عمر كوش

عمر كوش

كاتب وباحث سوريا ويهتم بقضايا الفكر والثقافة، ويكتب بشكل دوري في بعض الدوريات العربية.

عرض/عمر كوش
يتناول هذا الكتاب إستراتيجية الردع في ظل العقيدة العسكرية الأميركية الجديدة وأثرها في استقرار النظام الدولي، وتنهض أطروحته على فرضية تعتبر أن الردع ما زال إستراتيجية قائمة تمارس وجودها في العلاقات الدولية الراهنة، وتستدعي استمرارها ثورة الشؤون العسكرية التي جاءت بها دلالة ثورة التكنولوجيات الحديثة المتاحة لدى قوى متنوعة مكنتها من التطلع إلى إحداث مستويات خاصة من الردع في مواجهة أطراف نووية بالدرجة الأساس.

-الكتاب: إستراتيجية الردع 00العقيدة العسكرية الأميركية الجديدة والاستقرار الدولي
-المؤلفة: د. سوسن العساف
-عدد الصفحات: 462
-الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت
الطبعة: الأولى/2008

وتبدأ المؤلفة بمناقشة الأطر المفهومية واللغوية للردع، ثم تعقد مقاربة بين هذا المصطلح ومصطلحات ومفاهيم أخرى، مثل "الإرهاب" و"الأزمة"، و"الحرب"، وتسهب في عرض شروط الردع وأشكاله ومستوياته، ومكانته في الإستراتيجية الأميركية في فترة الحرب الباردة.

كما تتطرق لافتراضات انتهاء أو بقاء الردع في ظل المتغيرات الدولية الجديدة، بناء على أسس التحليل النظري لإستراتيجية الردع، مع ربطها بالأوضاع الدولية التي عصفت بالعديد من المفاهيم والمصطلحات التي أفرزت مضامين وآليات إستراتيجية جديدة، وتأثير تعدد القوى النووية والثورة في الشؤون العسكرية على الردع.

ويبدو أن نهاية الحرب الباردة لم تؤذن بنهاية إستراتيجية الردع، حسب ما تصور العديد من الكتاب والمحللين السياسيين، إذ إنها ما زالت قائمة تحت مسميات جديدة، مثل الضربة الوقائية والاستباقية، التي تمحورت في السلوك السياسي الخارجي الأميركي من أجل تعزيز القطبية الأحادية في نظام دولي غير مستقر، وتهدف إلى إجهاض قدرات ونوايا الأطراف المقابلة الواقعة تحت تصنيفات الأعداء والأعداء المحتملين, سواء أكان هذا الطرف دولة واحدة أم مجموعة من الدول, أم كانوا أفرادا أم حركات أم منظمات وسواها.

مفهوم الردع
الردع في أبسط معانيه المعروفة هو محاولة طرف ما ثني طرف آخر عن الإتيان بفعل يرى الطرف الأول أنه ضار به, أو يجده ضروريا لمنع الطرف الآخر من أن يفكر بالقيام بعمل ما, أو الإتيان بتصرف أو سلوك معين يمكن أن يشكل تهديدا لمصالحه أو لأهدافه أو لموقعه أو لمكانته.

ومفهوم الردع ليس جديدا في العلوم العسكرية والإستراتيجية, كما أنه ليس كذلك في الحياة السياسية والاجتماعية، ولا يختلف عن العديد من المفاهيم التي جرى, ولا يزال, تداولها ضمن الأدبيات السياسية والعسكرية، كما أنه ليس بالضرورة بمكان أن ينحصر الردع في القضايا والإستراتيجيات العسكرية, وإن كان الاستخدام الأوضح له هو عندما يكون هناك احتمال أن يؤدي إلى احتكاك أو مواجهة محتملة الوقوع بين طرفين أو قوتين أو أكثر, إذ يمكن العثور عليه حتى في الممارسات أو السلوك اليومي بين الأفراد والجماعات والدول المختلفة.

"
الردع بمدلوله اللغوي يلتقي مع الإرهاب، رغم اختلاف مضامين كل منهما، من جهة أنهما يبتغيان التهديد أو التلويح بالقدرة على استخدام القوة، وحالة الإرهاب هي حالة ردع فاعلة ومستمرة في ظل امتلاك قوة عظمى لمقومات القوة
"
وتلاحظ المؤلفة أن الردع بمدلوله اللغوي يلتقي مع الإرهاب، رغم اختلاف مضامين كل منهما، من جهة أنهما يبتغيان التهديد أو التلويح بالقدرة على استخدام القوة، وأنه بمطابقة الاتجاه النظري مع الواقع العملي, فإن حالة الإرهاب هي حالة ردع فاعلة ومستمرة في ظل امتلاك قوة عظمى لمقومات القوة.

كما أن الردع الأحادي الجانب الذي تعتمده أميركا إستراتيجية لها هو أقرب إلى الإرهاب وتقسيمها للعالم إلى محاور خير ومحاور شر, ثم إن مواصلة بعض دول العتبة النووية العمل في برامجها لامتلاك هذه القدرة جعل الولايات المتحدة الأميركية ترسم أوراقا للردع في علاقاتها مع هذه الدول.

العقيدة العسكرية الأميركية
انبثقت العقيدة العسكرية الأميركية من الفكر العسكري الأميركي، الذي عمل على صبها في الإستراتيجية العسكرية ذات الهدف الأساس، المتمثل في الدفاع عن الدولة والحفاظ على أمنها القومي.

ولا شك في أنه ليس من دولة في العالم تؤدي فيها المؤسسة العسكرية دورا بارزا في عملية صنع السياسة الخارجية مثل الولايات المتحدة الأميركية, ويعود ذلك إلى طبيعة الدور الذي تمتعت به بعد الحرب العالمية الثانية، بوصفها إحدى القوتين العظميين في العالم، ورأت في نفسها حامية حمى العالم الحر، عالم الرأسمالية واقتصاد السوق. ثم جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 لتزيد من دور المؤسسة العسكرية في القرار السياسي الخارجي.

وتصور المؤلفة العقيدة العسكرية بمنزلة إيديولوجيا موازية للإيديولوجيا السياسية لنظام الحكم في عهد الرئيس جورج دبليو بوش، وتمتاز بالرسوخ والثبات في المستويات العليا، وتدخل ضمن اختصاصات القيادة السياسية.

وقد أظهرت أحداث 11 سبتمبر/أيلول وجود خلل في النهج السياسي الداخلي والخارجي الأميركي, ما استوجب إعادة النظر في العقيدة العسكرية وتنظيمها وإعدادها وبالتالي حدوث متغيرين أساسيين في هذه العقيدة، أولهما الثورة في التكنولوجيا العسكرية من أجل التركيز في إصابة الأهداف بأقل الكلف والخسائر, وثانيهما إدخال إستراتيجيتي الضربة الوقائية والضربة الاستباقية لتحقيق أهدافها، وبالتالي فإن وقائع أحداث 11 سبتمبر/أيلول شكلت منعطفا أساسيا وتحولا جذريا لنوعية الخطاب والممارسة في السياسة الخارجية الأميركية، حيث احتل مفهوم العقيدة العسكرية الأميركية الجديدة بتبني إستراتيجية الضربة الاستباقية قسما كبيرا من الخطاب السياسي والإستراتيجي الأميركي.

"
الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة مع الحروب التي ستخوضها مستقبلا لن ترتبط بروادع أخلاقية أو بشرعية دولية، وستحمل هذه الحروب في طياتها كثيرا من الدمار والإساءة لحرمات الشعوب "
وترى المؤلفة أن أحداث 11 سبتمبر/أيلول تركت العديد من التداعيات، ومنها انهيار مفهوم الأمن القومي الأميركي القائم على الردع النووي والصاروخي وأسلحة الدمار الشامل، حيث أظهرت أن مجموعة أفراد قلائل يمكنها إلحاق خسائر فادحة بأمن الدولة العظمى في العالم، التي تعد أقواها سلاحا، وأكثرها تنظيما وامتلاكا لأجهزة ومنظومات الاتصالات والمعلومات التقنية المتطورة.

وأفقدت تلك الأحداث الولايات المتحدة قدرتها الردعية، وأصبحت ملزمة باستعادة الصورة الردعية الفاعلة سريعا، لذلك تبنى مفهوم العقيدة العسكرية الأميركية الجديدة إستراتيجية الضربة الاستباقية، واحتل ذلك قسما كبيرا من الخطاب السياسي والإستراتيجي الأميركي. وينهض الفهم الأميركي للحرب الاستباقية على مرتكز جديد لمفهوم الاستباق في العلم العسكري، نظرا لأنه يعتمد على نوايا مبكرة تراها الولايات المتحدة على أنها عدائية.

وتؤكد المؤلفة أن الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة مع الحروب التي ستخوضها مستقبلا وبمختلف العقائد العسكرية وبالتحولات التي ستشهدها هذه الإستراتيجية، تشترك بأسس ومرتكزات تقوم على أنها لن تعرف الحدود، ولن ترتبط بروادع أخلاقية أو بشرعية دولية، وستحمل هذه الحروب في طياتها كثيرا من الدمار والإساءة لحرمات الشعوب ما دام التقدم العسكري الأميركي يسير بمعزل عن القيم الروحية.

ثم تناقش آثار ونتائج هذه الإستراتيجية مقدمة رؤية مستقبلية حول الاستقرار واللاستقرار في النظام الدولي.

الإستراتيجية الأميركية
نهضت أسس الإستراتيجية الأميركية على مواجهة ما وصفه صانعو السياسة الأميركية بالتهديد الذي أخذ أشكالا مختلفة، ففي فترة الحرب الباردة كان التهديد يعني مواجهة الاتحاد السوفياتي، أما بعد الحرب الباردة فإنه أخذ مفاهيم وأشكالا أخرى، مثل مواجهة "الدول المارقة" و"الإرهاب" و"الإسلام الأصولي"، وهي جميعا في المفهوم الأميركي تعني أعداء المصالح الأميركية.

وارتبطت السياسة الخارجية الأميركية بإستراتيجية وضعت لمواجهة هذه التهديدات، وترافق ذلك بتصعيد في ابتكار ووضع إستراتيجيات مثل الردع ومكافحة الإرهاب وأخيرا "الدرع الدفاعي الصاروخي".

وقد كلفت الولايات المتحدة الأميركية قواتها العسكرية مهمة مواجهة المعسكر الشيوعي بعد الحرب العالمية الثانية، وكان الهدف هو وقف التوسع والمد الشيوعي. غير أن الدراسات أثبتت إن هدف الإستراتيجية الأميركية لم يكن المد الشيوعي بحد ذاته، بل الحفاظ على مصالحها في بقاع العالم المختلفة، التي اصطلحت على تسميتها بمناطق الديون القومية، وهي المناطق التي التزمت تجاهها أميركا دفاعا عن المصالح الأميركية.

"
تتضمن الإستراتيجية الأميركية عقيدة التفوق والهجوم الاستباقي التي قلبت سنوات من سياسة الأمن القومي رأسا على عقب، وأصابت في الصميم معاهدة "وستفاليا"، التي طالما شكلت ركيزة المنظومة الدولية الحديثة للدولة القومية منذ أكثر من 300 سنة
"
وترى المؤلفة أنه عبر المرور بالإستراتيجية الأميركية قبل الحرب الباردة وبعدها، فإن بما سمي بالثوابت الإستراتيجية لم تتغير، بل بقيت كما هي منذ وضعت رغم التقلبات الدولية التي حدثت. ومرد ذلك أنها استندت إلى فكرة البقاء أساسا للإستراتيجية الكونية الأميركية، ثم تدرجت من كونها مشروعا سياسيا للدفاع القومي إلى مشروع يهدف لإلحاق الهزيمة بالإرهاب الدولي.

وتتضمن الإستراتيجية الجديدة عقيدة التفوق والهجوم الاستباقي الجديدة والمثيرة، التي قلبت سنوات من سياسة الأمن القومي رأسا على عقب، وأصابت في الصميم معاهدة "وستفاليا"، التي طالما شكلت ركيزة المنظومة الدولية الحديثة للدولة القومية منذ أكثر من 300 سنة, مع أن مفهوم الاستباق ليس جديدا في العلم العسكري، لكن الفهم الأميركي له هو الأمر الجديد، كونه مبنيا على الفهم الأميركي لنوايا الطرف الآخر.

وتقوم الضربة الاستباقية على مرتكزات أساسية، منها شبكة استخبارات كونية عالية المستوى، وقواعد عسكرية، ومحطات إنذار منتشرة في أنحاء العالم، مع وجود احتمالية عالية لاستخدام الأسلحة النووية.

غير أن مشاكل كثيرة واجهت الإستراتيجية الأميركية، وحسمتها حرب الخليج عام 1991، التي كانت حربا مخططا لها وفق وثائق الكونغرس الأميركي نفسه، وأجازت تطبيق النظام العالمي الجديد بكل تداعياته.

ثم طورت الولايات المتحدة إستراتيجيتها العسكرية للتدمير الذي كانت تتوجس من أن يصيبها من معارض أو معاد لأهدافها، ووضعت أهدافها وخططها بناء على ذلك، وافترضت على الدوام وجود هجوم نووي إستراتيجي، منذ سباق التسلح النووي بينها وبين الاتحاد السوفياتي سابقا حتى انتهاء حقبة الحرب الباردة. وانتقلت إلى تطبيق أهدافها بناء على مفهومين أساسيين، هما الردع والإرهاب، اللذين شنت بهما حروب أواخر القرن الماضي.

تطور مفهوم الردع
ما تؤكده المؤلفة هو أن مفهوم الردع لم يسقط بسقوط الاتحاد السوفياتي، بل إنه تطور، وارتبط بمعنى التركيع، ونوّعت الولايات المتحدة الأميركية من أساليبها في تأمين الردع الكافي، بدءا من الردع النووي مرورا بالإذعان التطويعي فركوب الموجة.

"
عملت إستراتيجية الردع الراهنة على إلغاء أو تضييق الحدود الفاصلة بين الدفاع والهجوم, بحيث لا يمكن التمييز في سلوك القوة المهيمنة بين دفاعها فيما إذا ما كان هجوما، وهجومها فيما إذا ما كان دفاعا
"

ثم تناقش الردع بناء على معطيات الواقع السياسي والدولي, وعلى توازنات القوى وتفاعلاتها في عالم أحادي القطبية، غاب عنه المنافس الموازي في القوة والقدرة, ومهد لولادة مستوى جديد من الردع، يقوم أساسا على اختبار النوايا والتشكيك بها, بما يعطي للقطب الأوحد حرية كبيرة في التحرك وعبر حروب لا متماثلة وغير متكافئة ضد التهديدات المواجهة له ولمصالحه, وللحيلولة دون تعرض ما تعده مصالحها الوطنية والقومية للمخاطر, بناء على عقيدتها العسكرية الجديدة وتطبيقاتها الإستراتيجية العسكرية كونها أهم فروع الإستراتيجية العليا للدولة.

وقد عملت إستراتيجية الردع الراهنة على إلغاء أو تضييق الحدود الفاصلة بين الدفاع والهجوم, بحيث لا يمكن التمييز في سلوك القوة المهيمنة بين دفاعها فيما إذا ما كان هجوما، وهجومها فيما إذا ما كان دفاعا، ما يسبب إشكالية ليس على المستوى السياسي في التعاطي مع هذا السلوك دوليا، وإشكالية على المستوى النظري الذي يتطلب البحث والتطبيق, وعلى المستوى العلمي في تحديد المستوى المطلوب من الردع أيضا واختيار الأدوات والأساليب المناسبة لتحقيقه, التي تصب في معادلة التوازن بين الانتشار العالمي وتكلفته.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك