عرض/عوض الرجوب
يقتصر كتاب "الأعمال النثرية" للشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش على تجميع الأعمال النثرية وشيئا مما كتبه درويش من مقالات وخواطر ورسائل خلال عقود من القرن الماضي.

-الكتاب: الأعمال النثرية
-المؤلف: محمود درويش
-عدد الصفحات: 704
-الناشر: دار العودة, بيروت
-
الطبعة: الأولى/ 2009
ويظهر في الكتاب تمسك درويش بهويته العربية الفلسطينية، وتأكيده على أن الاحتلال مهما عمل لن يستطيع مسح الذاكرة الفلسطينية، إضافة إلى إشادته بالصمود والمقاومة العملية للاحتلال بوسائلها المختلفة. ويشعر القارئ في كثير من الكتابات التي دونت قبل عشرات السنين، أنها كتبت في الوقت الحاضر.

يتضمن الكتاب عددا كبيرا من الأعمال النثرية لمحمود درويش خلال حياته. وتتناول الكتابات في غالبيتها قضايا وأحداث ومواقف تتعلق بمناسبات اجتماعية وثقافية وسياسية مختلفة عايشها الكاتب.

لكن الأعمال النثرية تركز على الهم الفلسطيني في ظل الاحتلال بشكل عام، والعنصرية والتحديات التي يواجهها الفلسطينيون في الداخل وفشل محاولات "أسرلتهم" وتمسكهم بهويتهم الثقافية والعربية.

الهوية الغامضة
استهل الشاعر الفلسطيني، مجموعة أعماله النثرية بـ"حالة انتظار" في "يوميات الحزن العادي" حيث تحدث عن تجربة له في مطار فرنسي، وفي أحد شوارع صوفيا، تعكس الحالة التي يعيشها الفلسطينيون في الداخل (عرب48) ومحاولات مسح هويتهم.

يقول درويش عن تجربته في مطار بروجيه الفرنسي: مرة في مطار بروجيه الفرنسي، ومرة في أحد شوارع صوفيا، كان مصيرك يلحّ عليك بتحديده، وكانت هويتك، الغامضة على الورق الساطعة في القلب، تطالبك بتحقيق الانسجام بينهما. وكأنك تأتي دفعة واحدة من أول العمر إلى هذا السؤال: من أنت؟.

ويتابع: لم يكن في وسع البوليس الفرنسي أن يفهم شيئا لا يفهمه البوليس الإسرائيلي. تقول وثيقة السفر إنك غامض الجنسية، وسدىً تشرح لرجل الأمن الفرنسي معنى هذا الغموض. إذ لا يدفعه توضيحك إلا إلى استيعاب مزيد من الغموض الذي حدده زميله في تل أبيب. أين ولدت؟ في فلسطين. وأين تعيش؟ في إسرائيل. إذن أنت غامض.

وعن الطرف الآخر (الإسرائيليون) يقول: هؤلاء القادمون من الكتب القديمة لم يأخذوا وطنك فقط، ولكنهم أخذوا وسائل انتمائك إلى العالم أيضا. عندما حددوا مصائرهم هم كانوا يسقطون عن وجهك ملامح تعرّف العالم عليك.

دهاليز التناقض

"
وجود ما يقرب من مليوني عربي يتصفون بأعلى نسب تناسل في العالم، لا يجعل التطبيق الصهيوني على أرض فلسطين متجانسا مع التصور لمستقبل إسرائيل في المنطقة العربية
"
الغموض لا يتعلق بالإنسان الفلسطيني، بل يطال الوطن حسب درويش. حيث يقول: تعرف أنك فلسطيني، ولكن فلسطين غير قائمة في منظار العالم، وعندما تحاول الخروج إلى هذا العالم لا بد لك من المرور في دهليز التناقض الشرس أن تكون إسرائيليا، ولكن مكان الولادة والانتماء والرفض، تحولك إلى شبكة من الغموض والتناقض. إذن من أنت؟.

من الانتظار، ينتقل الكاتب إلى الجدل الدائر حول هوية الفلسطينيين المقيمين في إسرائيل. ويبين أن الحياة السياسية والفكرية الإسرائيلية لم تشهد طيلة السنوات السالفة إلحاحا مثل السؤال المطروح الآن حول هوية العرب الفلسطينيين المقيمين في إسرائيل ويحملون بطاقة هوية إسرائيلية.

