، ويبين التقرير أن أهم توصيات قمة العشرين والمتعلقة بإصلاح الصندوق والبنك الدوليين تم التعامل معهما بانتقائية شديدة من قبل هاتين المؤسستين، على الرغم من المطالبات العديدة من قبل معظم دول العالم بمراجعة الأسس النظرية والفكرية التي تم الاعتماد عليها، وأدت إلى تدهور اقتصادات الدول النامية قبل وبعد الأزمة المالية العالمية.

د – ماذا فعل اليسار باقتصادات أميركا اللاتينية
يذهب التقرير إلى إيجابية تجربة اليسار في أميركا اللاتينية، منذ تولي اليسار مقاليد السلطة مع مجيء شافيز في فنزويلا، ويدلل التقرير على هذه الإيجابية من خلال المؤشرات الاقتصادية الكلية، مثل: ارتفاع حجم الناتج المحلي الإجمالي لهذه الدول في عام 2006 لنحو 2.6 تريليون دولار، بعد أن كان في حدود 1.6 تريليون دولار في عام 1995.

كما أن التجربة اعتمدت على التنمية الذاتية، والانفتاح على الاقتصاد العالمي ولكن وفق أجندة إقليمية ووطنية، أُحسن من خلالها توظيف العلاقات الاقتصادية الخارجية والاستثمارات الأجنبية، وأدى ذلك إلى تحسن متوسط نصيب الفرد من الدخل، وانخفاض معدلات الفقر، ومحاربة البطالة، ويرى التقرير أن هذه التجربة تصلح لعولمة جديدة بين الفقراء، يصفها بأنها عولمة أكثر إنسانية وأكثر عدالة.

ثانياً: القضايا الإقليمية

"
استطاعت قمة الكويت الاقتصادية أن تضع أجندة متكاملة لإمكانيات واحتياجات الاقتصاد العربي، كما استطاعت أن تُقدم المشروع الاقتصادي على النزعة والخلاف السياسي الذي سيطر على القمم العربية السابقة
"
أ - الأداء الاقتصادي العربي وتطور العلاقات البينية: يشير التقرير إلى أن الناتج المحلي الإجمالي العربي وصل في نهاية عام 2008 لـ1.9 تريليون دولار، وأن الدول النفطية تشكل 75% من هذا الناتج، وأن متوسط دخل الفرد في العالم العربي ارتفع في نفس العام إلى 5637 دولارا مقارنة بنحو 4661 دولارا في عام 2007.

كما بلغت الإيرادات النفطية في عام 2007 نحو 370.4 مليار دولار. وبلغ حجم التجارة البينية العربية نسبة 12.5% من حجم تجارتها مع العالم في عام 2008، وما زالت البطالة تشكل تحدياً صعباً للاقتصادات العربية إذ بلغ معدلها 16%، وتزداد حدتها بين فئة العمر الشبابية لتصل لنحو 53% في هذه الفئة العمرية.

ويقيم التقرير القمة الاقتصادية العربية الأولى (الكويت يناير/كانون الثاني 2009)، على أنها استطاعت أن تضع أجندة متكاملة لإمكانيات واحتياجات الاقتصاد العربي، كما استطاعت أن تُقدم المشروع الاقتصادي على النزعة والخلاف السياسي الذي سيطر على القمم العربية السابقة، إلا أنه نبه إلى انتظار المواطن العربي لأن يرى هذه المشروعات والبرامج التي أعلنتها القمة على أرض الواقع.

ب – تصحيح العلاقات البترولية العربية الأميركية
يبين التقرير عبر السرد التاريخي حجم الظلم البين الذي تعرضت له الدول العربية المنتجة للبترول، ومسيرة التطورات التي شهدتها عملية الإنتاج والبيع في سوق البترول، وكيف استخدم الغرب وأميركا الشركات البترولية في ابتزاز الدول البترولية، وأن حرب أكتوبر كانت نقطة فاصلة في وجود أسعار شبه عادلة للبترول، إلا أن الدول الغربية استطاعت أن تحول سوق البترول بعد حرب أكتوبر إلى سوق للمستهلكين، وأن السياسات الغربية تعمل على ارتفاع معدل النضوب لهذه الثروة البترولية، واستخدمت إسرائيل كشرطي لها خلال الفترة الماضية لتأمين تدفق البترول العربي، فضلاً عن وجود القواعد العسكرية الأميركية في الدول البترولية، من أجل تأمين إمدادات بترولية رخيصة.

ويختتم التقرير هذا المحور برسالة لإدارة أوباما لتغيير سياساتها السابقة التي اتبعت في عهد بوش الابن تجاه البترول العربي، على أن تكون حرية التجارة متاحة للبترول العربي كما هي متاحة للسلع الصناعية الغربية والأميركية، ورحيل القواعد العسكرية الأميركية، والكف عن استخدام إسرائيل كشرطي المنطقة، والسماح بأن تكون الاستخدامات النبيلة هي الدافع لاستخدامات البترول، وأن يكون هناك سعر عادل لسلعة اقتصادية قابلة للنضوب.

ج – المعونات الأميركية للدول العربية
تناول التقرير تقديم المعونات الأميركية لعدد من الدول العربية منها مصر والأردن والمغرب والعراق، مركزاً على أنها في جميعها ترتبط بالمصالح السياسة الأميركية، وقارن التقرير بين ما يقدم للدول العربية وإسرائيل، مبيناً ارتفاع حجم المعونات لصالح إسرائيل على الرغم من أن المصالح الأميركية المتحققة مع الدول العربية لا تقارن على الإطلاق مع المصالح المتواضعة مع إسرائيل. ويتوقع التقرير تراجع المعونات الأميركية للدول العربية خلال الفترة القادمة.

ثالثاً: الاقتصاد المصري
ذكر التقرير معدلات النمو التي حققها الاقتصاد المصري على مدار السنوات الماضية (2005/2006 – 2008/2009) مبيناً أنها 6.9% و7.1% و7.2 % و4.8% على التوالي، حسب البيانات الرسمية، إلا أن التقرير يشكك في صحة هذه البيانات بناء على أسس علمية تُقدر هذا النمو بما لا يزيد عن 3%.

"
هناك العديد من المؤشرات والسياسات الاقتصادية التي تعكس انحياز الدولة في مصر للأغنياء على حساب الفقراء، وأن الموازنة تتبنى سياسات انكماشية بينما الأزمة المالية العالمية تتطلب سياسة توسعية
"
ويذهب التقرير إلى أن هناك العديد من المؤشرات والسياسات الاقتصادية التي تعكس انحياز الدولة للأغنياء على حساب الفقراء، فالبطالة ما زالت عند معدل 9.4%، وأن الفقراء والطبقة المتوسطة هما ممولو الموازنة، وأن الموازنة تتبنى سياسات انكماشية بينما الأزمة المالية العالمية تتطلب سياسة توسعية.

كما يطالب التقرير بتبني سياسة للأجور تستهدف تحسين أجور العاملين دون حدوث تضخم، من خلال مجموعة من المقترحات تستهدف الاستفادة من الموارد العامة وتحصيل الضرائب من الأغنياء، كما أن مدفوعات فوائد الدين العام بلغت 71.1 مليار جنيه في حين كانت 30.7 مليار جنيه في عام 2003/2004 ، وبذلك فهي مصدر مهم لتفاقم معدلات التضخم.

كما تناول التقرير قضايا الغذاء والركود وأثرهما على السياسات الزراعية المصرية، مبيناً انخفاض أداء هذه السياسات.

وسرد التقرير مجموعة من القضايا الاقتصادية المصرية الأخرى ذات الأبعاد الإستراتيجية، وهي: الصكوك العامة، وقانون منع الاحتكار، وتصدير الغاز المصري لإسرائيل، وقد انتقد التقرير مجمل أداء السياسات الحكومية تجاه هذه القضايا.

المصدر : الجزيرة

التعليقات