عرض/زياد منى
قبل عرض هذا المؤلف الذي أثار ضجة كبيرة في المجالين اليهودي والصهيوني عندما صدر للمرة الأولى بـ"اللغة العبرية" عام 2006، من المهم التعريف بكاتبه أفراهام بورغ.

الكاتب
يقول الموقع الخاص بالكنيست الإسرائيلي إنه تسنم عدة مناصب: بين عامي 1985 و1988 كان مستشار شؤون الشتات لرئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيريز، وانتخب عام 1988 عضوًا في الكنيست عن حزب العمل حيث شغل منصب عضو في لجنة الشؤون الخارجية واللجنة المالية والمراقب المالي للدولة، وشغل بين عامي 1992 و1995 منصب رئيس لجنة الكنيست للتربية والثقافة.

-الكتاب: المحرقة انتهت؛ علينا النهوض من رمادها
-المؤلف: أفراهام بورغ
-ترجمه إلى الإنجليزية من العبرية: إسرائيل أرماني
-عدد الصفحات: 254
-الناشر: بلغريف مَكْمِلَن
-الطبعة: الأولى/2008
في عام 1995 عين رئيسًا للوكالة اليهودية والمنظمة الصهيونية العالمية. في عام 2001 خسر حملته لزعامة حزب العمل بعد استقالة إيهود باراك، لكنه حافظ على موقعه رئيسًا للكنيست حتى عام 2003.

بعد استقالة حاييم وايزمان عام 2001 خلفه في منصب رئاسة الدولة بصفته رئيس الكنيست. ترك الحياة السياسية الحزبية بعد خسارته انتخابات رئاسة حزب العمل وتفرغ منذ ذلك الحين للكتابة والمحاضرة.

والده يوسف بورغ ألماني يهودي من مواليد مدينة دريسدن السكسونية. هاجر إلى فلسطين عام 1939 وترأس بعد فترة الحزب الوطني الديني، وشغل عدة مناصب وزارية إضافة إلى عضوية الكنيست حتى عام 1990.

الكتاب
الفكرة العامة للكتاب تقوم على مقولة إن إسرائيل فقدت روحها وأصبحت مملكة من دون نبوة [كذا]، وأنه ثمة حاجة إلى إعادة النظر في بنيتها حتى تسترد روحها لتؤدي مهمتها الأبدية التي خلقت من أجلها!. وقد عرض المؤلف آراءه في 12 فصلاً تحمل عناوين دالة منها «المحرقة – الحاضرة دومًا»، «وباء المحرقة»، «دروس من المحرقة»، «يهودية جديدة».

وحتى يثبت الكاتب آراءه -التي تبدو مشكلة لدى كثيرين من الصهاينة، حيث عدها بعضهم خروجًا عن الصهيونية، ورأى آخرون أنها ما بعد الصهيونية، وقال طرف ثالث إنها «خروج من الغيتو الصهيوني»- ذهب بعيدًا في المصطلحات التي يستخدمها إلى درجة تصدم كثيرا من القراء الصهاينة والمؤيدين لإسرائيل.

لكن هل يمكن عد كتابه الذي دعا فيه ضمن أمور أخرى، إلى إلغاء العمل بقانون العودة، وإلى إزالة نصب المحرقة، خروجًا من الصهيونية، أم أنه أقرب إلى مراجعة الذات في وجه الأزمات المتتالية التي تهب على الدولة الصهيونية؟

"
إسرائيل لا تملك هذه الأيام دليلاً للحائرين, القيم صارت ضبابية، والتضامن يتلاشى، والطريق إلى السلام متعثر وسوداوي, أما خارجيًّا فإن إيران وغزة تشكلان تهديدين حقيقيين، وحقائق البنية السكانية تلوح في الأفق والنظام السياسي منهك
"
يقول بورغ عن كتابه: إنه شهادة عن أمراض إسرائيل واستجابة لصرخة طلب المساعدة. إسرائيل لا تملك هذه الأيام دليلاً للحائرين. القيم صارت ضبابية، والتضامن يتلاشى، والطريق إلى السلام متعثر وسوداوي. أما خارجيًّا فإن إيران وغزة تشكلان تهديدين حقيقيين، وحقائق البنية السكانية تلوح في الأفق. النظام السياسي منهك ولا يخضع للمناقشة الملحة عن الأسئلة التي تمس حياتنا والبحث عن إجابات جديدة.

