عرض/حسين عبد العزيز
لماذا لم تقم ثرواتنا الطبيعية وعلى رأسها النفط بدور فعال في تحقيق التنمية الشاملة في الوطن العربي، وفي تأمين التقدم الحضاري، والقضاء على مظاهر الفقر والتخلف؟

يجيب الكاتب على هذه الأسئلة عبر فصول الكتاب الأربعة، حيث عرض في الفصلين الأول والثاني المعلومات الأساسية عن النفط العربي: خصائصه واحتياطه وإنتاجه، وصادراته وعائداته، والإطار القانوني لاستثماره وتطويره.

أما الفصل الثالث فقد تضمن الدور السياسي للنفط العربي، مع وضع تصور معين للأسلوب الذي يمكن به تفعيل الدور السياسي للنفط العربي في المستقبل.

ويتناول الفصل الرابع الدور الاقتصادي للثروة النفطية العربية، في تركيز مهم على العلاقة بين النفط والتنمية.

أهمية النفط العربي ومكانته

-الكتاب: الثروة النفطية ودورها العربي (الدور السياسي والاقتصادي للنفط العربي)
-المؤلف: الدكتور عاطف سليمان
-عدد الصفحات: 256
-الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت
-الطبعة: الأولى/أكتوبر 2009
يتميز النفط العربي بعدة ميزات بارزة، أهمها سهولة العثور عليه، وقلة تكاليف إنتاجه وتطويره، ووفرة إنتاج آباره، وموقعه الإستراتيجي بين الشرق والغرب.

ونظرا إلى أن الحقول النفطية الرئيسية تقع في المناطق البرية القريبة من المياه العميقة، أي القريبة من موانئ التصدير، فإن تكاليف إنتاج النفط العربي أرخص بكثير من تكاليف إنتاج النفط في المناطق الأخرى من العالم.

وبحسب إحصاءات منظمة الأقطار العربية المصدرة للنفط (أوابك) فإن إجمالي الاحتياطي النفطي العربي في نهاية عام 2006 بلغ 669،6 مليار برميل.

وحيث إن وكالة الطاقة الدولية قدرت مجموع الصادرات العالمية من النفط لعام 2006 بنحو 52 مليون برميل يوميا، فإن نسبة الصادرات النفطية العربية إلى الصادرات العالمية تصل إلى نحو 38%.

ويؤكد المؤلف أن البلدان العربية حققت خلال عام 2006 مستوى قياسيا في قيمة صادرات النفط، حيث بلغت أكثر من 393 مليار دولار بزيادة نحو 76 مليار دولار عن العام الذي سبقه.

وأفاد تقرير لمكتب الشال الكويتي للاستثمارات الاقتصادية أن دول مجلس التعاون الخليجي ستحقق خلال عامي 2008 و2009 نحو 1300 مليار دولار من العائدات النفطية.

ويؤكد المؤلف استنادا إلى تقارير دولية أن أهمية النفط ستتزايد خلال السنوات العشرين المقبلة، لكنه يطرح تساؤلا على غاية من الأهمية، وهو ما موقع النفط العربي في المستقبل؟

ومع أن المؤلف يذكر تحديين اثنين سيواجهان الإنتاج النفطي العربي، وهما زيادة استخدام بدائل أخرى للطاقة، كالفحم والوقود الحيوي، ودخول منتجين آخرين للنفط من خارج المنطقة العربية، فإنه يؤكد أن الطلب على النفط سيتزايد ولاسيما النفط العربي.

الإطار القانوني لاستثمار النفط العربي
خضع استغلال المصادر النفطية في البلدان المنتجة للنفط في الشرق الأوسط منذ بداية مرحلة التنقيب عن النفط في فترة ما بين الحربين العالميتين لهيمنة الشركات النفطية الغربية طبقا لنظام اتفاقيات الامتياز التقليدية.

ويرى المؤلف من خلال دراسة تاريخ هذه الامتيازات أن الاتفاقيات كانت تمنح لفترات طويلة وبشكل مفرط، كما أنها كانت تغطي مساحات كبيرة من البلد المضيف، وأحيانا جميع أراضي هذه البلدان.

"
هيمنة الشركات النفطية الغربية على النفط العربي طبقا لنظام اتفاقيات الامتياز التقليدية بدأت تتغير في خمسينيات وستينيات القرن المنصرم، إلى أن انهار نظام الامتياز في سبعينيات القرن ذاته، لتسيطر حكومات البلدان المنتجة للنفط على صناعة النفط
"
فقد كانت الاتفاقيات تنص على دفع ريع منخفض للبلد المضيف، وكانت الشركات النفطية تستبعد البلد المضيف من أي مشاركة في عملية اتخاذ القرارات، وبموجب نظام الامتيازات هذا كانت الصناعة النفطية تعمل كجيب اقتصادي أجنبي بالكامل.