ويتابع: صار السؤال حول هذه الهوية مؤرقا تحت ضغط القضية السكانية العربية التي واجهتها العقلية الإسرائيلية بعد احتلال عام 1967، والتي تتدخل في صورة مستقبل إسرائيل كما يتخيلها ويرسمها الإسرائيليون.

هنا يجزم درويش بأن "وجود ما يقرب من مليوني عربي يتصفون بأعلى نسب تناسل في العالم، لا يجعل التطبيق الصهيوني على أرض فلسطين متجانسا مع التصور لمستقبل إسرائيل في المنطقة العربية".

فشل التدجين
في إطار السؤال عن الهوية ينتقل الكاتب إلى مقاومة الاحتلال، ويقول إن مما يزيد من إلحاح طرح السؤال هو بوادر المقاومة العملية للوجود الصهيوني التي ظهرت، مؤخرا، بين العرب الفلسطينيين الذين تعتبرهم إسرائيل مواطنين إسرائيليين، وميل نتائج تلاقي هؤلاء المواطنين مع أبناء شعبهم من سكان المناطق المحتلة حديثا إلى الإحساس المعبر عنه بالمصير المشترك، وطريق العمل المشترك، مما دفع الإسرائيليين إلى الإعلان المشوب بخيبة الأمل عن فشل سياسة التدجين التي اتبعوها تجاه العرب في الداخل.

ينتقل الكاتب إلى الحديث عما سمي بإعادة النظر من قبل إسرائيل في الوجود الفلسطيني. ويقول: يلاحظ المراقب لأشكال "إعادة النظر" التي يمارسها المسؤولون الإسرائيليون، أن إسرائيل تقوم بعملية مزدوجة وجهها الأول: تزييف الحقائق حول الواقع العربي في الداخل بالادعاء بالتطور "المذهل" في جميع مستويات الحياة الذي يحظى به هؤلاء المواطنون.

أما الوجه الثاني للعملية الإسرائيلية فهو البحث الداخلي عن ممارسة جديدة لقمع الالتزامات التي تفرضها حقيقة الانتماء القومي للعرب المقيمين في إسرائيل للحيلولة دون أن يقودهم وعيهم هذا بالانتماء إلى ممارسات تتنافى مع كونهم مواطنين إسرائيليين مطالبين بالإخلاص للدولة.

عن الوجه الأول يقول الكاتب إن الانجرار وراء حصر القضية كلها في مسألة التطور يعود على السلطة الإسرائيلية ببعض النفع "لا لأنها تلفق الإحصائيات وتهندس الأرقام وتملك مؤهلات التزييف، فحسب، ولكن لأن هذه المحاولة تنطوي على اعتراف بأن الغزو من أجل تمدين الشعوب المغلوبة على أمرها هو قانون العلاقة بين الغزاة والشعوب".

وينقل درويش عن كاتب عربي مقولة يلخص بها الحالة ساخرا: "كان عمر ابنتي عند إنشاء إسرائيل سنة واحدة، واليوم أصبح عمرها عشرين سنة، فهل نمت وبلغت سن الشباب بفضل الجهود الإسرائيلية؟.

التطور الخلافي

"
إسرائيل لم تتمكن من خلق الطراز العربي الذي تريده, ولم تتمكن من خلق مواطن عربي إسرائيلي بالمفهوم الدقيق للمصطلح, وأكثر من ذلك لم تتمكن من عقد الصلح معه، إن حربه صامتة، لكنها فعالة
"
يطرح الشاعر الفلسطيني جملة من التساؤلات حول إمكانية اندماج الفلسطينيين مع الإسرائيليين ويجيب عليها. فهو يتساءل: هل يكون هذا "التطور" الخرافي –وهو جزء من قضية الشعب الفلسطيني– بديلا عن قضية القومية كشعب؟ وهل بوسع التقدم الاقتصادي أن يخلق مواطنا عربيا إسرائيليا بما يعنيه هذا المصطلح من اندماج في الكيان الصهيوني والتزام بقضاياه ومصيره؟.

كما يتساءل: هل يستطيع العربي الاحتفاظ بهذا التوازن: أن يكون فلسطينيا وإسرائيليا في آن واحد؟ ويجيب بنفسه: تظهر تجربة الواقع نفسه، وتظهر المناقشات الإسرائيلية نفسها، أن طرفي الصيغة في حالة اشتباك دائم، وأن العجز عن دمجهما معا، وبالتالي دمج العربي في الكيان الإسرائيلي، لا يعود فقط إلى غياب سياسية إسرائيلية "حكيمة" في تعاملها مع الأقلية العربية، وإنما يمتد إلى الصراع الطويل بين الفلسطيني والعربي من جهة، وبين الصهيوني من جهة أخرى.

وخلص إلى أن "صيغة عربي إسرائيلي ليست صيغة فكرية متكاملة بقدر ما هي مصطلح مستمد من اعتبارات جغرافية". موضحا أن الطرفين يرفضان الاندماج: الفلسطيني يرفض الإسرائيلي، والإسرائيلي يرفض الفلسطيني.

وذهب إلى أن قدرة الإسرائيلي -في الظروف الراهنة- على تحويل رفضه إلى واقع، هي التي تعرقل عملية الحسم في تحديد هوية العربي المقيم في إسرائيل، وما يستتبع هذا التحديد من اشتراك في الممارسة وتقرير المصير السياسي.

ويختصر محمود درويش هذا الملف بالقول إن إسرائيل لم تتمكن من خلق الطراز العربي الذي تريده. ولم تتمكن من خلق مواطن عربي إسرائيلي بالمفهوم الدقيق للمصطلح. وأكثر من ذلك لم تتمكن من عقد الصلح معه، إن حربه صامتة، لكنها فعالة.

لا هوية للإنسان
من الأعمال النثرية نختار أيضا مقتطفات من كتابته "في المطار" إذ يبين بداية أنه لا يكتب الشعر في الطائرات، ولا المقالات ولا الرسائل، وأنه لم يحدث أن اضطر للنوم على مقعد في المطار سوى مرة واحدة. وفي هذه الجزئية يتحدث درويش عن تجربة تيه عاشها قسرا، ويعشها آلاف الفلسطينيين ممن لا يحظون بالاعتراف الدولي.

ويبين في مقالته أنه قادر على أن يتخيل شخصا يقضي عمره في المطار، حين يعجز الأمن الدولي، والقانون الدولي -على السواء- عن السماح له بالدخول إلى أي دولة. ويقول: ما دامت حرية الدخول والخروج مشروطة بختم على ورقة، وبورقة تحمل ختما، فتلك هي طبيعة الحياة الحديثة التي لا هوية فيها للإنسان غير رأي وزارة الداخلية.

يذهب درويش في تصوير المأساة إلى أبعد من ذلك فيقول: عندئذ ينقله مطار ما إلى مطار آخر، يشحنه إلى مطار ثالث يعيده إلى مطار رابع، كطرد بريدي ضاع عنوانه المرِسل والمرسَل إليه.

وهنا يستشهد بتجربته الشخصية "كما حدث لي.. حين أهداني مطار باريسي إلى مطار بلجيكي أهداني إلى مطار بولندي رماني إلى مطار ألماني، دون أن أملتك حق المجادلة في الحق، فلا حق لي في أي مطار...".

وأشار إلى أنه كتب في هذه الأثناء قصيدته "مطار أثينا" في أقل من عشر دقائق على متن الطائرة، كما يكتب ملاحظة عن المناخ "بعدما قضيت ساعتين في المطار اليوناني المزدحم مع عائلات فلسطينية شكلت ما يشبه المجتمع في المطار، وهي لا تعرف كيف وحدت نفسها هناك في انتظار ما لا تنتظر في احتمال ما ينقلها إلى ما لا تعرف".

خليل الوزير

"
من هو الإرهابي؟ هل هو الولد الذي يقاوم الدبابة بحجر؟ أم الدولة التي تغتال الولد بدبابة؟ من هو الإرهابي؟ هل هو الشعب الذي يدافع عن حقه في الوجود أم حرب الإبادة؟ أم الدولة التي تغتال خليل الوزير في تونس؟
"
كتاب الأعمال النثرية تضمن كتابات في قيادات الثورة الفلسطينية. فقد كتب درويش عن القيادي في حركة فتح خليل الوزير الذي اغتالته إسرائيل في تونس قبل أكثر من عشرين عاما.