ولم يتعجب من الرد عليه لأنه تأكد من أن إسرائيل لا تزال مجتمعًا شديد الصحة.. عمره أربعة آلاف عام!..  منفتحا.. عالما صغير ينعكس فيه العالم، بقدر ما هي تعبير عن العالم الأكبر، ولذا فإن الكتاب ليس فقط نقدا بناء لإسرائيل.

"نقد ذاتي" غير عادي
لابد من تأكيد أن الكتاب يحوي انتقادات لاذعة لممارسات إسرائيلية غير مسبوقة أدلى بها زعيم سياسي إسرائيلي، ومن ذلك قوله:

- سلاح الجو الإسرائيلي يقتل الأبرياء في غزة، في شطآنها وشوارعها، وفي قرى لبنان ومدنه.

- لابد من الاعتراف بأن إسرائيل الحالية وسياساتها تساهم في نمو كراهية اليهود.

- شعار «لا بديل عن استعمال القوة ضد أعداء إسرائيل» يعني بالضرورة أنها لا تفهم سوى لغة القوة.

- ما هو سيئ لليهود جيد للصهيونية.

- إسرائيل اليوم أمة انفصالية انعزالية.

- الأميركي اليهودي يصوت للحزب الديمقراطي ولذا فإنه مهتم اليوم بالقضايا المحلية أكثر من التفاته إلى الدعاية الإسرائيلية التي تطالبه بالتصويت للحزب الجمهوري.

- القادة الإسرائيليون لم يعترفوا بمسؤوليتنا عن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين.

- عندما نحرر العرب من تهمة النازية التي ألصقناها بهم سيكون من الأسهل علينا الحديث معهم وحل مشكلات وجود كلينا.

- "فلسطينيو إسرائيل" هم الآن في وضع مثيل لليهود في ألمانيا عشية سيطرة النازيين على السلطة، والمجتمع الإسرائيلي يشبه إلى حد مخيف المجتمع الألماني في تلك المرحلة.

"
"فلسطينيو إسرائيل" هم الآن في وضع مثيل لليهود في ألمانيا عشية سيطرة النازيين على السلطة، والمجتمع الإسرائيلي يشبه إلى حد مخيف المجتمع الألماني في تلك المرحلة
"
لابد من القول الآن إنه مع أننا اطلعنا على تصريحات "نقدية" كثيرة صادرة عن سياسيين صهاينة، فإن هذه هي المرة الأولى التي نقرأ فيها مثل هذه الأقوال. فلم يسبق أن اعترف أي مسؤول صهيوني بأن قيام دولته قاد بالضرورة إلى طرد الشعب الفلسطيني من وطنه.

صحيح أن أفراهام بورغ لم يعترف بذلك صراحة، لكن هذا ما يفهم من كلامه. فالقادة الصهاينة يصرون إلى الساعة على الادعاء بأن الفلسطينيين غادروا مدنهم وقراهم وأراضيهم طوعًا استجابة لنداء الحكومات العربية، ويصر آخرون على التمسك بادعاء أن الفلسطينيين باعوا بلادهم.

إشكاليات
ربما يكون من المفيد التذكير بأن المؤلف قد اختار عنوان «هتلر انتصر» لكتابه الذي صدر بالعبرية، لكنه قرر أن يستبدل به عنوانا آخر هو «إلحاق الهزيمة بهتلر».

ومع أن الكاتب يشكو من أن مجتمعه يعيش في المحرقة ولا يريد التخلص منها، وهو ما يؤخر تطوره إلى مجتمع متعدد، فإننا نرى أنه هو نفسه يعزو تأسيس الدولة الصهيونية إلى المحرقة.

لكن هذا مجانب للحقيقة التاريخية المثبتة. فالصهيونية لم تولد في أثناء الحرب العالمية الثانية، وليست نتاج قوانين نرمبرغ العنصرية، وإنما ظهرت قبل ذلك بزمن طويل، قبل ولادة مؤسسها المزعوم هرتزل، ولم تولد على يد مفكرين يهود، وإنما كانت نتاج الفكر القيامي الألفي الذي أنتجته الكنيسة البروتستانتية الذي عرف بالإحياء البرُتستنتي العظيم (The Great Evangelical Revival) ردًا على الثورة "في فرنسة الكاثوليكية" وما أنتجته من أفكار ثورية كادت تطيح بعروش ملوك أوروبا وأباطرتها وبالكنيسة نفسها بمختلف اتجاهاتها المذهبية.

"
من الإشكاليات التي تضمنها الكتاب أنه تجاهل الإرهاب الذي مارسته الصهيونية، في معظم الأحيان بالتواطؤ مع حكام عرب وخصوصًا "قرشيو" شرق الأردن والعراق، في إجبار العرب اليهود على مغادرة أوطانهم إلى فلسطين
"
من الإشكاليات الأخرى التي نراها في الكتاب تجاهل الإرهاب الذي مارسته الصهيونية، في معظم الأحيان بالتواطؤ مع حكام عرب وخصوصًا "قرشيو" شرق الأردن والعراق، في إجبار العرب اليهود على مغادرة أوطانهم إلى فلسطين، وهو دور اعترف به القادة الصهاينة أنفسهم.

وهذا يتناقض تمامًا مع الدموع التي يذرفها على «الفرصة الضائعة التي كان بإمكان يهود بلاد العرب (حرفيًا: The Jews of Arabia")!! اغتنامها في بناء جسور بين إسرائيل الجديدة والشرق الأوسط القديم.

في الحقيقة أن التعبيرات والمصطلحات التي يستخدمها الكاتب هنا تظهر عدم نقاء فكره تجاه الآخر. فهو يطلق على البلاد العربية مصطلح "Arabia". كما أنه يتجاهل حقيقة أن الصهاينة الغربيين مارسوا الدور الأساس في تجريد العرب اليهود من أصولهم وثقافتهم وزرعوا فيهم كراهية الذات، وبالتالي العرب، وقضوا على ثقافة عمرها مئات السنين لصالح "ثقافة" عنصرية كريهة أحضروها معهم من أوروبا.

ومن يبحث عن أمثلة على هذا الإرهاب الصهيوني الفكري والثقافي فليقرأ ما يكتبه العرب اليهود كسمادر ليفي وإيلا شوحط وطالي فحيمة ورحيلا مزراحي وسامي شطريت وعزرا أُحيون وغيرهم.

هذه الإشكاليات تضاف إلى "الخطيئة الأصلية" للكاتب وعدم تمكنه من الخروج من صهيونيته الدفينة ومن التعصب الديني. حيث نراه يتحدث عن "الأمة اليهودية" الأبدية، ونقرأ كلامه عن المهمة التاريخية لليهود وإسرائيل الدولة.

نقرأ حديثه المتواصل عن نكبة عام 1948 بوصفها حرب الاستقلال، هذا من دون أن يرف له جفن، ولا يتحدث عن المجازر التي ارتكبها الصهاينة والإنجليز، وأن مشروع تأسيس وطن قومي يهودي في فلسطين ما كان ليتم من دون السعي لإبادة الشعب الفلسطيني وإلحاق الظلم به.

"
الكاتب لم يتمكن من الخروج من صهيونيته الدفينة ومن التعصب الديني, نراه يتحدث عن "الأمة اليهودية" الأبدية، ونقرأ كلامه عن المهمة التاريخية لليهود وإسرائيل الدولة, ولم يستعمل كلمة فلسطين حتى قبل عام 1948
"
المقصود أن الكاتب لم يرد أن يرى أن "إسرائيل" مشروع استعماري قائم من أساسه على التطهير العرقي والطرد والإبادة.. إلخ، وهو ما صرح به آباء الصهيونية بصريح الكلام. لم يكن هناك من استقلال.. ما حصل في عام 1948 هو سرقة أرض الآخرين والسيطرة عليها بقوة السلاح عبر مختلف صنوف الإرهاب.

الكاتب لا يذكر أبدًا المجازر التي ارتكبتها المنظمات الصهيونية في فلسطين، لكنه يعود ويكرر الحديث عن "مجزرة الخليل" عام 1929.

أكثر من هذا، لم نقرأ أن الكاتب استعمل الاسم "فلسطين" في مؤلفه، حتى عندما كان يشير إليها قبل عام 1948.

إضافة إلى ذلك، قرأنا أن النسخة الإنجليزية تعرضت إلى مراقبة المؤلف حيث حذف منها مقاطع وردت في النص "العبري" الأصلي ومن ذلك «ورود احتمال قيام الحكومة الإسرائيلية بسن قوانين رديفة لقوانين نرمبرغ العنصرية الألمانية تحظر زواج العرب واليهود».

وعندما راجعنا المؤلف، عبر الناشر الإنجليزي، بهذا الخصوص، نفى حدوث حذف مقاطع مهمة وقال إن ما حذف من النسخة "العبرية" يتعلق بمسائل ثانوية لا تؤثر في رسالة الكتاب وأنه سيصدر قريبًا ترجمة عربية كاملة للكتاب.

لكن عندما أرسلنا له ما ذكرته صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، الصهيونية بامتياز دومًا، عبر وكيله وعد بالعودة إلى المسألة، ولكنه لم يفعل رغم مرور عدة أشهر على استفسارنا، وتذكيرنا إياه بوعده وبنفيه، مرات عديدة كان آخرها قبيل كتابة هذا العرض بأيام قليلة. هذه فقط بعض الإشكاليات في الكتاب، وهو حافل بها.

ملخص
رغم فهمنا لحالة الذهول التي أصابت كثيرا من الصهاينة عند صدور الكتاب، فإننا لم نتعجب من استمرار حياة المؤلف العادية في الدولة الصهيونية من دون أي مؤرقات، وهو ما أثار حيرة (غير مفهومة) لدى بعض من عرض محتوياته على الصحافة العالمية.

"
الكتاب مهم من ناحية إقراره، بقلم أحد القادة السياسيين الصهاينة ببعض حقائق الصراع على نحو جلي والظلم الذي ألحقه الإسرائيليون بفلسطين وأهلها وبالعرب كلهم، وهو أمر غير معهود من قبل
"
المؤلف لم يشر ولو مرة واحدة إلى قلقه مما يحدث للشعب الفلسطيني منذ ابتلائه هو ووطنه بالصهيونية. همّ الكاتب هو استمرارية المشروع الصهيوني وخلق ظروف أفضل له وليس رفع الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني. ومع أنه يدعو إلى إعادة النظر في نظرة الإسرائيليين إلى محيطهم، فإن ذلك ضمن مشروع إنقاذ المشروع الصهيوني وليس حبًّا لأهل فلسطين، وهو ما يجعله مختلفًا على نحو جوهري عن إيلان بابيه على سبيل المثال الذي اضطر إلى مغادرة الكيان الصهيوني بسبب ضغط محيطه الأكاديمي بعد قضائه ربع قرن في التدريس بجامعة حيفا.

كما افتقدنا أي إشارة إلى حال الفلسطينيين الذين تمكنوا من البقاء في وطنهم والعنصرية الكريهة التي تمارسها دولته بحقهم.

ومع ذلك فالكتاب مهم من ناحية إقراره، بقلم أحد القادة السياسيين الصهاينة ببعض حقائق الصراع على نحو جلي والظلم الذي ألحقه الإسرائيليون بفلسطين وأهلها وبالعرب كلهم، وهو أمر غير معهود من قبل.

سيكون من الخطأ عدم استخدام هذا المؤلف في صراعنا مع الأبواق الصهيونية، ومن أجل التحرر والانعتاق واستعادة الوطن المسلوب.

المصدر : الجزيرة

التعليقات