لكن هذا الوضع بدأ يتغير في خمسينيات وستينيات القرن المنصرم، إلى أن انهار نظام الامتياز في سبعينيات القرن ذاته، لتسيطر حكومات البلدان المنتجة للنفط على صناعة النفط، ومن أهم العوامل التي أدت إلى هذا التغيير بحسب مؤلف الكتاب:

- قرارات الأمم المتحدة حول مبدأ السيادة الدائمة على الثروات الطبيعية.
- تأسيس منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) عام 1960 التي هدفت إلى الدفاع عن مصالح البلدان المنتجة للنفط.
- تأسيس شركات النفط الوطنية في البلدان المنتجة للنفط.
- تأميم الصناعة النفطية في بعض هذه البلدان.
- دخول شركات نفطية من خارج نادي الشركات النفطية الكبرى.
- قيام بعض البلدان المنتجة بتحقيق السيطرة الكاملة على الامتيازات النفطية.

ويؤكد المؤلف أن هذه التطورات أدت إلى سيطرة الدول المصدرة على صناعة النفط، حيث أصبحت هذه الدول تتخذ القرار في تحديد الإنتاج والأسعار.

الدور السياسي للنفط العربي
يستعرض المؤلف في هذا الفصل تاريخ الإجراءات النفطية التي تم اللجوء إليها في بعض المناسبات، إذ يقول إن الحديث عن استخدام سلاح النفط العربي ضد الصهيونية قد أثير عام 1947 ومن ثم عام 1956، إلا أن أول استخدام لسلاح النفط كان مع حرب عام 1973.

في هذا التاريخ قررت البلدان العربية المنتجة للنفط في الكويت تخفيض إنتاج النفط وصادراته بنسبة تتراوح بين 10% و25%، وفرض حظر على تصدير النفط العربي إلى الولايات المتحدة لوقوفها إلى جانب إسرائيل.

ومع أن هذا الإجراء في رأي المؤلف لم يحقق الهدف الرئيسي الذي أعلنه وزراء النفط في الكويت المتمثل في خفض الإنتاج حتى انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، فإنه حقق أهدافا أخرى ذات أهمية كبيرة:

- لفت أنظار العالم إلى القضية العربية.
- الإجراءات أفهمت البلدان المستهلكة للنفط أن تتعامل مباشرة مع الدول المنتجة للنفط.
- زيادة أسعار النفط، وازدياد المردود المالي.
- الضغط على دول أوروبا الغربية واليابان باعتبارها أهم الدول المستهلكة للنفط للضغط على حليفتها الولايات المتحدة لممارسة الضغوط على إسرائيل.
- الإجراء كان له مدلول سياسي كبير، إذ يمثل التضامن العربي الكامل.

"
مع أن استخدام سلاح النفط عام 1973 لم يحقق الهدف الرئيسي الذي أعلنه وزراء النفط في الكويت المتمثل بخفض الإنتاج حتى انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، فإنه حقق أهدافا أخرى ذات أهمية كبيرة
"
لكن مؤلف الكتاب يؤكد أن إجراء عام 1973 لن يحقق أي نتائج مرجوة إذا ما فكرت الدول العربية في المستقبل في استخدام سلاح النفط في خدمة قضاياها القومية، ولذلك يدعو المؤلف الدول العربية في حال قررت استخدام مواردها الاقتصادية والسياسية للدفاع عن مصالحها إلى اتباع الإجراءات الآتية:

- حظر النفط على الولايات المتحدة لمدة تتجاوز بكثير الأشهر الستة التي خفض فيها الإنتاج عام 1973.
- السحب التدريجي للأرصدة المالية العربية من الأسواق الأميركية.
- وقف استيراد السلاح والسلع والخدمات من الولايات المتحدة.
- التخفيف من غلواء مجتمع الاستهلاك المفرط، والتوعية المكثفة بمساوئ الاستهلاك الترفي، وما يحمله من تبذير للموارد الوطنية.
- تكثيف العمل العربي المشترك من جميع الجوانب، وبيان أهميته للمواطن العربي.
- توفير قدر معقول من الأمن الغذائي للوطن العربي، الذي يستورد معظم احتياجاته الغذائية من الولايات المتحدة والدول الأوروبية.

الدور الاقتصادي للثروة النفطية العربية
يطرح المؤلف في هذا الفصل سؤالا يتعلق بماهية أو طبيعة الدور الاقتصادي للنفط العربي، أو أي دور يمكن أن تؤديه الثروة النفطية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

ويجيب المؤلف عن هذا السؤال في مبحثين:
1- النفط والتنمية في البلدان المنتجة: مع توفر العائدات النفطية الضخمة، انطلقت جهود التنمية بخطى سريعة، حيث خصصت ميزانية كبيرة للإنماء في البلدان المنتجة للنفط، فكانت البرامج الطموحة لبناء الطرق والمدارس والمستشفيات والمولدات الكهربائية والمساكن، وسواها من عناصر البنى الهيكلية الاقتصادية والاجتماعية.