وتحت عنوان "خليل الوزير ومرارة الحرية" كتب متسائلا: ماذا فعل القتلة أكثر من الإفصاح عن هويتهم؟ لقد اغتالوا كثيرا كثيرا في كل مكان، بكاتم الصوت ذاته وبالقناع ذاته، وانتصروا علينا في شروط الغابة، غابتهم، في معركة ليست معركتنا، هم الإرهابيون بامتياز، هم القتلة بامتياز، هم القراصنة بامتياز، هم قطاع الطرق بامتياز.

وتابع يقول: سيحتاج الوعي العالمي المتفرج إلى وقت أطول وإلى اغتيال أكثر، كي يعيد صياغة مفهوم جديد عن الإرهاب إزاء حرج قانوني يسببه تباهي دولة بتفوقها في فن الإرهاب، بعدما اعتاد إلصاق هذه التهمة بالضحية.

وأضاف: من الترف أن نعيد طرح السؤال الساذج: من هو الإرهابي؟ هل هو الولد الذي يقاوم الدبابة بحجر؟ أم الدولة التي تغتال الولد بدبابة؟ من هو الإرهابي؟ هل هو الشعب الذي يدافع عن حقه في الوجود أم حرب الإبادة؟ أم الدولة التي تغتال خليل الوزير في تونس؟

رسائل للقاسم
يحتوي الجزء الأخير من الكتاب مجموع الرسائل التي بعث بها الشاعر الراحل من باريس بفرنسا إلى زميله الشاعر سميح القاسم، وجميعها في سنوات الثمانينات من القرن الماضي.

وفي إحدى رسائله بعنوان "منذ البداية" والمؤرخة في 5/10/1987 يتحدث درويش في الرسالة عن اتحاد الكتاب الذي أسسه القاسم في فلسطين. ويقول: ليس حدثا عاديا في ظروف غير عادية، أن تنجح أنت وإخوانك الكتاب في تأسيس أول اتحاد للكتاب العرب في الوطن المحتل، بعد أربعين عاما من الاحتلال.

ويقول: إنها دلالة رائعة أن تشكل اتحاد كتابنا في الداخل في مناخ نجاحنا في توحيد صفوفنا في الخارج. لقد استلهمنا من مداخلاتكم المثمرة قوة للتغلب على ما كان يفرقنا من هامش السياسي اليومي... باسم إخوتك الكتاب في الخارج، أهنئك بثقة زملائك الغالية، بانتخابك رئيسا لاتحاد الكتاب بالإجماع.

"
من درويش إلى القاسم: اسمح لي أن أشد على يديك أو أن أدعوك إلى ترك باب اتحاد الكتاب مفتوحا على مصراعيه لكل من يخالفكم الرأي والعقيدة، فلسنا في حاجة إلى ترف هذا الخلاف الذي لا يبرر الدعوة المتسرعة إلى إنشاء اتحاد كتاب بديل، وإلى مفاوضات توحيد، ومؤتمر جديد
"
ينصح درويش زملاءه في الاتحاد بالاستقلالية واستيعاب بعضهم. فيقول: هل من حقنا التدخل الأخوي في شؤونكم. لنناشدكم كلكم التخلص من آفاتنا؟ ففي الخارج، خارجكم، أكثر من دولة عربية تطلب الوصاية. وفي الداخل، داخل خارجنا، دولة عدوان واحدة.

وجاء في رسالته إلى سميح القاسم: اسمح لي أن أشد على يديك أو أن أدعوك إلى ترك باب الاتحاد مفتوحا على مصراعيه لكل من يخالفكم الرأي والعقيدة، فلسنا في حاجة إلى ترف هذا الخلاف الذي لا يبرر الدعوة المتسرعة إلى إنشاء اتحاد كتاب بديل، وإلى مفاوضات توحيد، ومؤتمر جديد.

ويختتم متسائلا: أما زال في وسع المحتل أن يحتل المزيد من قدرتنا على الفرح بالوليد الجديد؟ أما زال في وسع المحتل أن يحيل أزمته علينا بحصان طروادة من هنا، وحمار مسادة من هناك؟ لا، لا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك