عرض/عمر كوش
يقدم جورج قرم في هذا الكتاب مقاربة نقدية مستفيضة لمفهوم "الغرب" عبر الحفر في دلالات وحمولات ومركبات كلمة "الغرب"، التي تحولت من مجرد مفهوم جغرافي إلى إحدى البديهيات التي تكثف منظومة رؤية للعالم، حتى بات الغرب مقولة غير مقيدة ومشحونة وملتبسة، لا تمتلك حدّا جامعا أو مانعا، كونها استحالت إلى فكرة متخيلة، لا متحقق لها على أرض الواقع، وتجمع شذرات من عصور ولحظات ومحطات تاريخية مختلفة، وتنطوي تحت مظلتها مرجعيات ومرتكزات دينية ورمزية، انصهرت في البوتقة الموحدة لما قامت به القارة الأوروبية منذ نهضتها وإلى يومنا هذا.

المسعى المعرفي
بداية، يحذّر قرم من أن تأليف كتابه لم يكن من قبيل كراهية أوروبا، ولا من قبيل حبها والتعلق بها، إذ إن الغاية من تأليفه هي تبيان أن مفهوم الغرب والقيم المتشبت بها لم يعد له لا هذا المعنى أو ذاك من المعاني التي كانت له عبر تاريخ أوروبا.

-الكتاب: أوروبا وأسطورة الغرب
-المؤلف: جورج قرم
-عدد الصفحات: 319
-
الناشر: لاديكوفيرت، باريس
-
الطبعة: الأولى/2009
ويسعى عبر ترحاله المعرفي إلى تفكيك أصول هذا المفهوم، وتبيان الخيوط القديمة له، ووضع ألوانها وصيغها ومحيطاتها الثقافية داخل سياق معرفي جديد.

ذلك أن مفهوم الغرب، كان بالأمس يثير خلافات بين الأوروبيين، ولم يعد في أيامنا هذه إلا مفهوما فارغا، وجيوسياسيا بالدرجة الأولى، وخاليا من أي مضمون غني يمكنه الإسهام في بناء حياة العقل وبناء مستقبل أفضل.

وعليه يجري تتبع المسار التاريخي للمفهوم وما آل إليه اليوم، حيث تلقفت الثقافة السياسية الأميركية هذا المفهوم وكثفت استعماله خلال الحرب الباردة، ويبدو أنها لن تتمكن من الانفصال عنه.

تفكيك المقولة
يستند قرم في تفكيكه لمقولة الغرب إلى أطروحات وآراء العديد من الكتاب والمفكرين والفلاسفة، سواء الداعمة لأفكاره أو المخالفة لها. ويبدأ بالاستشهاد بما كتبته حنا أرند التي اعتبرت أن الشموليات اختفت ليحل محلها اليوم الإرهاب، كشرخ في الزمان في صيرورته وفيضه اللا منتهي، وفي الحيّز بين الماضي والمستقبل، وهو في الوقت نفسه مقاومة للماضي والمستقبل.

وقد تكسرت تلك الصيرورة والاستمرارية في القرن العشرين من قبل الأنظمة الشمولية وممارساتها والحربين العالميتين، لكن ذلك الشرخ بعيد عن أن يُجبَر من جديد، لأن الأصل فيه يكمن في صدام الرؤى الذي أنتجته أوروبا في القرن التاسع عشر.

وأفضى صدام الأفكار الأوروبية إلى قلب القارة الأوروبية نفسها، إلا أن الفجوات التي تركها على مستوى استقرار العالم أنتجت موجات اهتزازية أخرى ما زالت بعيدة عن التوقف، وأمام انفجار بركان الأفكار الأوروبية، فإنه ليس من السهل فهم وتتبع الهزات تحت الأرضية لقوة الأفكار والعراقيل التي تقف في طريق رواجها عبر العالم.

إذ هناك كثافة لهذا الإنتاج الفكري داخل الثقافات الأوروبية، وإنتاجها واسع في حقول الفلسفة أو التاريخ أو الميتافيزيقا أو الشعر أو الأدب أو اللسانيات أو السوسيولوجيا أو الأنثروبولوجيا.

وهنالك خطر في الاستسلام لسحر هذا الشكل الفلسفي أو ذاك أو الاستسلام للطموحات التي قد تتولد عنها، أو الارتماء في بحر المعرفة المتخصصة فيفقد الساعي إلى هذه المعرفة الرؤية الشمولية ككل.

وفي عصرنا الراهن، فإن الشرق الذي كان يجعل الغرب كائنا كمفهوم أسطوري لم يعد هو الشرق السْلافي أو الأصفر، بل هو الشرق المسلم، حيث أصبح الإسلام في خلال بضعة عقود كيانا حيا، مهددا، مضادا للغرب بامتياز. وجعلت منه كتابات كثيرة، أكاديمية وإعلامية، كائنا حيا متوحشا وعملاقا يسعى إلى المواجهة مع الغرب. وقد تعددت الصور في المتخيل الغربي، التي أفضت إلى تراكم سلسلة من الكليشيهات.

وتفترض مقولة الغرب أن يبقى الآخر/النقيض ماثلا في كل حين وزمان، حتى يمكن اختلاق هوية متميزة. وفكرة الغرب بحاجة دائما إلى قطبها السالب، أي فكرة الشرق المختلف. لكن إذا كانت مقولة الغرب تجسد اليوم العديد من المفاهيم الشائعة كالحداثة والفردية والمساواة والرفاهية وتحرر المرأة، فإنه من الضروري أن تقابلها صورة عن الشرق من محمولاته ومفاهيمه النقيضة كالتعصّب وغياب القيم الفردية والإرهاب وحكم الدكتاتوريات الدموية واضطهاد المرأة.

"
الغرب يلتمس شرقا مباينا كضرورة ماسّة لبناء هوية تحجب عن الأنظار، بالرغم مما عاناه هذا الغرب من حروب داخلية ونزاعات دينية، ومن صراعات وحروب
"
ذلك أن الغرب يلتمس شرقا مبايناً كضرورة ماسّة لبناء هوية تحجب عن الأنظار، بالرغم مما عاناه هذا الغرب من حروب داخلية ونزاعات دينية، ومن صراعات وحروب.

لكن ما الذي حدث في القارة الأوروبية كي يقلب وجه الإنسانية ويتسبب في الانكسارات والقطيعات والاندفاعات؟ وما طبيعة المعجزة الملعونة من طرف الجميع، حتى داخل أوروبا نفسها؟ ذلك أن المعجزة أدت إلى بروز كلمة أخرى، سحرية، تعكس كل هذه التحولات، وهي الحداثة، حتى باتت أوروبا تعني الحداثة، التي تعني بدورها الغرب، الذي يعني بدوره مستقبل العالم.

هذه المعادلة، أو الملحمة أو المأساة، صارت تشغل العالم كله منذ قرنين، لأن الحداثة هي أوروبا وأوروبا هي الحداثة، فيما أضحى مفهوم الغرب محورا لهذه المعادلة. وصار الغرب، شيئا فشيئا، ينحو إلى محو أي وجود لتنوع الثقافات ورؤى العالم الفلسفية والتاريخية التي أنتجتها أوروبا.

صار الغرب ابن أوروبا، وصار أبوها كذلك حامي حماها أيضا، في حين أصبحت الحداثة هي الروح القدس لأوروبا التي ترسل رياحها إلى العالم كله.

ويبدو أن الأمر عميق بعمق الثالوث المسيحي المجسد لله في ثلاثة أشخاص، على الرغم من كل الحروب الدينية التي تسببت في معارك كبيرة وزرعت الاختلاف في داخل مدينة الرب نفسها.

أسطرة الغرب
يعتبر قرم أن أسطرة فكرة الغرب أفضت إلى إيجاد الروابط وتآزر المختلفين والمتباينين حول غايات وأهداف تتخطى تبايناتهم وصراعاتهم وحروبهم، لتتشكل مقاما جامعا يستر الاختلافات والنزعات الداخلية.

وقد وقع العديد من الدراسات الأكاديمية في الأنثروبولوجيا والتاريخ تحت أسر الأساطير التي شكلتها وخلقتها الذهنية الأوروبية، وبات من الشائع النظر إلى الغرب بوصفه عالما موحداً متماسكا، متجانسا ومتآلفا، في حين يكرس جورج مسعاه لتبيان تخلل الأصول وتفكك تلك الوحدة، وتبيان التصدعات والانقطاعات والشقوق، وتشييد مقام فكري مختلف عن السائد، يبيّن أن ما أفرزه التاريخ من مكونات فلسفية وسياسية واجتماعية، تخص أفكارا شتى، ترتكز إلى مفاهيم الحق والملكية والديمقراطية والليبرالية والزمن التطوري، والاحتكام إلى القانون والدستور وسوها، ليست سوى مكتسبات إنسانية عامة، تراكمت خلال مسيرة التاريخ الإنساني الطويلة، وليست من إفرازات تاريخ الغرب وحده.

ويتفق قرم مع أنطوان شارل في اعتبار "الغرب، حسب جوهره الأكثر حميمية، هو مجموعة من الرجال، الذين رسموا على سطح الأرض الحدود المميزة لشكل وجودهم وحياتهم وتفكيرهم، من خلال ما قاموا به من هجرات وحركات استعمارية ونجاحات، وكذلك من خلال انتكاساتهم في كل مرحلة من مراحل وجودهم".

"
جاء القرن العشرون الرومانسي كي يعطي خطاب الغرب حول نفسه، أو بالأحرى خطاب التمركز الغربي، طابعا ميثولوجيا قويا، يتعارض بشكل صارخ مع العقلانية والحكمة التي يسعى إليها هذا الخطاب
"
وجاء القرن العشرون الرومانسي كي يعطي خطاب الغرب حول نفسه، أو بالأحرى خطاب التمركز الغربي، طابعا ميثولوجيا قوياً، يتعارض بشكل صارخ مع العقلانية والحكمة التي يسعى إليها هذا الخطاب.

ويظهر الحفر في طبقات التاريخ الأوروبي، وبالتضاد من الحكايات الكبرى التي خلقت استمرارية هذا التاريخ ومدت جسورا له ليصل إلى الحضارة الإغريقية الرومانية، أن بذور القوة الأوروبية نمت بفضل علاقاتها القوية والاستثنائية مع الحضارات الأخرى، حيث أسهم التخصيب المستمر للثقافات الأوروبية منذ أوائل القرون الوسطى في نهوض ثورة غاليليو والموسوعات وقرن التنوير، والثورة الصناعية كذلك.

وتقوم الأسطورة بوظيفة أساسية في كل حياة اجتماعية بوصفها من يخلق ويقوي، بدون توقف، الروابط الاجتماعية، وبقيت دراسة الأساطير لفترة طويلة من الزمن من اختصاص الأثنولوجيين الأوروبيين، الذين راحوا يكتشفون القبائل "المتوحشة"، التي تعيش بعدا عن التيارات الكبرى الحضارية، وشكلت موضوعا للعديد من الدراسات الخاصة بالأساطير اليونانية، خاصة تلك المتعلقة بالآلهة.

ثم اختفى الإرث الأسطوري اليوناني عدة قرون تحت تأثير المسيحية، وعاد إلى الواجهة خلال عصر النهضة الأوروبية، وأضحى فرعا هاما من فروع المعرفة والثقافة في القرن العشرين المنصرم.

وينتقد قرم أسطرة الغرب التي بلورتها الفلسفة الهيغيلية المتعالية والفيبرية، ودعمتها النيتشوية، ومجمل الفلسفات التي قامت على أساس الروح الكلية. وقد أرست هذه الأسطرة في القرن التاسع عشر دعائم نظريات عرقية كبرى، وتجسدت في النازية التي سعت إلى تدمير الجذر الإنساني المشترك في البشرية، وانتقمت من اليهود، والتي كانت وليدة الكليانية الأوروبية والنظرة التحقيرية والعدائية للآخر، وبات وفقها الغرب قبلة العالم والنموذج القاعدي للحضارة والحداثة وتقدم الإنسانية.

الجذر الفلسفي
ارتبطت مقولة "الغرب" بالفلسفة الألمانية، وبالتحديد بكتابات هيغل وماكس فيبر، وكانت تشير إلى الانقسام داخل أوروبا نفسها ما بين فلسفة الأنوار الفرنسية الألمانية وبين أوروبا التقليدية التي كانت تحاول الحفاظ على القيم الدينية العتيقة، وعلى أنماط التراتب الاجتماعي الموروثة عن العصور الوسطى.

وقد دافع كل من هايدغر وأدورنو في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين عن أوروبا حيال التهديد الذي كانت تمثله "الهوية الغربية"، بوصفها مشروعا أيديولوجيا ارتبط بمناخ الحرب الباردة.

وكان أكثر ما يهدد أوروبا الثقافة في أبعادها التاريخية الأصيلة هو الغرب بوصفه رمزا للحداثة العدمية، المدمرة للأصول وللفكر وللهويات. غير أن المقاربة الجيوسياسية والأيديولوجية للمقولة أزاحت أفكار الفلاسفة وآمال الأدباء لتصبح مسلمة "الغرب" الإطار الجديد لصياغة الهوية الأوروبية.

"
حمل مفهوم "الغرب" شحنة عنيفة مدمرة، حيث ارتبطت به الحربان العالميتان المدمرتان في القرن العشرين المنصرم، وشكّل الخلفية المؤطرة لـ"حرب الثقافات" المرفوعة منذ نهاية الحرب الباردة
"
وقد حمل مفهوم "الغرب" شحنة عنيفة مدمرة، حيث ارتبطت به الحربان العالميتان المدمرتان في القرن العشرين المنصرم، وشكّل الخلفية المؤطرة لـ"حرب الثقافات" المرفوعة منذ نهاية الحرب الباردة. ونقلت الأقلام الجديدة المفهوم من التصور الثقافي الحاضن للقيم "اليهودية المسيحية" إلى التصور الإستراتيجي الذي يغطي الامتداد من أوروبا إلى الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، مع أن عبارة "الحضارة اليهودية المسيحية" نُقلت من دلالتها التاريخية، التي كانت تنحصر في الطوائف المسيحية الأولى التي لا تفترق كثيرا عن اليهود، لتتحول إلى سياق لعزل الإسلام والمسلمين داخل التقليد التوحيدي.

أخيراً، لا ينسى قرم أن يبرز الوجه الآخر لأوروبا، الوجه المضيء الذي غالبا ما ينساه المؤرخون والكتاب والفلاسفة، ألا وهو الإنتاج الموسيقي الأوروبي، الذي جعله يضع صورة لحفل كونشيرتو غلافا لكتابه.

ويرى أن ذروة العبقرية الموسيقية مجسدة في أعمال الموسيقار موتسارت، الذي شكلت موسيقاه إسهاما كبيرا وأساسيا في النهضة الموسيقية، حيث تعانق فيها الموسيقى الدينية الموسيقى الدنيوية، وتعددت أنواعها وموضوعاتها، وتنوعت مصادر وحيها وإلهامها، ولم ترض أن تبقى حبيسة الأدراج وغرف الكنائس والكاتدرائيات والأديرة، بل حلّقت وتناثرت فوق كل الأقاليم والقارات.

المصدر : الجزيرة

التعليقات