لقد حققت البلدان المنتجة للنفط إنجازات إنمائية واضحة، لكن ذلك لا يعني بحسب المؤلف أن هنالك تنمية حقيقية، فلا يزال اقتصاد هذه الدول يعتمد بشكل مباشر على إنتاج النفط الخام وتصديره، ويعتمد مطلقا على التجارة الخارجية.

"
مع توفر العائدات النفطية الضخمة، انطلقت جهود التنمية بخطى سريعة، حيث خصصت ميزانية كبيرة للإنماء في البلدان المنتجة للنفط، فكانت البرامج الطموحة لبناء البنى الهيكلية الاقتصادية والاجتماعية
"
فالتغيرات الاقتصادية والاجتماعية في هذه الدول لم تؤد إلى إيجاد بناء إنتاجي قادر على دعم عملية التنمية واستمرارها، فهذه التغيرات لم تؤد إلى بناء الهيكل الإنتاجي المادي والبشري، القادر على توليد طاقة إنتاجية مدعمة ذاتيا، وقادرة على تحقيق زيادة منتظمة في متوسط الدخل الحقيقي للفرد في المدى المنظور.

بعبارة أخرى، إن العائدات النفطية لم تخدم غرضها كأداة لاكتساب المجتمع النفطي للقدرة التكنولوجية التي هي شرط أساسي لقيام تنمية حقيقية.

ولا يكتفي المؤلف بذلك، بل يعرض للآثار السلبية التي نتجت عن مجتمع الاستهلاك، فالاستهلاك الكبير بنوعيه الخاص والعام، أدى إلى تغير في القيم والعلاقات والبنى الاجتماعية والاعتبارات الأخلاقية، فالانفصال الصارخ بين المجهود والمردود لدى فئات من مواطني هذه الدول، أضر كثيرا بخلقية العمل وانضباطيته لدى قوى العمل الوطني، كما أن توافر الأموال الجديدة أدى إلى ضعف التحسس بالقطاعات غير النفطية، كالقطاع الزراعي.

2- الدور الاقتصادي للنفط العربي في التنمية العربية الشاملة: يؤكد المؤلف هنا على حتمية التعاون العربي في ميدان استثمار العائدات النفطية لبلداننا المنتجة، ويرى أن شروط التنمية لم تتيسر لبلد واحد من البلدان العربية، فالذين يملكون الطاقة البشرية تنقصهم الثروة الطبيعية والتمويل، والذين يملكون المال تنقصهم الموارد الطبيعية والطاقة البشرية.

ويقول المؤلف إن الطريقة المجدية الفعالة لاستثمار عائداتنا وتطوير بلداننا، تحتم قيام تعاون وتنسيق على مستوى الوطن العربي، ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى تحقيق مصالح مشتركة بين البلدان المنتجة وسائر الوطن العربي، سواء من الناحية الاقتصادية والمالية، أو من حيث الآثار السياسية أو القومية نتيجة قيام وطن عربي متقدم ومتطور.

ويعرض المؤلف لأقدم مظهر من مظاهر التكامل والتعاون بين مجموعة البلدان النفطية والبلدان غير النفطية، وهو الذي تمثلت في تدفقات الأيدي العاملة والسلع من البلدان غير النفطية إلى البلدان النفطية، والتدفقات المالية من البلدان النفطية إلى البلدان غير النفطية، وقد اتخذت حركة الأموال هذه أشكالا عدة:

"
الطريقة المجدية الفعالة لاستثمار عائداتنا وتطوير بلداننا، تحتم قيام تعاون وتنسيق على مستوى الوطن العربي، ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى تحقيق مصالح مشتركة بين البلدان المنتجة وسائر الوطن العربي
"
فهناك من ناحية أولى المساعدات الثنائية الحكومية التي يقدمها بلد نفطي لحكومة بلد غير نفطي، وهناك من ناحية ثانية الأموال التي تقدمها الصناديق الإنمائية العربية، كما أن هناك من ناحية ثالثة حركة المشاريع العربية المشتركة، والتي اعتبرها بعض الخبراء من أهم أدوات السياسة الاقتصادية العربية المشتركة المؤدية إلى تحقيق الأهداف التكاملية.

يبرز المؤلف هذه الأمثلة للدلالة على أهمية التعاون العربي المشترك، على الرغم من أنه لم يحقق التنمية الحقيقية، ولذلك يطالب الكتاب بضرورة اعتماد إستراتيجية تنطلق من أهداف محددة ومسجلة بوضوح، أهداف تنطلق من تصور واضح للصورة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المرغوب فيها للمستقبل العربي.

وفي إطار هذا النموذج الأمثل لتحقيق التنمية العربية الشاملة، يتحدث الكتاب عن عدة مجالات أساسية للعمل العربي المشترك يجب أن تحظى بالأهمية:
- التخطيط القومي للموارد البشرية.
- هيئة عليا للتنمية والتكامل الاقتصادي العربي، ومؤسسة مركزية للتمويل الإنمائي العربي.
- ضرورة إنشاء صناديق مالية عربية موحدة لتمويل الحاجات العربية الجماعية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك