عرض/ نبيل السهلي 
حاول المؤلف في هذا البحث الطويل إبراز نقاط مضيئة توضح اعتقاده القائل إن إنفاذ العدالة الدولية يجب أن يكون سواءً على كل الدول مهما كان موقعها ومكانتها في إطار لوحة العلاقات الدولية وألا تصبح هذه العدالة مجرد أداة بيد الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن تقهر من خلالها الدول الأخرى، وأداة للتدخل في شؤونها الداخلية لأغراض سياسية وليس من أجل الدفاع عن حقوق الإنسان وحمايته من كل انتهاك.

وقد يجد المتابع في هذا الجهد البحثي الذي نعرض له تأصيلاً للجرائم التي ارتكبت في العراق وتوثيقاً تاريخياً لها عسى أن يأتي اليوم الذي تتم فيه محاكمة عتاة المجرمين الدوليين كدول في الأساس وأشخاص ورؤساء دول شاركوا في العدوان على العراق، وارتكبوا الجرائم بحق شعبه وتراثه وحضارته.

العدوان على العراق انتهاك للقانون الدولي
يشير المؤلف في الفصل الأول من الكتاب إلى أن العدوان الأميركي البريطاني على العراق في عام 2003 كان من أشد الأعمال خطورة على المجتمع الدولي وانتهاكاً للقانون الدولي، وأن الدول والأفراد الذين تورطوا في هذا العمل ومن دعمهم بشكل مباشر يكونون قد ارتكبوا جريمة العدوان الدولية التي وصفتها محكمة نورمبرغ بالقول "إن الحرب من حيث الجوهر هي عمل شرير وإن عواقبها لا تقتصر فقط على الدول المتحاربة ولكنها تطال العالم بأجمعه ولذلك فإن شن حرب عدوانية لا يعتبر جريمة دولية فحسب بل إنه الجريمة الدولية الأولى، لا تختلف عن غيرها من جرائم الحرب إلا من حيث أنها تنطوي في داخلها على الشرور المتراكمة كلها".

-الكتاب: سقوط أميركا
-المؤلف: المحامي ودود فوزي شمس الدين
-عدد الصفحات : 151
-الناشر : دار الشجرة للنشر والتوزيع, دمشق, سوريا
- الطبعة: الأولى/ 2009
ويذهب الكاتب ليؤكد بعد ذلك أن الولايات المتحدة الأميركية ونتيجة استخدام القوة ضد العراق قد انتهكت الالتزامات القانونية المترتبة عليها بموجب الفقرة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة التي تنص على ما يلي "يمتنع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد، باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة".

جريمة الإبادة الجماعية
يوّصف الكاتب في الفصل الثاني والثالث من الكتاب أركان الإبادة الجماعية بالقتل بالاعتماد على المادة السادسة من نظام المحكمة الجنائية الدولية على الشكل الآتي:

أولا: أن يقتل مرتكب الجريمة شخصاً أو أكثر.

ثانياً: أن يكون الشخص أو الأشخاص منتمين إلى جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية معينة.

ثالثاً: أن يكون مرتكب الجريمة قصد إهلاك تلك الجماعة المشار إليها، كلياً أو جزئياً بصفتها تلك.

رابعاً: أن يصدر هذا السلوك في سياق نمط مماثل واضح ضد تلك الجماعة أو أن يكون من شأن السلوك أن يحدث ذاته ذلك الإهلاك.

ويؤكد المؤلف أن الأفعال التي ارتكبتها أميركا في العراق منذ ربيع عام 2003 متعمدة وتمّ التخطيط لها منذ عام 1990، ويستند المؤلف في ذلك إلى ما قاله سكروكروفت في اجتماع مجلس الأمن القومي الأميركي "إن قرار ضرب العراق متخذ منذ فترة وما علينا إلا اختلاق الذريعة التي سيتم تسويقها على مجلس الأمن لاستصدار قرار دولي بالأمر".

"
تبعاً للاحتلال الأميركي وممارساته في العراق, فإن الولايات المتحدة الأميركية والدول المتحالفة معها قد ارتكبت جريمة الإبادة الجماعية المعاقب عليها في القانون الدولي
"
وتبعاً للاحتلال الأميركي وممارساته في العراق، يفند المؤلف التهم الموجهة للولايات المتحدة على النحو الآتي: استخدام الأسلحة المحرمة دولياً وخاصة اليورانيوم المستنفد الذي أدى إلى انتشار الأمراض السرطانية والإصابة بالعقم وتشوهات الولادة، وإثارة الرعب والصدمة والفزع العام، ناهيك عن الاعتقالات والمداهمات العشوائية الواسعة، فضلاً عن انتشار سوء التغذية وتقييد حرية الحركة وانتشار أعمال خطف الأطفال، وبالتالي انتهاك المواثيق والقوانين والأعراف الدولية.

ويصل المؤلف إلى نتيجة هامة مفادها "بما أن الولايات المتحدة الأميركية هي التي ارتكبت جريمة الإبادة الجماعية في العراق، فإنه يصبح من المناسب استخدام تعريفات قانون الولايات المتحدة الأميركية لجريمة الإبادة الجماعية، تحت البند رقم (18) الفقرة رقم (1093) من قانون الولايات المتحدة". ومن كل ما تقدم يتضح أن الولايات المتحدة الأميركية والدول المتحالفة معها قد ارتكبت جريمة الإبادة الجماعية المعاقب عليها في القانون الدولي.

السقوط الأخلاقي لأميركا
يحاول المؤلف أن يوضح في الفصلين الرابع والخامس الأفعال اللاإنسانية التي ارتكبتها الجيوش التي عزت العراق وبخاصة الجيش الأميركي، والتي تشكل بمجملها جريمة ضد الإنسانية وليس ضد الشعب العربي بعينه، ومن بين تلك الأفعال غير الإنسانية حالات الاغتصاب التي ارتكبت بحق الشعب العراقي على يد الجنود الأميركيين، وكذلك عمليات السجن العشوائي التي طالت آلافا من الشعب العراقي ومن أعمار مختلفة، فضلاً عن عدد كبير من السجينات العراقيات، الأمر الذي أدى إلى حالات حرمان كبيرة للحرية البدنية، ومع تراكم عدد كبير من القتلى العراقيين منذ يوم الاحتلال في ربيع عام 2003 وحتى اللحظة الراهنة، تضاف جريمة جديدة ترتكبها الولايات المتحدة الأميركية ضد الإنسانية جمعاء.

ويصل المؤلف إلى نتيجة أساسية، يرى من خلالها العدالة الدولية قاصرة والقانون الدولي غير ذي جدوى طالما أن من يمارس جريمة العدوان وجرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب ضد الإنسانية وممارسة إرهاب الدولة لا يزال طليقاً يعيث في الأرض جرائم وانتهاكات، ألا وهي الولايات المتحدة الأميركية، هذه الدولة التي سقطت في العراق أخلاقيا واعتباريا قبل سقوطها القانوني المهين عن جرائمها التي يندى لها جبين البشرية.

إمكانية تجريم أميركا ومحاكمتها

"
يجب تأصيل الجرائم التي ارتكبت في العراق وتوثيقها تاريخياً, عسى أن يأتي اليوم الذي تتم فيه محاكمة عتاة المجرمين الدوليين أمثال بوش وبلير وأزنار وبرلسكوني ورئيس وزراء أستراليا
"
يتساءل الكاتب قائلاً "هل حوكمت الولايات المتحدة الأميركية عن جرائمها في اليابان وفيتنام وكوريا، وفرنسا عن جرائمها في الجزائر والدول التي استعمرتها، وبريطانيا في الدول التي استعمرتها، والاتحاد السوفياتي في تشيكوسلوفاكيا وأفغانستان والشيشان وداخل جمهورياتها.

وبالتالي يرى المؤلف أن تلك الدول المشار إليها والتي ارتكبت جرائم لا تتحدث عن حقوق الإنسان في بلدانها إلا باستحياء، وذلك لمسايرة شعوبها سيما أثناء الانتخابات لكسب أصواتها على أساس أنها المدافعة عن حقوق الإنسان وحمايته من كل سوء.

ولأن غزو العراق كان عملاً جرمياً مخالفاً لميثاق الأمم المتحدة وانتهاكاً للقوانين والأعراف الدولية، ولأن من قام بالعدوان في الأساس دولتان دائمتا العضوية في مجلس الأمن هما الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، إضافة إلى بعض حلفائهما الدوليين، وليس هناك إمكانية لمحاكمتهم عن الجرائم التي ارتكبوها في العراق في المدى القريب، فيجب تأصيل الجرائم التي ارتكبت في العراق وتوثيقها تاريخياً -كما يؤكد المؤلف- عسى أن يأتي اليوم الذي تتم فيه محاكمة عتاة المجرمين الدوليين أمثال بوش وبلير وأزنار وبرلسكوني ورئيس وزراء أستراليا وكل من ساهم في ارتكاب جرائم الحرب ضد شعب وأرض وتراث وحضارة العراق.

وفي السياق نفسه يرى الكاتب أنه رغم أن الولايات المتحدة الأميركية أرادت أن تحصن نفسها بعدم توقيعها على قانون المحكمة الجنائية الدولية إلا أن المادة (13) من قانون المحكمة تجيز لها ممارسة الاختصاص فيما يتعلق بالجرائم الواردة في المادة (5) من قانونها وهي:
1- جرائم الحرب
2- جرائم الإبادة الجماعية
3- جرائم ضد الإنسانية
4- جريمة العدوان

"
لم يبق سوى تحرك الضمير العالمي لإنفاذ مفاهيم العدالة الدولية والقانون الدولي وذلك بعد أن وثق المئات من رجال القانون في الدول العربية والعالم جرائم أميركا في العراق
"
وتبعاً للجرائم المشار إليها وعدم معاقبة الدول والشخصيات التي ارتكبت تلك الجرائم في العراق وغيرها من دول العالم، يوصي الكاتب قائلاً إن الضمير العالمي أمام امتحان عسير وتاريخي فإما أن يكون الجميع سواسية أمام القانون الدولي والعدالة الدولية وتشهد محاكمة هؤلاء المجرمين، أو أن تبقى العدالة مجرد أداة ضغط وابتزاز أخرى لدى الدول الكبرى لقهر دول العالم والتدخل في شؤونها الداخلية وتقديم المبررات لكل أعمال الانتقام التي تمارس في غير مكان من العالم والتي يطلق عليها منتهكو العدالة مسمى الإرهاب.

لم يبق سوى تحرك الضمير العالمي لإنفاذ مفاهيم العدالة الدولية والقانون الدولي، وذلك بعد أن وثق المئات من رجال القانون في الدول العربية والعالم جرائم أميركا في العراق، فهل من صحوة إنسانية وسقوط أميركي قريب في فخ العدالة الدولية؟

أهمية الكتاب
في الكتاب جهد بحثي واضح، تم فيه توصيف وإبراز القسم الأكبر من جرائم الاحتلال ضد شعب وحضارة العراق وأوابده التاريخية، فالتوثيق يبدو المادة الأساسية لفصول الكتاب، وقد أعطت عملية الربط بين الجرائم المختلفة التي تمت الإشارة إليها في الكتاب مع القوانين والقرارات الدولية ذات الصلة بعداً، قد يكون ركيزة هامة لملاحقة المجرمين وإدانتهم ثم محاكمتهم والاقتصاص منهم من أجل سعادة الإنسانية والاستمرار في حياة كريمة لكافة شعوب الأرض، ولشعب العراق الذي ذاق صنوف العذابات المختلفة من جراء الاحتلال وتداعياته المختلفة والتي مازلنا نشهد فصولها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك